الرابع من كانون الثاني/يناير من كل سنة يذكّر المهتمِّين بالشعر الحديث في العالم العربي برحيل أبرز شعراء الحداثة في العالم الناطق بالإنكليزية: ت.س. إليوت. والرابع والعشرون من كانون الأول/ديسمبر يذكّر المهتمين بالشعر الحديث في العالم العربي كذلك برحيل أبرز شعراء الحداثة في العالم العربي: بدر شاكر السيّاب. ربما يمكن القول إن شعر بدر في خمسينات القرن الماضي قد شجّع الشعراء العرب وكتبَة النقد على الاهتمام بشعر إليوت ونقده، وخاصة في لبنان.
ففي لبنان برز عدد من الشعراء والأدباء، أبرزهم توفيق صايغ الذي نشر مجموعات من الشعر الحرّ، الذي يخلو من الوزن والقافية، إلا ما جاء منها عرضاً. كانت أول مجموعة نشرها توفيق صايغ بعنوان “ثلاثون قصيدة” (1954) نالت إعجاب كثير من شعراء وأدباء لم يُعرف عنهم الابتعاد عن أسلوب الشعر التراثي العربي. من هؤلاء سعيد عقل، ميخائيل نعيمة، مارون عبّود، خليل حاوي وآخرون. وتابع توفيق كتابة الشعر الحرّ وعينه على إنتاج إليوت، إذ ترجم له “رباعيات أربع” (1962) ثم نشر “معلّقة توفيق صايغ” (1963) ولا أثر فيها لما في المعلّقات من وزن وقافية. وقد صرّح توفيق مرة أنه “لا يحسّ موسيقى الأوزان التقليدية”. وقبل ذلك نشر “القصيدة ك” (عام 1963) ثم ترجم “خمسون قصيدة من الشعر الأمريكي المعاصر” (1963). وثمة يوسف الخال الذي كان يعاقر الشعر الحرّ غالباً، والموزون قليلاً، أحياناً، لكن حماسته للشعر الحرّ، والأمريكي منه بخاصة، حمله على تأسيس “مجلة شعر” عام 1957، التي نشرت الكثير من إنتاج شعراء الأسلوب الجديد، وبعضهم “متشاعرون” وجدوا في المجلة وصاحبها تشجيعاً لم يدُم طويلاً.
كان الشعر الحرّ الذي قدّمه إليوت غريبا على الذوق الشعري العربي وتراثه. لكن شعراء الخمسينات وبعض الأدباء وجدوا في شعر إليوت، وتراثه النقدي بخاصة، ما يمكن أن يُغني ثقافتهم الشعرية والنقدية. وهنا جاء دور الترجمة، لتغذية المعاصرين من الشعراء والأدباء في مشرق العالم العربي، لأن المغرب العربي كان، وما يزال، تحت تأثير فرنسي في الشعر والثقافة عموماً. إلى جانب ترجمات توفيق صايغ، وأمثاله القليلين في لبنان، نجد ترجمات عن الإنكليزية في الشعر الأمريكي والدراسات النقدية بأقلام مصرية أبرزها لويس عوض. لكن ترجمات لويس عوض وقلّة آخرين كانت تميل إلى التمصير دون التعريب، باستعمال مفردات من العامية المصرية أحياناً، أو الاحتفاظ بالمفردات مترجمة لا معربة.
كان إليوت معجباً بشعراء الرمزية الفرنسيين من نهايات القرن التاسع عشر، مثل مالارميه وفرلين، ولافورغ، وفاليري. ومثل بعض كبار الأدباء الأمريكان في عصره، أحسّ إليوت أن الجذور الثقافية للشاعر الأمريكي توجد في أوروبا، وفي إنكلترا على وجه الخصوص. فقرّر النزوح إلى أوروبا، واختار إنكلترا، حيث موطن أجداده في “إيست كوكر” فقضى فترة دراسيّة في أكسفورد يدرس الفلسفة الإغريقية، ثم ذهب إلى السوربون ثم إلى ألمانيا لقضاء فترات دراسية في أعرق جامعاتها ليستقي منها أصول الحضارة والأدب الذي ينعم به شعراء أمريكا وأدباؤها، من رهط هارفرد خاصة. وقاده ذلك إلى استغوار أصول الثقافة العالمية الأعمق من الإغريق والرومان، امتداداً إلى السنسكريتية. وفي هذه السياحة الثقافية تعلَّق بالأساطير من الثقافات المختلفة، مما أكسبه صوراً واستعارات انعكست في شعره، مما جعل شعره مستعصياً على الفهم العابر. وكان للصور والإحالات الثقافية أن انعكست في شِعره بديلاً عن العبارة التقريرية، فاتخذت “معادلاً موضوعياً” أو ترابطاً موضوعياً عن الفكرة، وهو ما استهوى أكبر المعجبين بشعره من شعراء العرب المحدثين: السياب.
في شعره المبكر، أغرق السياب في الأسطورة والرمز واستعمال المعادل الموضوعي. ففي قصيدته الكبرى “أنشودة المطر” يبدأ السياب بوصف ساعة فراقه عن الحبيبة، التي أسبغ عليها خُضرة العينين، التي تغنّى بها بعض شعراء الرومانسية. ومشهد الفراق يشكل معادلاً موضوعياً لفراق روميو للحبيبة جولييت في مشهد الشرفة الشهير في مسرحية شكسبير. ولأن فراق بدر هرباً من مخاطر كانت تحدق به، أو هكذا تخيل، فإن الأسى في حالته أشد إيلاماً من حالة روميو. وهنا براعة الشاعر في الإفادة من المثال الغربي وتبنّيه في مثال عراقي بَصري يحفل بالنخيل ومياه النهر ساعة السَحَر. وفي قصائد بدر، منذ بواكيره، إفادة بلغت حد الإغراق في استعمال “الصوَرية” التي تعلّمها إليوت من شعراء الرومانسية الرمزية الفرنسيين. نجد ذلك في بواكير شعر إليوت كذلك ففي “مقدمات” (1917) نقرأ: “يستقر المساء الشتائي/ بروائح المشاوي في الممرات/ الساعةَ السادسة/ النهايات المحترقة لنهارات مُدخِّنة/ والآن زخّةٌ عاصفة تطوي/ المِزَقَ المتَّسِخة/ لأوراق ذاوية حول قدميك/ مع جرائد من عَرَصاتٍ خاوية/ الزخّات تَصفع/ خشبَ الستائر المكسَّرة وأغطيةَ المداخن/ وفي زاوية الشارع/ حصانُ عَرَبةٍ مُستوحِد جَسَدُه ينفثُ البخار وحوافره تطرق حجارة الشارع /ثم تُضاء المصابيح.
هذه صورة عن “لا فعل” من جانب الإنسان. خواء وحياة عقيم. عاد الناس إلى بيوتهم مساءً، في عتمة الشتاء، وتواروا في الشقق المتلاصقة التي لا يفصل فيها سوى ممرّات لا حياة فيها بل رائحة الشواء، الوجبة الأساس لنهارات مدخّنة بل ضبابية، نهاياتها محترقة مثل أعقاب السكاير. لا نرى الناس ولا ما يعملون. والفعل الوحيد في هذه الحياة هو عصف الرياح ودوّامة أوراق الشجر الذاوية ومِزَق الجرائد المتجمِّعة في العَرَصات غير المبنيَّة، المحيطة بهذه العمارات مكسَّرة الستائر الخشبية، التي لم تعد تحمي نوافذها من عصف الريح، التي كسّرت حتى قبّعات المداخن المعدنية على سطوح المساكن، فلم تعد النار في خشب المواقد في الدور تعطي التدفئة المطلوبة، بسبب خراب ستائر النوافذ وأغطيات المداخن التي يصعُب إصلاحها لارتفاعها فتُهمَل. هذه التفصيلات في الصورة تعبِّر عنها صوَر مختصرة سريعة، تشكل برمّتها معادلاً موضوعياً للقول: “هذه حياة عقيم” قولاً تقريرياً. وهذا ما أفاده بدر والشعر العربي الحديث عند الشعراء الموهوبين.
والذي تعلّمناه من إليوت، وأفاد منه بعض شعراء الحداثة العرب المعاصرين هو آراء إليوت في النقد التي تعرِضُها أعماله النقدية غير القليلة، وأبرزها مقالته بعنوان “التراث والموهبة الفرديّة” (1920). من الآراء الخطيرة التي أثارتها هذه المقالة وأمثالها أن الشاعر الذي يريد أن يبقى شاعراً بعد الخامسة والعشرين من العمر يجب أن يحمل في نخاع العظم منه أفضل الشعر في لغاتٍ أجنبية، إلى جانب أفضل الشعر في لغته هو، مفضِّلاً أن تكون دراسة الشعر الأجنبي بلغاته الأجنبية. يستمر هذا النهج في شعر إليوت، ويزداد وضوحاً في قصيدته الكبرى “الأرض اليباب” (1922) وقبلها في قصائد مثل “أغنية حب ج. الفريد بروفروك” وهذا شخص أشبه بما يُدعى في العربية “هَيّ بن بَيّ” إنسان أشبه بلا إنسان، مجهول النسب والمنبت. لكنه يتلبَّسُ هيئة الباحث عن الحب، ولكن في “فنادق رخيصة لليلة واحدة” في “شوارع خلفية غير مضاءة”. يحاول الظهور بمظهر الشباب، ولكن الزمن قد تخطاه. هذه صورة الإنسان المعاصر في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى. كل هذا يتم التعبير عنه بصوَر تشكل بمجموعها ما يريد الشاعر قوله بالأسلوب التقريري الذي يحتمل الصدق والكذب، كما يقول، البلاغيون. لكنه بالأسلوب الصوري يكون أكثر بلاغةً.
من أجل كل هذه المزايا في شعر إليوت كانت مسألة نقله إلى العربية تتطلب أكثر من إتقان العربية والإنكليزية، بل ثمة ضرورة كبرى للشرح والتفسير والهوامش لتوضيح الإحالات إلى كتب وشعراء قد لا يكون أغلبها في حدود معرفة القارئ العربي المتشوق للاطلاع على ما لدى شعراء العالم الآخرين، لذا كانت الترجمة وحدها تقصّر عن المطلوب.