مضى الموسم الدرامي الرمضاني بزخمه وضجيجه ونوعيات الأعمال والأدوار، ولكثافة ما تم عرضه من مُسلسلات اختلط فيها الجيد بالرديء أخذت بعض العينات حقها من التقييم على مساحات واسعة في الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية، وتمت الإشارة إلى البعض الآخر على استحياء، بينما بقيت أعمال أخرى مؤجلا النظر في مضامينها لحين انتهاء عاصفة الاختلاف والاتفاق حول مستواها وقيمتها الفنية والإنسانية.
ولأن هناك عرض ثان على بعض الفضائيات العربية لغالبية الأعمال التي حظيت بالاهتمام خلال شهر رمضان، يستلزم الأمر الرجوع للنماذج التي أحدثت أصداءً قوية، وأثارت اهتمام الجمهور بشكل لافت كمسلسل «تحت الوصاية» على سبيل المثال للمؤلفين شيرين دياب وخالد دياب وإخراج محمد شاكر خضير، كأهم انجاز إبداعي خلال عام 2023 للفنانة منى زكي بطلة العمل، وصاحبة الرقم القياسي في مؤشرات الإعجاب الجماهيري ورصيد بورصة الدراما الرمضانية بإجماع الآراء.
أحرزت منى تفوقاً ملحوظاً في أدائها الإنساني المُتميز للدور المُركب الصعب، إذ نجحت في بلورة المعنى المأساوي لمسيرة سيدة مصرية تواجه بمفردها مسؤولية تربية أبنائها وتحديات المستقبل المجهول، في مجتمع مادي تتسيد فيه الفئات الانتهازية، ويبرز فيه الأشقياء كأهم العناصر البشرية المُتحكمة في أقدار التعساء والبؤساء، ومن يدورون في طاحونة الحياة اليومية ويعانون مرارة العيش وقسوة الجوع والمذلة، جراء غياب الإنصاف والعدالة الاجتماعية.
لقد تركت شخصية «حنان» كنموذج درامي أثراً بالغاً في نفوس المُتابعين للحلقات التراجيدية على مدار ثلاثين يوماً، فكل التفاصيل الصغيرة والكبيرة لمعاناة البطلة كان ترجمت لكل ما تعانيه المرأة المسكينة التي سُلبت حقوقها وافتقدت أدنى درجات الأمان والاطمئنان فصارت كورقة في مهب الريح وكادت تخرج من حلبة المصارعة المفروضة عليها خاسرة، لولا أنها احتمت في صلابتها وقوتها الذاتية وتجلدت بالصبر فارتقت فوق دواعي الهلاك التام ومضت في طريقها تنشد الفوز والانتصار من أجل أبنائها الصغار. تلك هي مُعطيات الحكاية البسيطة التي تحركت منى زكي داخل إطارها مع مجموعة من الأبطال المُساعدين، دياب وأحمد خالد صالح ومي نصار فجاءت النتيجة الحتمية لاستقبال الجمهور على ما يرام، كرد فعل طبيعي لحالة الصدق في الكتابة والأداء التمثيلي وبراعة الإخراج التي أظهرت قُدرات محمد شاكر خُضير، كواحد من المُخرجين شديدي الحساسية في استخدام الأدوات الفنية المطلوبة للخروج بأفضل مستويات التعبير والتوظيف الدرامي، حيث كل مُفردة من مُفردات العمل في مكانها تماماً، الإضاءة والتصوير والملابس والديكور والإكسسوار والموسيقى، إلى آخره.
تُضاف إلى ذلك بالطبع درجة الإقناع التي وصلت إليها منى زكي في الأداء السلس والبسيط، دون تكلف أو تزيد أو مُبالغة، فقد حرصت على أن تُظهر الصورة الحقيقية لنموذج المرأة المكدودة التي تُجبرها الظروف على التلون وإعمال الحيلة في بعض المواقف لحماية نفسها وأولادها، وهو نوع من الدهاء الأنثوي المشروع خلقت له الكاتبة شيرين دياب ما يُبرره بالاتفاق مع شريكها في الكتابة خالد دياب، وهو انسجام يندر حدوثه بين كاتبين لم تتعارض رؤيتهما أو أمزجتهما الفنية والإبداعية مع مُقتضيات الحالة الإنسانية، بكل تفاصيلها وانعطافاتها، وهو الملمح الواضح الدال على ثقافة واحدة للمنظور الاجتماعي والواقع البائس للهامشيين من البشر جمعت بين الثنائي المُتميز.
الملاحظ أيضاً في المكونات الدرامية للمُسلسل المهم، أنه لم يُقدم إشكالية قانون الوصاية وأزمات الأرملة المصرية مع المجلس الحسبي المناط به حفظ حقوق الأيتام بعد وفاة الزوج، بشكل بكائي تنصرف فيه مشاعر الجمهور إلى معاناة البطلة فقط، وإنما طرح المشكلة بأسلوب أعمق من مجرد التركيز على الشكل التراجيدي للأحداث، ووسع محيط الرؤية لتشمل كل الجوانب المُتعلقة بالمأساة، سواء من النواحي النفسية أو الاجتماعية أو غيرها لاعتبارات أساسية ذات صله بالقضية ذاتها، وهي مردود المحنة الصعبة في المستقبل على الأيتام الصغار من الأبناء، الذين فقدوا العائل والسند، تلك الخلفية الإنسانية التي جاءت متوارية نسبياً خلف الأحداث وألقت بظلالها القاتمة فضاعفت من تفاعل المُتلقي وأخذته إلى نقطة أبعد، حيث الاستشراف المُبكر لغد الأطفال المُنكسرين.. كيف يكون؟ وبأي صيغة يُمكن معالجة الآثار السلبية المُترتبة على الأزمات المُتزايدة.
إنه الوعي بالكتابة الجادة، والاستخلاص الذكي للمعاني الدقيقة من التجارب الحياتية المريرة التي تمر بها الشخصيات على اختلاف نوعياتها وأنماطها وثقافاتها، وما تتركه من ندوب في الأرواح والمشاعر قبل الأجساد.. تلك هي القيمة التي حملها المُسلسل فصار بفضلها مُتميزاً وجديراً بالمُشاهدة.
كاتب مصري