تخاريف كورونا ودعاء السيسي وشهادة عبد الله النفيسي!

حجم الخط
18

لا شيء يغري بمشاهدة التلفزيون، فكل الأخبار والبرامج عن موضوع واحد، هو الفيروس الذي ضرب العالم، وكل الأخبار الواردة سيئة، فلا شيء يبشر بانقشاع الغمة، وفي وقت تبدى فيه عجز القادة للناظرين، لا فرق بين ترامب وعبد الفتاح السيسي، إلا من حيث الحضور اليومي للأول، والاختفاء المتكرر للثاني، فلا يظهر إلا بعد غياب، ولا يتحدث منذ أسبوعين وعقب اطلالة الدعاء الشهير، وقد ظهر يومها أيضاً بعد غياب، وتم اعتماده ليحل محل دعاء الشيخ الشعراوي تلفزيونيا عقب الأذان، فأنى يُستجاب لكم!
نتذكر أن لجنة تقييم الأصوات في التلفزيون المصري أوصت عند بداية نجومية الشيخ بعدم الاستعانة بصوته، لأن صوته ليس إذاعياً، لكن لم تمر سوى سنوات قليلة على هذه التوصية حتى ملأ هذا الصوت غير الإذاعي الدنيا، لا سيما بعد خواطره حول القرآن الكريم، التي كان التلفزيون يقدمها أسبوعياً، عقب صلاة الجمعة، ولسنوات طويلة بدأت في عهد السادات وانتهت بوفاته، رحمه الله، وواصلت قنوات عدة إعادة إذاعة تسجيلاته، ويعتمد التلفزيون المصري دعاءه ليذيعه عقب كل صلاة، قبل اعتماد دعاء حضرة صاحب الفضيلة الشيخ عبد الفتاح السيسي، ربما للتذكير بوجوده، وقد صار دائم الغياب، وجزءا من شرعية الحاكم في بلاد الاستبداد هو حضوره الشخصي لتطمئن الرعية على أنه لا يزال على قيد الحياة!
لا يتذكر أحد أعضاء اللجنة، التي وصفت صوت الشيخ الشعراوي بأنه ليس إذاعياً، لكن الأمة تتذكر الشيخ الشعراوي، علماً، وجسداً، وصوتاً، وقد احتل القلوب بالحب، وربما اعتقد السيسي أنه إذا غيبه وحضر هو سينال حظه من هذا الحضور، رغم الغياب، لا سيما وأن التلفزيون لا يزال يذيع الأذان بأصوات مشاهير التلاوة، ومعظمهم غيبهم الموت، لكن ارتبطت أصواتهم بآذان الناس، فجاء السيسي ليقحم صوته على آذانهم، وظني أنه سيمثل أداة طرد، فلماذا لم يأخذ «المقاولة» كلها، فيؤذن مع استمرار دعائه، في وقت حال فيه الوباء بين المصلين ودور العبادة؟!
ومع أنه لا جديد في القنوات، فالجديد هو عن زيادة أعداد حاملي الفيرس، إلا أنها لا تمثل أداة طرد، نرفع الصوت ونلغيه تماما، ونقرأ المكتوب على الشاشة، ثم نتجاهل الأمر برمته، ثم نعاود النظر اليها من جديد ليرتد البصر خاسئا وهو حسير، فلا أمل للانتهاء من هذه المرحلة في الأمد المنظور، وترامب في أحاديثه اليومية يخيف الناس أكثر مما يطمئنهم، فهل يريد اعتماد الوباء فرصة للزيادة في ولايته وتأجيل الانتخابات الرئاسية، التي قال هو نفسه إنها ضاعت في التربص به. ولعله غبط صديقه الديكتاتور في القاهرة، الذي أسقط بتعديل دستوري الدورة الأولى على طريقة أول عين للغراب. أنتم لم تلعبوا «السيجة» لتعرفوا المقصود بأول عين للغراب؟ وربما لم تعرفوا «السيجة» أصلاً، فنحن في زمن «المزرعة السعيدة»، وربما تم تجاوزها إلى ألعاب أخرى، لكن من بدأت ثقافتهم بالسيجة لا بد أن يعتقدوا أن «المزرعة السعيدة» هي أهم ما توصلت إليه البشرية، والتي ارتبطت بالفيسبوك!

الدعوة للمزرعة

كانت أرملة تنعى بعلها كل يوم، وبينما الجماهير العريضة تدخل معلقة لتواسيها، وتطيب خاطرها، وتدعو لها بالصبر الجميل، كانت هي تتركها لتلعب «المزرعة السعيدة»، أما كيف عرفت هذا؟ فلأن ما لم تنتبه له، وربما لم ينتبه له من يبذلون جهداً في مواساتها، أنها بمجرد أن تبدأ هذه اللعبة فان الفيسبوك يختار بعض أصدقائها لإخبارهم أنها تدعوهم للعبة المزرعة السعيدة، ودائما ما كنت أنا من هؤلاء الأصدقاء، مع أني لم أدخل على هذه اللعبة أبداً، وهي لعبة فضيحة كما نرى، ولهذا لم أعرف ما إذا كانت أول عين فيها مثل لعبة «السيجة» للغراب أم لا؟!
لا أعرف إن كان الدستور الأمريكي يبيح مد فترة الرئاسة وتأجيل الانتخابات عن موعدها في مثل هذه الحالة؟ لكن إذا صح هذا، فلا أستبعد أن يضغط ترامب على قصة استفحال الوباء، وقد كان في البداية يسخر منه، فهل نصحه مستشاروه بشيء من هذا؟!
كل هذا قد يدخل ضمن حالة التخاريف، وقد عرفنا «تخاريف الصائم»، فهل نحن في زمن تخاريف كورنا؟ ما الذي أدخل الأرملة والسيجة والمزرعة السعيدة في مقال يتحدث عن الوباء؟!
مدهشة حالة إغلاق صوت التلفزيون، لا سيما عند مشاهدة أحمد موسى، تماما كما يكون الصوت فقط كاشفاً عن قوته وضعفه، وبدون مؤثرات أخرى، ولقناة «الجزيرة» تردد إذاعي لا أعرف إن كان يمتد خارج الدوحة أم لا؟ لكن أحياناً يبدو لي أن القوم أطلقوه ونسوه، وقبل مرحلة كورونا ظللت لربع ساعة استمع لأحد الضيوف وهو يقول كلاما مهما، في أحد البرامج، دون أن أتبين اسمه، فمنذ أدرت المؤشر اليها والمذيع يسأل دون ذكر أن يسبق السؤال باسم الضيف يبدو أنه اكتفى بذكره في البداية أو أن اسمه كان يكتب على الشاشة، فما الحاجة لتكراره في السؤال؟!
تنشط «الجزيرة» في الأحداث الكبرى، وهي نشطة الآن، رغم أنها لا تعمل بكامل طاقتها، ورغم أنها امتنعت عن ارسال طواقم للخارج، لكنه نشاط في هذه المرحلة يزيد من عملية القلق، والوضع مقلق فعلا، تعبر عنه بدقة نجمة الخارجية القطرية لولوة الخاطر، والتي تبدو في بياناتها وكأنها تعزف لحنا حزينا، تبدو وكأنها تنعى فيه البشرية بأكملها، حتى توقفت عن سماع بياناتها، إن النتيجة الحتمية للاستماع لنغمات صوتها أن يطلب المرء من أقرب مكان لتجهيز الموتى، كفنا له يضعه تحت وسادته انتظاراً للأجل المحتوم!
فأهرب من «الجزيرة» إلى «ماسبيرو زمان»، التي توقفت عن إذاعة برامجها الحوارية الجيدة، والتي تبدو أنها بلا خطة برامجية، وربما للقوم عذرهم، فقد تم افساد مكتبة التلفزيون المصري وكبار قادته ساهموا في عملية تهريب كنوزه لقنوات سعودية معروفة بالاسم!
وأهم ما يميز «ماسبيرو زمان» عن القنوات التلفزيونية التي تبث من مبنى ماسبيرو، أنها لا تعتمد دعاء مولانا صاحب الفضيلة الشيخ عبد الفتاح السيسي، بعد الآذان، فالآذان غالباً بصوت الشيخ نصر الدين طوبار، وهو صوت حزين، وإن كان في درجة من الحزن لا تتقاطع مع حزن صوت لولوة الخاطر، وهي تشيعنا إلى مثوانا الأخير.
وبعد الآذان فان المعمول به هو حديث نبوي بصوت الفنان محمد السبع، رحمه الله، كما كان يحدث في الفترة السابقة لدعاء الشيخ الشعراوي، الذي اعتمد عقب وفاته، لكن دعاء السيسي تم بثه وهو على قيد الحياة، وإذا لم يكن هناك عاقل يتدخل لوقفه، فسيكون أمراً غير جيد عندما يبادر القائمون على التلفزيون لفعل هذا بعد الأربعين، فاللهم عاجل غير آجل!

الصندوق الأسود

ولا يخلو الأمر من فائدة، ففي فترة الاعتكاف المنزلي هذه تمكنت من مشاهدة سبعة عشر حلقة من شهادة الدكتور عبد الله النفيسي لبرنامج «الصندوق الأسود» على «اليوتيوب»، كان زملاء كثيرون قد تحدثوا عن البرنامج، وأحدهم تساءل لماذا فاتت هذه الشخصية الثرية أحمد منصور، فلم يكن ضيفه في برنامجه «شاهد على العصر»؟!البرنامج ضمن برامج عدة تقدمه جريدة «القبس» الكويتية على «اليوتيوب»، الذي يمثل التلفزيون البديل، والذي كنت آخر من تعامل معه، لكنه وإن يمثل امتدادا لصحافة المواطن، فإنه أيضا بديل تليفزيوني، بما تفعله «القبس» وغيرها، والتي اطلعت عليها مؤخراً في زمن كورونا، ولم يكن «الصندوق الأسود» هو البرنامج الوحيد، كما أن عبد الله النفيسي، لم يكن الشاهد الوحيد الذي أدلى بشهادته في البرنامج الذي يقدمه عمار تقي.
لست مؤمنا بأن «اليوتيوب» يمكن أن يحل محل التلفزيون، أو أن يقلل من قيمته، إنما يظل رافداً مهما له خصائصه، ولديه مشكلاته التي يعرفها كل من تعامل معه، وفي ظل الحديث عن الإعلام الالكتروني البديل، فإن الأحداث الكبيرة ترد الاعتبار للشاشة الصغيرة، ففي حصار قطر مثلاً، كان اللجوء للقنوات التلفزيونية، وفي محاولة الانقلاب في تركيا، تسمر الناس أمام الشاشة، ولم يسأل أحد عن الإعلام الإلكتروني، بل كانت «الجزيرة»، و»العربية» هي قبلة المهتمين ولكل وجهة هو موليها. ومع هذا الوباء اتجهت الأنظار إلى الشاشات، لتحتل هي المرتبة الأولى كمصدر للأخبار ويليها الاعلام الإلكتروني بفارق كبير، فكيف يمثل بديلا؟!ومهما يكن فتجربة «القبس» مهمة، والتي ربما سبقتها أو تبعتها منابر إعلامية عربية أخرى لكن ليس بهذا الزخم، وفي حلقات عبد الله النفيسي فان أعداد المشاهدين لكل حلقة يتجاوزن نصف مليون مشاهد!
وكان أضعف موقف للنفيسي هو ما مثل دعاية لشهادته عند أصدقائي وهو موقفه من الإخوان، بذكره أحداث أزمة مارس/آذار سنة 1954، هو يأخذ على الإخوان أنهم انحازوا لمحمد نجيب ضد عبد الناصر، لأنهم انحازوا للديمقراطية وعودة الحياة النيابية، رغم أن مجلس قيادة الثورة كان معظمه مع عبد الناصر، بما دفعه للتنكيل بهم!
والمسألة فيها تفاصيل كثيرة، لا يجوز بدون وعيها اصدار أحكام بأثر رجعي، فالإخوان وقفوا مع نجيب، ثم خذلوه بالوقوف مع عبد الناصر، وكل قوى المجتمع الحية من نقابات وأشخاص كانت مع نجيب، وليس مع عبد الناصر، والجيش لم يكن كله مع عبد الناصر، وكان سلاح الفرسان يدعو لعودة الجيش لثكناته، والإخوان لم يكونوا مع عودة الحياة النيابية، التي كانت تعني عودة حزب «الوفد»، ولو كان الإخوان من أول يوم مع عبد الناصر لأدخلهم أيضا السجون، فالنفوس لم تكن صافية، والعلاقة بين عبد الناصر والمرشد العام لم تكن على ما يرام لأسباب نفسية، وقد دعم عبد الناصر في مواجهته النظام الخاص!
وهي ملاحظات لا تقلل من أهمية شهادة الدكتور النفيسي أو أهمية برنامج «الصندوق الأسود» أو أهمية تجربة جريدة «القبس»!
يثاب فيروس كورونا رغم أنفه!

 صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية