تداعيات «سرقة القرن» تفتح فصلاً جديداً من الفساد في العراق

مشرق ريسان
حجم الخط
0

انشغل الشارع العراقي والأوساط السياسية بتداعيات مؤتمر القاضي حنون، والأسباب التي دفعته لكشف المعلومات وقراره مواجهة زميله القاضي جعفر في جلسة علنية أمام البرلمان.

بغداد ـ «القدس العربي»: يتفق المراقبون للشأن السياسي العراقي، بأن الفساد نخر مؤسسات الدولة العراقية وتوغّل في جميع مفاصلها، وأن مهمة محاربته معقدة بالنظر لتورط شخصيات سياسية نافذة ومسؤولين رفيعين بملف الفساد منذ عام 2003 والذي يقدر بنحو 400 مليار دولار، غير أن الخلاف الناشئ بين رئيس هيئة النزاهة القاضي محمد حنون، وقاضي تحقيق محكمة النزاهة ضياء جعفر لفتة، على خلفية قضية سرقة «الأمانات الضريبية» أو ما تعرف بـ«سرقة القرن» كشفت عن ملفات فساد جديدة بعشرات مليارات الدولارات.

وعلى خلفية إخبار حققت فيه هيئة النزاهة الاتحادية بشأن تسلم قاضي محكمة النزاهة ضياء جعفر، قطعة أرض سكنية في منطقة راقية ببغداد، بكونه «عسكري» بادر الأخير بتدقيق ملفات قطع الأراضي التي يمتلكها القاضي حنون في محافظة ميسان الجنوبية- مسقط رأسه، الأمر الذي أغاض حنون ودفعه للخروج بمؤتمر صحافي كشف فيه عن جمّلة ملفات فساد.
وما أثار انفعال رئيس هيئة النزاهة، هو ورود اسمه في مقطع فيديو لشخص يتحدث عن عمليات ابتزاز يقودها القاضي حنون في محافظة ميسان للحصول على قطعة أرض، حسبما ذكر في المؤتمر الصحافي الذي عقده في مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق، أثناء حضوره لإطلاق استراتيجية لمكافحة الفساد بين المركز والإقليم.
ويقول حنون: «جاءنا إخبار وحققنا فيه. القاضي ضياء جعفر لفتة استلم قطعة أرض على أنه عسكري بمنطقة العامرية ببغداد، منحها الكاظمي أيضاً لشراء الولاءات. على إثرها بادر القاضي بالتحقيق في قطعتي (قطعة القاضي حنون في ميسان) وقام بتوقيف الموظفين منذ يومين وأخذ هاتف مدير التسجيل العقاري في ميسان (علي قاسم) ونشر مقطع فيديو عندما يتحدث مع القاضي حارث جبار ويقول إني ابتز الناس».
ويرى رئيس هيئة النزاهة أن القاضي جعفر «ضيع سمعته، ومنذ أسبوعين يشيع بانه سيصدر أمر قبض بحقي».
وأشار إلى إنه يمتلك قطعتي أرض في المحافظة، واحدة منها استلمها كتخصيص لموظفي الدولة عام 2008-2009 تبلغ مساحتها 211 متراً، والقطعة الأخرى التي تبلغ مساحتها 600 متر أعطيت له عندما كان رئيس محكمة استئناف ميسان بقرار من مجلس الوزراء إبان تسلم مصطفى الكاظمي رئاسة الحكومة عام 2021.
وأكد أن الكاظمي «منح هذه القطع لرئيس وأعضاء مجلس القضاء الأعلى، ورئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية والوزراء لشراء الولاء» منوها إلى قبوله «قطعة الأرض».
على إثر ذلك، حرّك رئيس مجلس القضاء الأعلى شكوى ضد هيئة النزاهة ورئيسها، وطلب من القاضي جعفر التحقيق مع زميله حنون، رغم أنه ليس من اختصاصه وأن الهيئة مستقلة تخضع لرقابة البرلمان. والحديث لرئيس هيئة النزاهة.
وأضاف: «منذ شهرين قدمنا إلى القاضي ضياء جعفر ملفا يتعلق بقضية سرقة سكك الحديد العراقية، والذي يشوبه فساد بقيمة 18 مليار دولار. سكك العراق بيعت بالكامل. لكن لم نحصل على نتيجة ولا نعلم أين ذهب هذا الملف رغم خطورته» ودعا رئيس مجلس القضاء الأعلى «للتحقيق بالقضية».
وتحدث أيضاً عن شكوى تقدم بها محافظ واسط على الهيئة لدى رئيس مجلس القضاء الأعلى، بعد أن ضبطت موظفين في سيطرة المحافظة وهم يفرضون «أتاوات» على أصحاب سيارات الحمل، مبيناً أن المحافظ قال في الشكوى إن الهيئة «أهانت شرف محافظتي».
وتعليقاً على مؤتمر القاضي حنون، علّق القيادي في الحزب الشيوعي العراقي، جاسم الحلفي، في «تدوينة» يقول: «القاضي حيدر حنون أراد فضحهم، فانفضح معهم».
وذكر أيضاً أنه «لا يجوز لمن استفاد من قطعة أرض من الدولة أن يحصل على قطعة ثانية. لكنك، أنت القاضي والعارف بالقوانين، تجاوزت ذلك واستلمت مرتين! بل واعترفت بنفسك أن الكاظمي منح قطع الأراضي لشراء الولاء، ورغم ذلك قبلت أنت هذا الولاء الزائف. ألم تقسم على استقلال القضاء؟ ألم يكن ولاؤك للقانون وقواعد العدالة؟».
ووفق الحلفي فإن «العدالة هي أولى خصال القاضي النزيه والعفيف. كيف يمكن أن تتحدث عن العدالة وأنت تستلم قطعتي أرض في حين أن الملايين بلا سكن، وكثير منهم يسكنون العشوائيات؟».
من جهته، دعا الخبير القانوني سالم حواس، رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان إلى ضم هيئة النزاهة إلى جهاز الادعاء العام، وذلك للفصل بين السلطات وفصل الهيئة عن الجهاز التنفيذي والحكومي.
وقال حواس، في بيان صحافي، إن «المحكمة الاتحادية قضت بعدم دستورية المادة الخامسة البنود ثاني عشر، وثالث عشر، ورابع عشر، من قانون الادعاء العام رقم 49 لسنة 2017 النافذ، والتي تنصّ على (تولي الادعاء العام التحقيق في جرائم الفساد المالي والإداري وكافة الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة العامة المنصوص عليها في قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل، طبقا لأحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل، على ان يحيل الدعوى خلال 24 ساعة إلى قاضي التحقيق المختص من تاريخ توقيف المتهم)» مؤكدا أن «عمل الادعاء العام يغطي عمل هيئة النزاهة».
وأضاف أن «الاختصاص الوظيفي والنوعي للنزاهة هو من اختصاص جهاز الادعاء العام وليس هيئة النزاهة، ومن غير المعقول ان تكون هيئة النزاهة التي تراقب أعمال الحكومة والخروقات الناتجة عنها، ان تكون هي الأخرى جزءاً من الحكومة ويعين رئيسها من قبل رئيس مجلس الوزراء، أما بالأصالة بناءً على اقتراحه وموافقة البرلمان، وأما بالوكالة مباشرة دون موافقة البرلمان على ذلك حسب أحكام المادة 4 من قانون الهيئة».
واقترح حواس «معالجة هذا الأمر يكون عن طريق (تعديل) أحكام المادة 4 من قانون الهيئة الخاصة برئيسها، سيكون تعيينه باقتراح من رئيس مجلس القضاء الأعلى، وليس عن طريق رئيس مجلس الوزراء كما هو منصوص عليه في أحكام المادة 4 وكذلك (الغاء) أحكام المادة 7 من قانون الهيئة حتى تتسق مع نص المادة 4 المطلوب تعديلها، وذلك لعدم امكانية استجواب من يعينه رئيس مجلس القضاء الأعلى من قبل مجلس النواب، حفاظاً على دور الاستقلال في حال التعديل».
في زاوية أخرى، تحدث القاضي حنون في مؤتمره الصحافي عن معلومات جديدة تخصّ ملف «سرقة القرن» قائلاً: «المتهم لديه عدة جرائم في البصرة، منها سرقة 724 دونماً (الدونم يساوي 2.5 ألف متر في العراق) في منطقة شط العرب بالبصرة، وهي أرض تابعة لوزارة المالية وذات قيمة عالية، قام زهير بتسجيلها بأسماء وهمية وبوثائق ثبوتية مزوّرة، وبعد تسجيلها حوّلها لصالحه».
وأضاف: «على إثر هذه القضية أصدرنا أمر قبض بحقه، لكن بين ليلة وضحاها نُقلت إلى بغداد، وتحديداً للقاضي ضياء جعفر، قبل أن تختفي» كاشفاً عن قضية أخرى تتعلق بـ«سرقة الأمانات والودائع الجمركية، تقدر بتريليون دينار» يشتبه بتورط زهير فيها أيضاً.
وأكد أن «هناك أكثر من 30 متهما بقضية الأمانات الضريبية لا نعلم أين مصيرهم ولماذا لا يحاكمون».
وسبق أن أعلن القاضي جعفر مسؤوليته عن إصدار قرار إطلاق سراح نور زهير بكفالة مالية، بكونه القاضي المختص في القضية، مشيراً إلى أن إجراءات استرداد «الأموال معقدة».
وانشغل الشارع العراقي والأوساط السياسية بتداعيات مؤتمر القاضي حنون، والأسباب التي دفعته لكشف تلك المعلومات وقراره مواجهة زميله القاضي جعفر في جلسة علنية أمام البرلمان.
المحلل السياسي العراقي، محمد علي الحكيم، اعتبر الضجة حول قضية «سرقة القرن» بأنها للاستهلاك الإعلامي، بهدف إلهاء الشارع والتغطية على ملفات أخرى.
وذكر في حديث «للقدس العربي» أنه «منذ عام 2003 إلى عام 2014 نسبة الفساد والأموال المسروقة تجاوزت 400 مليار دولار، وهذا ما كشف عنه هوشيار زيباري والراحل أحمد الجلبي» مبيناً أن «هذه الزوبعة التي أقاموا الدنيا ولم يقعدوها بسبب سرقة القرن هي للاستهلاك الإعلامي والهاء الشارع ومن أجل التغطية على أمور كثيرة منها نسبة الأموال المنهوبة منذ 20 عاما».
وانتقد الحكيم تناسي الشعب العراقي «سرقة مئات المليارات» منتقداً انشغال القنوات الفضائية «بقضية سرقة القرن، في حين تتناسى سرقات تتجاوز مئات المليارات من الدولارات، والتي تمت بأيادي سياسيين وزعامات كبيرة من القوى السياسية».
ورغم تشديد المحلل السياسي العراقي على أهمية استرجاع أموال الأمانات الضريبية، وفتح الملف «على مصراعيه» غير إنه استبعد إجراء ذلك، عازياً السبب إلى إنه «سيتسبب بمشاكل كبيرة، لأن المشاركين بسرقة القرن زعامات كبيرة من أغلب القوى السياسية (سنة وشيعة وكرد) لكن هناك أهم وهناك مهم، ولا يمكن التمسك بسرقة لا تتجاوز مليارين ونصف دولار وترك مئات المليارات في أيادي السياسيين الذين جثموا على صدور العراقيين منذ عام 2003 وقاموا بتوزيع الكعكة فيما بينهم، وشكلوا حكومة على أساس المحاصصة».
ورأى أن «نور زهير لن يحاكم لأن محاكمة تعني استقدم كبار الزعماء من القوى السياسية بكونه واجهة لهم» متسائلاً: «إذا أرادوا محاكمته فلماذا تم تهريبه؟».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية