القاهرة ـ «القدس العربي»: ما بين دور وساطة تلعبه مصر في محاولة التوصل لهدنة في قطاع غزة، وتوجيه اتهامات للاحتلال الإسرائيلي بعرقلة وصول المساعدات إلى القطاع المحاصر، وتحفظ غير معلن بشأن «الميناء العائم» الذي تعتزم الولايات المتحدة إقامته في قطاع غزة لنقل المساعدات إلى داخل القطاع، تبلور الموقف المصري خلال الأيام الماضية من الأحداث في غزة.
الموقف المصري من المقترح الأمريكي ظهر في تصريحات المسؤولين المصريين، الذين اعتبروا ان الميناء العائم غير مجدي، لأسباب عدة، بينها موعد تشغيل الميناء، وكيفية توزيع المساعدات بعد وصولها لشاطئ غزة.
وزير الخارجية المصري سامح شكري، قال إن الأفكار التي طُرحت لتوفير المساعدات الإنسانية في غزة ترحب بها مصر سواء بشكل بري أو بحري أو جوي، لافتا لصعوبة الأوضاع والمعاناة المستمرة في غزة مع وفاة عدد كبير من الأطفال لعدم توفر المياه والطعام والأدوية، مشيرا بمسؤولية دولة الاحتلال لمراعاة حقوق الفلسطينيين وفتح المعابر الستة لدخول المساعدات.
ولفت وزير الخارجية المصري، في مؤتمر صحافي مع نظيره الإسباني الخميس الماضي، إلى أهمية الإسراع في دخول المساعدات، موضحا أن الميناء العائم الذي يخطط له سيبدأ العمل به بعد شهرين وهو أمر لا يحتمل التأخير، داعيا لضرورة الدفع بمزيد من الشاحنات الإنسانية لداخل غزة بشكل سريع بدلا من تعمد الجانب الإسرائيلي دخول المساعدات.
وأكد على ضرورة مراعاة الوضع الإنساني في غزة مع ارتفاع عدد الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ، موضحا أن مصر تعمل بكل جهد لوقف إطلاق النار وإبرام صفقة تبادل أسرى واتاحة الفرصة لإنفاذ المساعدات الإنسانية والسماح للأونروا لمواصلة دورها في غزة، مشيدا بالدور الكبير الذي تقوم به وكالة الأونروا داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ضياء رشوان رئيس هيئة الاستعلامات المصرية، قال الميناء العائم شيء طيب، لكن السؤال إذا وصلت المساعدات لشاطئ غزة من سيستلمها؟ خاصة أن الأونروا معزولة وهي الجهة الوحيدة التي لديها عدد أفراد يزيد عن 12 ألف شخص في غزة موزعين منذ عشرات السنوات ويعرفون السكان، وبالتالي لا توجد جهات للتوزيع أو طرقا للسير عليها الناقلات المحملة بالمساعدات من على الميناء.
وأضاف رشوان في تصريحات تلفزيونية، أن الولايات المتحدة تحاول تحسين صورتها أمام العالم بالانضمام للجهود التي تقوم بها مصر ودول أخرى في إلقاء المساعدات على قطاع غزة عن طريق الجو، والأمر الثاني من خلال الميناء العائم الذي سيقام أمام شاطئ غزة.
وتابع: أن هاتين الفكرتين محاولة لتحسين الصورة، لكن من الناحية العملية المساعدات الغذائية التي تنزل من الجو مطلوبة وتكفي ربما لبعض الفئات والمناطق لكن لا يمكن أن تغطي سكان غزة بأكملها، خاصة أن الطائرات لها حدود في حمل المساعدات والمعونات.
وكان محافظ شمال سيناء اللواء عبدالفضيل شوشة، أكد أن فكرة إقامة أمريكا ميناءً عائماً على سواحل غزة تعتمد على قيام سفن صغيرة بنقل المساعدات من سفن كبيرة إلى سواحل القطاع، يتطلب جهداً كبيراً ومساعدة من منظمات دولية لتوزيع المساعدات.
وأضاف حالياً لا توجد منظمات دولية تقوم بهذا الدور في قطاع غزة سوى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» وهي تواجه صعوبات في القطاع.
وقال محافظ شمال سيناء إن «مصر لم تدخر جهداً في دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة عبر ثلاثة طرق؛ من البر عبر معبر رفح، ومن البحر باستقبال سفن المساعدات الإنسانية في ميناء العريش، إضافة إلى عمليات الإسقاط الجوي التي تقوم بها مصر يومياً وبالمشاركة في تحالف دولي» متهماً إسرائيل بتعطيل دخول المساعدات الإنسانية، مطالباً أمريكا بالضغط عليها لزيادة حجم دخول المساعدات عن طريق معبر رفح البري بوصفه أفضل الحلول.
وكانت هيئة البث الإسرائيلية، ذكرت الخميس الماضي، أن المسؤولين في مصر يشعرون بالغضب من مشروع إقامة ميناء عائم في قطاع غزة نظراً لوجود بدائل قائمة وجاهزة للاستخدام مثل معبر رفح البري والموانئ الإسرائيلية، ونقلت الهيئة عن مسؤول مصري تحذيره من إنهاء عمل معبر رئيسي للمساعدات الدولية مثل معبر رفح.
وعلّقت هيئة البث الإسرائيلية على الأمر: لم ينتقد كبار المسؤولين في الحكومة المصرية خطوة الميناء العائم، لكنهم لم يباركوها ولم يشاركوا فيها.
معبر رفح مفتوح
وتتهم مصر الاحتلال الإسرائيلي بعرقلة المساعدات، وقال الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الجمعة: أكدنا أن معبر رفح مفتوح ومستعدين لإدخال أي حجم من المساعدات؛ لأشقائنا في فلسطين وقطاع غزة لتوفير احتياجاتهم الأساسية، لافتا إلى أن الدولة دخلت في مبادرة وتحالف لإسقاط المساعدات من الطائرات بالتعاون مع الإمارات وقطر وأمريكا وفرنسا وغيرها الكثير من الدول.
وأضاف السيسي، خلال كلمته التي ألقاها في مقر أكاديمية الشرطة المصرية الجمعة، إنه منذ بداية الصراع في غزة: حجم المساعدات التي تم إدخالها هي أرقام لا تساوي أبدًا المطلوب، نحن نتحدث عن الآلاف من الأطنان التي نحتاج إدخالها يوميا إلى القطاع.
وحذر من خطورة إقدام الجيش الإسرائيلي على اجتياح مدينة رفح الفلسطينية، قائلا: نسعى إلى الوصل لهدنة في القطاع ووقف إطلاق النار، وإدخال أكبر حجم من المساعدات؛ لوضع حد لهذه المجاعة وتأثيرها على الناس، والسماح للسكان في الوسط والجنوب بالتحرك في اتجاه الشمال.
وأكد على ضرورة أن تكون هناك فرصة حقيقية لأن يبقى هناك دولة فلسطينية جنبًا إلى جنب مع الدولة الإسرائيلية، ويكون هناك فرصة أن يعيشوا بكرامة كبيرة جدًا في بلدهم يديروا أمورهم بالشكل الذي يرتضوه دون أن يكون لهم أي ضرر أو يكون للمواطن الإسرائيلي على الجانب الآخر ضرر.
وتابع: «الاعتراف الدولي بفلسطين، وأن تكون دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة وكمال الاعتراف بها من جانب الدول الكبيرة، هذا لو تحقق إحنا ممكن نقول على الرغم أننا في أزمة وفي مأساة كبيرة جدًا شهدناها خلال الخمس شهور الماضية، إلا أن يبقى عزاؤنا للي حصل أن بقى في دولة فلسطينية على حدود يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية».
وحذر الرئيس السيسي من اتساع نطاق الحرب، والتأثير على سلامة الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، وتأثير ذلك على التجارة الدولية بشكل كبير، أو امتداد الصراع إلى الشمال، متمنيًا خلال أيام قليلة الوصول إلى وقف إطلاق النار وعدم وجود تأثير سلبي يمكن أن يؤثر على الموقف في غزة أكثر من ذلك.
إلى ذلك جددت النيابة المصرية، حبس 156 متضامنا مع فلسطين 15 في القضية المعروفة إعلاميا بـ«معتقلي دعم فلسطين» 15 يوما.
وكانت قوات الأمن قد ألقت القبض على عدد من المتظاهرين المتضامنين مع فلسطين من الشارع، خلال التظاهرات التي اندلعت يوم الجمعة 20 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، ولاحقت آخرين، خلال حملة أمنية، أعقبت تلك التظاهرات التي تمكنت من الدخول إلى ميدان التحرير، وكسر خطة الدولة لاستخدام التظاهر للتضامن مع فلسطين من أجل إظهار الدعم لعبد الفتاح السيسي، ما رد عليه المتظاهرون حينها من الشوارع ومن ميدان التحرير، برفع شعار «دي مظاهرة بجد.. مش تفويض لحد».
وصدرت قرارات تجديد الحبس بحق معتقلي التضامن مع فلسطين على مدار يومي الإثنين والثلاثاء الماضيين، على ذمة 26 قضية منفصلة، بشكل إجرائي بدون تحقيقات.
وأعلن محامون ومراكز حقوقية، قبل أيام، عن ظهور 29 شخصًا بمقر نيابة أمن الدولة العليا، بعد إخفائهم قسريًا لنحو 70 يومًا، وتم ضمهم إلى قضايا مختلفة متعلقة بتظاهرات دعم فلسطين، ليرتفع عدد معتقلي فلسطين من 127 شخصًا إلى 156شخصًا من محافظات مختلفة.
يأتي اعتقال الشباب المتضامن مع فلسطين ضمن سياق محاولة الدولة محاصرة الاحتجاج ضد حرب الإبادة في غزة، وتخوفها من انفجار هذا الاحتجاج في وجهها نظرًا لمواقفها في إحكام الحصار على قطاع غزة، واستمرار غلق معبر رفح، ومنع النشطاء والشخصيات العامة المحلية والعالمية المتضامنة مع غزة من الوصول إلى المعبر، كما حدث مع «قافلة العالم» فضلاً عن تخوف الدولة من تمدد الاحتجاجات من أجل فلسطين ضد الأوضاع الداخلية، حال عدم محاصرتها، في ظل الحالة الاقتصادية المتردية.