«يبدو مستقبل الديمقراطية مظلماً على نحو متزايد» هكذا آثر كل من الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور وعالم الاجتماع الأمريكي غريغ كالهون والمفكر الهندي ديليب غونكار أن تكون افتتاحية كتابهم المشترك «انتكاسات الديمقراطية»، وهذه البداية تحديدا توضح إلى أي مدى يمكن للديمقراطية أن تنجح في ظل مستقبلها المبهم. نظرة يشوبها التشاؤم لمستقبل هذا الشكل السياسي الذي ينظم حكم الشعوب لنفسها في إطار التغيرات الناتجة عن العولمة من تحولات تقنية وهجرات منظمة وغير منظمة وأزمات صحية واقتصادية، فيا ترى ما المؤشرات التي طرحوها لتعزيز رؤيتهم هذه، وماهي الحلول التي اقترحوها لمستقبل تحظى فيه الديمقراطية بفرصتها الحقيقية من أجل حياة أفضل للأجيال القادمة؟
تبدو المؤشرات التي طرحها المؤلفون كحلول هي في الواقع أسئلة ملحة أكثر منها إجابات عن كيفية اختبار صلابة النظام الديمقراطي، حيث أن إيقاع التغيرات في الدول المعنية من جهة وفي العالم من حولها، والذي صار قرية صغيرة يشهد نجاحات كاسحة لأنظمة شمولية مناهضة للديمقراطية على الصعيد الاقتصادي كالصين مثلاً.
يرى الفيلسوف الأمريكي جوناثان لير أن كتاب «انتكاسات الديمقراطية» يمتلك «رؤية ثاقبة للغاية، في إظهار كيف يمكن خلال فترات الانحطاط أن تُشوَّه القيم التي عززت الديمقراطية فيما سبق، حتى تعمل ضدها». وذكر مؤلفو الكتاب الأسباب التي حفزتهم لتأليفه، إذ كان في البداية عبارة عن أوراق بحثية تتقاطع أفكارها، قدموها نهاية العام 2017 في مؤتمر نظمته عالمة الأنثروبولوجيا الهندية شاليني رانديريا في مركز ألبرت هيرشمان للديمقراطية التابع لمعهد الدراسات الدولية العليا والتنمية في جنيف.
يطرح الكتاب إشكالية التطرف الحزبي التي تعد أكبر عدو للديمقراطية، أي أنه لا يمكن أن تتأسس الديمقراطية على أحزاب يقاتل بعضها البعض، وهذا ما شهدته الولايات المتحدة الأمريكية في انتخاباتها العام 2020 حين خسر دونالد ترامب، إذ يمكن أن تكون الحزبية المتطرفة عاملاً رئيسياً في تدني أسلوب المنافسة وصولاً إلى الانحطاط الديمقراطي.
ويبدو بكل صراحة حرص الكتاب على صياغة مثالية للممارسة الديمقراطية بحيث تكون احتوائية لكل طوائف المجتمع وفي ذهنهم التحولات الديموغرافية سريعة الوتيرة الناتجة عن الهجرة من مجتمعات أكثر فقراً وأكثر انغلاقاً، علاوة على المهمشين من المواطنين الذين فقدوا وظائفهم بفعل الأفكار الموغلة في النفعية الرأسمالية حيث تغلق الشركات العملاقة مقارها في الدولة الأم وتبحث عن بلاد بها يد عاملة رخيصة، ما خلّف ضغائن عنصرية واضطرابات طبقية ستكون الديمقراطية بوجهها الليبرالي في اختبار صعب لإذابة كل هؤلاء في مجتمع متجانس متساو في الحقوق والواجبات.
علاوة على أن التخوف على مستقبل الديمقراطية لا يخص الدول التي لا تطبق فيها كأسلوب حكم أساساً، بل مهموم بمستقبلها في دول كبرى أخرى تنتهجها في الحكم وتداول السلطة. ويتحدث تشارلز تايلور عن الحقائق التي تلخص مشهد تحلل الديمقراطية، كإضعاف المواطنين، وفشل الإدماج، والسعي الحزبي لتحقيق انتصارات سياسية على حساب المستقبل المشترك.
أيضا من أسباب تحلل الديمقراطية، كما يوضح المؤلفون، القادة السيئون، فالديمقراطية دون شك تفقد قيمتها حين يحكم بلد ما قائد سيء، إذ يروج للانقسام الاجتماعي لأن ذلك يخدم مصالحه. وفي الوقت نفسه يشير الكتاب إلى أن الديمقراطية في العالم لا تسير بالطريقة الصحيحة وكأنها تتعرض للإكراه.
تدهورت الديمقراطية من وجهة نظر المؤلفين ليس بسبب السياسيين الفاسدين، ولا بسبب الاضطرابات الاقتصادية، وزعزعة استقرار المؤسسات الوطنية، والتحولات الجيوسياسية فحسب، بل تتدهور الديمقراطية إذا لم يشعر المواطن العادي أنه يعيش وعائلته حياة كريمة، تتدهور عندما لا تكون المجتمعات قادرة ديمقراطياً على تشكيل مستقبلها. تتدهور عندما لا يتعامل المواطنون مع بعضهم باحترام تفرضه حقيقة أنهم ينتمون إلى بعض.
برأيي الخاص لا يناقش المؤلفون تحولات الديمقراطية المضطربة، وإنما يبحثون في أسباب تحللها في دول كانت فيها قوية وواعدة لكل حالم بنظام ديمقراطيّ كأمريكا، مقارنة بالهند التي تعتبر نموذجا سيئا للديمقراطية، إذ تكاد تنعدم فيها لأسباب كثيرة منها التعددية العرقية والدينية واللغوية وعدم الاحتكام إلى القانون وافتقارها للدستور.
لا يمكن أن يطلع للديمقراطية نهار دون أن تشتغل على بناء الأسس التي تضمن وجودها بين الشعوب، يقول الكتاب: «الديمقراطية القوية هي وسيلة لتمكين جميع المواطنين، سواء في السياسة أو في بقية أوجه حياتهم، لكن التمكين يشجع على الجدل ويكشف عن التوترات بين المصالح العامة والخاصة. وهو يتسبب في حدوث المقاومة من بعض النخب، كما أنه يساعد على الحشد أو التعبئة من أجل حل المشكلات».
ومن هنا يجب أن تسعى للإدماج السياسي، وزرع قيم التعاون والتشارك، لكنه في الوقت ذاته يؤكد أن التعدد العرقي ووضع الهجرة وغيرها من الانقسامات تؤدي إلى التشتت وتحد بطريقة ما من الإدماج السياسي، ومن هنا يجب إعادة تعريف للهوية الأمريكية التي تشمل الجميع. إذ: «تخاطب الديمقراطية مباشرة رغبة ما فطرية لدى البشر في تحقيق حرية وعدالة جلية ناتجة عن المساواة».
وهي كما عبر عنها الكتاب: «أكثر من مجرد تعبيرات فورية عن الإرادة الشعبية».
ولكن، كي تزدهر الديمقراطية من الضروري أن «يتم التعامل معها كمشروع» مشروع موجه نحو المستقبل، ومنفتح على روح التغيير.
وفي حين «يشدد كالهون وتايلور على أهمية الديمقراطية الأكثر شمولاً، فإنهما يدركان أنها تمثل تحدياً، وستكون غير مكتملة في المستقبل القريب. يشعر غونكار بالقلق بشأن مرحلة «الديمقراطية القبيحة» لكنه يأمل أن يخفف تجديد الجمهوريانية والتضامن الاجتماعي من هذه المرحلة» كما ورد بالكتاب.
يتحدث المؤلفون عن دور الرأسمالية في التهميش الطبقي القائم على الحالة الاقتصادية كما ظهر ذلك بطريقة واضحة أيام الوباء، واستئثار الدول المنتجة للتطعيمات بها دون توزيع عادل، وبالتالي ظهور ما يسمى بالتشظي الطبقي، وعدم المساواة، وأدى إلى الكثير من المشاكل، وأيضا المظاهرات.
لذا يرون أنه من المهم إضاءة الفكر الديمقراطي والذي لن يتم إلاّ باحتواء الأقليات وذلك من خلال إدماجهم في المجتمعات الديمقراطية الليبرالية لضمان دستور الدولة وضمان استمراريتها. فالديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع، بل تتجاوز ذلك إلى احترام حقوق الأقليات والمهمشين، والمهاجرين واعتبارهم جزءا لا يتجزأ من الدولة، حتى لا يأتي يوم تتغير فيه الديمقراطية، فتتغير الدولة نفسها جراء ذلك.
يخلص الكتاب في هذا المشروع البحثي أن للديمقراطية جوانب عدة وصورا متباينة لا يصح أن يطغى أحدها على الآخر ولا أن يكون الصوت العالي أو القدرة على الحشد الجماهيري أو التوجيه الإعلامي هو البوصلة لتوجيه مسارات الشعوب وخياراتها. هناك حقوق مطروحة وغير مكتسبة وهناك طوائف صامتة لا تمتلك آليات التعبير عن نفسها بنفس جودة محترفي الحزبية والشعوبيين الديماغوجيين. وعلى تعريف الديمقراطية أن يشكل سعياً لسماع كل صوت خفيض مطارداً لكل شبهة تهميش مشجعاً اكتساب الميزات الاجتماعية تحت مظلة عادلة، حتى تعبر الأوطان هذه الدوامة من الاستغلال والتهميش وانعدام العدالة.
هل نستطيع اعتبار هذا الكتاب بمثابة ناقوس خطر في ما يخص مستقبل الديمقراطية في عقر دارها؟ هل هو استقراء لمستقبل غائم بعد أحلام وردية استحالت رمادية في فترة ما بعد العولمة وعودها الخلابة؟ هل إذا لم تتزن الأمور سريعاً ما بين تطلعات مجتمع متعدد الهويات به غالبية تطمح في الاستمرار على عرش ريادة العالم، وأقليات شتى تطمح لحياة كريمة وصوت مسموع ما بين أغلال رأسمالية وآفاق عدالة اجتماعية وسياسية، فهل إذا لم تتزن كل تلك الأمور تختل الديمقراطية وتهوي؟ هل يحتاج العالم كله نموذجاً ناجحاً عابراً للقارات تفتح آفاقه تلك الديمقراطية الليبرالية فتهدم حواجز تراكمت حول العالم نتاج صراعات سياسية وطائفية واقتصادية إلخ… فبأي منظور سيطل منه قارئ السطور لهذا الكتاب الهام؟
وإلى غاية الإجابة عن هذا التساؤل يبقى المهم كما ورد في الكتاب هو: «التعامل مع الديمقراطية كمشروع لخلق ديمقراطية أقوى ومستقبل أفضل بشكل عام».
Craig Calhoun, Dilip Parameshwar Gaonkar, Charles Taylor :
«Degenerations of Democracy»
Harvard University Press, Harvard 2022
368 pages.