على الرغم من التجارب الدرامية الكثيرة التي تناولت سير الزعماء والرؤساء ونجوم الفن الراحلين على الشاشتين الكبيرة والصغيرة، إلا أن الجمهور لم يقتنع تماماً بكل ما تم تجسيده، حيث وقعت مُعظم الأعمال في فخ المُبالغة والتنميط، ومن ثم فقدت جزءا كبيراً من تأثيرها، فضلاً عن ابتعاد بعض الأبطال الذين قاموا بتجسيد أدوار المشاهير من حيث الشكل عن الصورة الواقعية لصاحب السيرة الذاتية.
ولأن إنتاج مُسلسلات وأفلام السير الذاتية تحكمه عوامل كثيرة غير القصة والسيناريو والحوار، فقد ظلت فرص اللائقين بأدوار معينة كالرئيس جمال عبد الناصر وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ مقوضة ولا تعدو كونها أحلاماً مؤجلة للراغبين فيها من كبار نجوم التمثيل في الأزمنة السابقة، علماً بأنهم كانوا الأقرب شكلاً ومضموناً لشخصيات بعينها.
أبرز هؤلاء الفنانين مديحة يسري التي كانت تربطها علاقة شخصية بكوكب الشرق أم كلثوم وصداقة امتدت لفترات طويلة من عمر النجمتين ولم تنته إلا برحيل أم كلثوم في عام 1975.
كان تجسيد شخصية سيدة الغناء العربي وسيرتها الذاتية على الشاشة أهم مشروع فني ظلت تنتظره مديحة يسري ولم يتحقق لأسباب غير معلومة على وجه الدقة، علماً بأن جميع المُعطيات الفنية كانت تؤكد صلاحية الفنانة الراحلة للدور بوصفها الصديقة المقربة لها والعالمة بكافة تفاصيل حياتها العائلية والشخصية.
بالإضافة إلى تطابق المواصفات الشكلية بين الشخصيتين إلى حد كبير، ناهيك عن التشابه أيضاً في المظهر العام وطريقة الملبس والحديث ونبرة الصوت الهادئة في الحوار ودرجة الوعي والثقافة والإلمام بالمعلومات العامة وتقارب الميول والرغبات والأمزجة الفنية والموسيقية والغنائية، فهما أبناء زمن واحد وفكر تنويري متطور وفريد في مضمونه وأبعاده.
وقد عزز وجه الشبه بين الاثنتين على مستوى المظهر الخارجي الرابط المُشترك بينهما والذي تمثل في مُصممة الأزياء التي كانت تُصمم أزيائهما معاً بعد أن طلبت أم كلثوم من صديقتها أن تُعرفها عليها لتكون إحدى زبائنها، وبالفعل حدث ذلك واستمر التعاون بينهما حتى رحيل أم كلثوم، أشهر من حقق لتلك الخياطة الدعاية والشهرة داخل الوسط الفني وخارجه.
ومضت الأيام والسنون وبقيت مديحة يسري مُتعلقة بحُلمها الإبداعي الكبير والمهم، إلى أن حال موت أم كلثوم دون تنفيذ المشروع وهي على قيد الحياة، لكن ظلت مديحة تُفكر في إنتاج فيلم عن حياة صديقة العُمر تقوم هي ببطولته لكن للأسف رحلت هي أيضاً وضاعت الفرصة وتبدد الحُلم.
الرئيس جمال عبد الناصر
من المشروعات الفنية الكُبرى التي تأجل تنفيذها كثيراً مشروع تجسيد حياة الرئيس جمال عبد الناصر الذي لم يُلتفت إليه أحد إلا بعد رحيل الرئيس السادات في عام 1981.
وقد تحمست بالفعل بعض الشخصيات وتم تقديم أكثر من نموذج بأبطال مُختلفين، إلا بطل ونجم واحد هو الفنان الراحل الكبير محمود مُرسي الذي برغم اقترابه الجسدي والشكلي من حيث الطول والبنية والكاريزما والشخصية، لم يتصد للتجربة بأي شكل من الأشكال ولم يُفكر أي من المخرجين في ترشيحه للدور لاعتقادهم بأنه سيُبادر بالرفض لاختلافه الجذري مع التجربة الناصرية واعتراضه على أسلوب الحُكم الذي وصفه البعض بالحُكم الشمولي الديكتاتوري على حد تعبير الساسة والمُحللين والمؤرخين المُعارضين.
وإزاء هذا الاعتقاد من جانب المُنتجين والمخرجين لم يتقدم أي منهم بمشروع فيلم أو مُسلسل لمحمود مرسي للقيام ببطولته مع العلم أنه كان الأكثر إقناعاً وملائمة لتجسيد شخصية عبد الناصر لو حدث وقُدمت الفكرة آنذاك لوجود شبه كبير بين الشخصيتين باستثناء لون البشرة والعينين وهذه الفوارق والاختلافات كان بالإمكان مُعالجتها ببساطة عن طريق العدسات اللاصقة والمكياج.
لقد كانت تجربة الفنان الراحل أحمد زكي في فيلم «أيام السادات» للمخرج محمد خان فارقة وموفقة إلى حد بعيد، لكن تجربته في فيلم «ناصر 56» الذي كتبه محفوظ عبد الرحمن وأخرجه محمد فاضل لم تكن كذلك بالضبط، حيث بذل زكي مجهوداً فوق طاقته لاقترابه من الشخصية وفي النهاية لم يصل للمستوى المطلوب بالنسبة التي تُشبع رغبة الجمهور وتُقنعه بالتفوق الكامل للبطل كما حدث في فيلم «السادات».
عبد الحليم حافظ
لم تُطرح قصة كفاح ونجاح عبد الحليم حافظ بالشكل الذي يتناسب وحجم جماهيريته الطاغية، فهو المُتربع إلى الآن على عرش الأغنية المصرية والعربية كمُطرب لا يُبارى في إحساسه وصدق أدائه المُتناهيين، فالتجربة الأولى التي قدمها المُمثل شادي شامل في مسلسل بعنوان «العندليب حكاية شعب» كانت متواضعة وفاقدة للتأثير.
وكذلك فيلم «حليم» الذي قام ببطولته أحمد زكي وشاركه البطولة ابنه هيثم، إذ جسد الأخير شخصية عبد الحليم حافظ في مرحلة الشباب، افتقدت للكثير من عناصر التميز، ربما لأن تصوير الفيلم جاء مُتزامناً مع مرض أحمد زكي الأخير الذي توفي على أثره فكان الدور محنة حقيقية بالنسبة له أجهده بما لم يدع له فرصة لإثبات جدارته كمُمثل اشتهر بتقمصه الشديد للشخصية التي يؤديها، ومن ثم لم يكن الفيلم متميزاً كبقية الأفلام الأخرى للنجم الراحل الكبير.
هكذا ضاعت الفرص من مُستحقيها الأصليين في ما يتصل بتجسيد السير الذاتية لبعض النماذج التي ذكرناها لأسباب أو بدون أسباب!
وهناك نجوم ونجمات أنتجت وصورت سيرهم الذاتية في مُسلسلات لم تلق قبولاً مُناسباً لذات العيوب الفنية، سوء اختيار البطل أو البطلة أو ما شابه.