بغداد ـ «القدس العربي»: في الوقت الذي يتصاعد فيه القلق الأممي من إجراءات الحكومة العراقية، برئاسة مصطفى الكاظمي، الرامية لإنهاء ملف النازحين وغلق جميع مخيمات النزوح مطلع العام المقبل 2021، تستمر الحكومة بإجراءات الغلق، التي طالت أخيراً مخيمين في الأنبار وديالى، كان يقطنها أكثر من 6 آلاف نازحٍ فرّوا من مناطق القتال إبان الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» 2014-2017.
وزيرة الهجرة والمهجرين إيفان فائق جابرو، أعلنت، أمس الأربعاء، غلق مخيم المدينة السياحية في الأنبار، الذي يعد من أكبر المخيمات في المحافظة، بعد إعادة جميع ساكنيه الذين يبلغ عددهم نحو (2750) نازحاً، ومخيم الوند الثاني في قضاء خانقين في محافظة ديالى، بعد إعادة قاطنيه الذين يبلغ عددهم نحو (3584) نازحا، مؤكدة أن خطة الطوارئ في الوزارة تقضي بغلق جميع مخيمات النزوح مطلع العام المقبل.
وأثنت، في تصريح نقله مكتبها الإعلامي، على الجهود المبذولة من قبل كوادر الوزارة ومحافظتي الأنبار وديالى وقيادات العمليات فيهما، إلى جانب وزارة النقل، لمساهمتهم في إنجاح خطة طوارئ الوزارة الرامية إلى إعادة العوائل النازحة إلى مناطق سكناها الأصلية.
ورأت أن «ملف النزوح من الملفات المعقدة والشائكة، نظراً لكونه يواجه الكثير من التحديات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية والإنسانية» مستدركة بالقول أن «هذا الملف يتطلب جهودا استثنائية من جميع الجهات المعنية على المستويين الوطني والدولي لتحقيق أهداف الخطة».
وأشارت إلى أن «العاصمة بغداد وكربلاء المقدسة أصبحتا محافظتين خاليتين من المخيمات، وستحذو حذوهما قريبا الأنبار وصلاح الدين وكركوك».
كذلك، قال مدير عام دائرة شؤون الفروع في وزارة الهجرة والمهجرين، علي عباس جهاكير، حسب بيان للوزارة أمس، إن «تم إعادة دفعة جديدة من النازحين بواقع (3491) نازحا من مخيم حمام العليل ومخيمي الجدعة الأول والخامس في محافظة نينوى إلى مناطق سكناهم في (الموصل، تل عبطة، القيارة، الحضر، البعاج، المحلبية، القيروان، ربيعة، تلعفر، زمار، حمام العليل، الكسك، وسنجار)» مبينا أن «العودة جاءت بالتنسيق مع المحافظة والقوات الأمنية ووزارة النقل».
وأضاف أن «مخيم الوند 1 شهد عودة (441) نازحا إلى مناطق سكناهم الأصلية في قضاء المقدادية وناحيتي جلولاء والسعدية، فيما شهد مخيم المدينة السياحية في محافظة الأنبار عودة وجبة من النازحين و البالغة (260) نازحا إلى مناطق سكناهم الأصلية في ( القائم، الفلوجة، رمانة، والصقلاوية)».
تدقيق أمني
وأشار إلى أن «عودة الأسر تتم بعد إتمام التدقيق الأمني لهم بالتنسيق مع الجهات الإدارية والأمنية ووزارة النقل، فضلا عن القيام بإيصال النازحين إلى مناطق سكناهم الاصلية».
وتصطدم الإجراءات الحكومية القاضية بإخلاء مخيمات النازحين، بموجة اعتراضاتٍ محلية ودولية، بسبب مجموعة عوامل أمنية واقتصادية، لا تزال قائمة، تهدد النازحين حال عودتهم إلى مناطقهم الأصلية.
قلق
وأعرب «المرصد الأورومتوسطي» عن بالغ قلقه من قرار وزارة الهجرة والمهجرين، بإغلاق مخيمات النازحين في العراق مطلع العام المقبل، باستثناء الموجودة في إقليم كردستان، وإعادة النازحين إلى مناطق سكنهم الأصلية غير الآمنة.
مرصد حقوقي ينتقد إعادة المهجرين إلى مناطقهم الأصلية ويعتبرها غير آمنة
وقال المرصد ومقره جنيف في بيانٍ صحافيٍ أمس، إنّ هناك «قرارا صادر يوم الأحد الماضي 08 نوفمبر/تشرين الثاني يقضي بإغلاق المخيمات الموجودة في كركوك، وصلاح الدين، وأحد المخيمات الموجودة في الأنبار ومخيم عامرية الفلوجة نهاية الشهر الجاري، في حين سيتم إغلاق باقي المخيمات بحلول العام المقبل وذلك سيشمل إعادة حوالي المليون ونصف المليون نازح إلى مناطقهم الأصلية».
وبين أن هذا القرار «قد يترك مئات الآلاف من النازحين بلا مأوى بعد تدمير منازلهم أثناء المواجهات السابقة مع تنظيم (داعش) في ظل عدم وجود خطة واضحة لإعادة إعمار مناطقهم التي تفتقر مقومات الحياة الأساسية من ماء وكهرباء، ولا تتوفر فيها أبسط المعايير اللازمة للحياة الكريمة».
لا ضمانات أمنية
ووفق إفادات جمعها فريق المرصد، لا يرغب كثير من النازحين في العودة إلى مناطقهم «لعدم وجود ضمانات بحمايتهم من هجمات الميليشيات المسلّحة التي تتواجد في مناطق سكنهم الأصلية، إذ يخشون التعرّض إلى عمليات انتقامية أو هجمات عشوائية كما حدث أخيرًا في مجزرة (الفرحاتية) وكذلك الانتهاكات التي تعرض لها أهالي الطارمية خلال الصيف المنصرم».
وقال أحد النازحين العائدين (فضل عدم ذكر اسمه) للمرصد: «لو كنت أعلم أنّ الوضع بعد العودة سيكون بهذه الصورة لما عدت إلى منطقتي. نعاني من غياب أي مقومات للحياة الطبيعية ونتعرض للابتزاز والضغط من بعض الميليشيات المسلحة لإرغامنا على العودة إلى المخيم. يتملكنا الخوف من حدوث أي ضرر لنا خصوصًا بعد ما حصل في مجزرة الفرحاتية».
خطة إعمار
ولفت «الأورومتوسطي» إلى أنّ «إعادة النازحين إلى محافظاتهم ينبغي أن يترافق مع توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة ووضع خطة فاعلة تشمل إعادة إعمار المناطق المدمرة، وتوفير الحماية لهم بعد عودتهم، وتنفيذ برامج الدمج المجتمعي التي تكفل عودتهم لممارسة حياتهم بشكل طبيعي».
وفي مقابلة أجراها المرصد مع الناشط الإغاثي في محافظة نينوى إبراهيم خالد (اسم مستعار) قال: «من خلال تواصلنا مع النازحين في مختلف المخيمات الموجودة في الموصل رصدنا مطالبات من النازحين للحكومة بالتريث بعد قرار وزيرة الهجرة الأخير بإغلاق المخيمات كونه أتى متسرعًا. فعملية إعادة الإعمار لم تكتمل، وما تزال منازل وممتلكات عدد كبير من النازحين مدمرة جراء الحرب مع تنظيم داعش، إذ لا تزال عاجزة عن إنجاز عملية إعادة الإعمار نظرًا للأزمة المالية التي تمر بها، وبالتالي إذا تم تنفيذ قرار إغلاق المخيمات فإن هؤلاء النازحين سيصبحون بلا مأوى».
وأشار «الأورومتوسطي» إلى أن «عدد النازحين الكلي في العراق منذ عام 2014 بلغ أكثر من 4 ملايين و500 ألف نازح من مختلف المدن العراقية بسبب الحروب والصراعات المستمرة منذ سنوات».
الباحث في المرصد عمر العجلوني، بين أن «إغلاق المخيمات دون توفير البديل الآمن للنازحين وإجبارهم على مغادرتها يشكل خرقًا واضحًا للمادة (51) من الملحق (البروتوكول) الأول الإضافي لاتفاقيات جنيف لعام 1977 والتي نصت على: يتمتع السكان المدنيون والأشخاص المدنيون بحماية عامة ضد الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية ويجب، لإضفاء فعالية على هذه الحماية، مراعاة القواعد التالية دومًا بالإضافة إلى القواعد الدولية الأخرى القابلة للتطبيق».
وأضاف: «كما جاء الدستور العراقي ليضمن للمواطنين الحق في الحرية والأمان، حيث نصت المادة (15) من الدستور على: لكل فردٍ الحق في الحياة والأمن والحرية، ولا يجوز الحرمان من هذه الحقوق أو تقييدها إلا وفقاً للقانون، وبناءً على قرارٍ صادرٍ من جهةٍ قضائيةٍ مختصة».
وزاد: «كذلك كفل الدستور للمواطنين الحق في الحصول على المقومات الأساسية للعيش والمسكن الملائم، حيث نص الدستور في المادة (30) منه على: تكفل الدولة للفرد وللأسرة ـ وبخاصة الطفل والمرأة ـ الضمان الاجتماعي والصحي، والمقومات الأساسية للعيش في حياةٍ حرةٍ كريمة، تؤمن لهم الدخل المناسب، والسكن الملائم».
إلغاء القرار
ودعا المرصد الحقوقي الدولي في نهاية بيانه الحكومة العراقية إلى «إلغاء قرارها التعسفي، والعمل على تقديم خطة واضحة لإغلاق المخيمات، ومشاركة النازحين بالمعلومات اللازمة عن تطورات الإعمار في مناطقهم، وإعطائهم مهلة كافية لاتخاذ التدابير الملائمة لعمليات الانتقال».
وحث، السلطات على «ضمان أمن النازحين حال عودتهم إلى مناطق سكنهم الأصلية، والعمل بشكل حثيث على إنهاء تواجد الميليشيات في تلك المناطق، والتأكد أنّ النازحين لن يتعرضوا إلى أعمال انتقامية أو حوادث عنيفة، بالإضافة إلى وضع برامج محدّدة لمساعدتهم في الاندماج المحلي بعد أهوال الحرب التي عاشوها».