رغم حملة التضامن مع حسن والانتقاد لدعوى الكاظمي، أصدر مكتبه بياناً أكد فيه أن الدعوى تأتي ضمن قراره إقامة دعاوى ضد شخصيات اعتمدت أسلوب التشهير والإساءة بدل النقد.
بغداد ـ «القدس العربي»: يواجه الكاتب والصحافي العراقي، قيس حسن، دعوى قضائية أقامها رئيس الوزراء العراقي السابق، مصطفى الكاظمي، بتهمة «الإساءة والتشهير» على خلفية «تدوينة» نشرها حسن انتقد فيها أداء رؤساء وزراء العراق منذ عام 2003 وهو ما دفع الكاظمي إلى مقاضاته ومطالبته بغرامة مالية تبلغ «ربع مليار» دينار (نحو 175 ألف دولار) الأمر الذي خلّف موجة انتقادات واسعة لرئيس الحكومة السابقة، رافقها حملة تضامن مع الكاتب العراقي.
القصة بدأت عندما كتب حسين «تدوينة» على صفحته الرسمية في «فيسبوك» في 30 حزيران/يونيو الماضي، قائلاً: «الأشخاص الأكثر سوءاً في الفكر والسلوك حكموا العراق بعد 2003» مستدركاً: «لا أستثني أحداً منهم على الإطلاق والكاظمي تفوق عليهم جميعاً».
وبعد نحو أسبوعين، رفع الكاظمي دعوى قضائية أمام محكمة الكرخ في العاصمة بغداد، إذ جاء في لائحة الدفاع أن «إساءة المدعي عليه (قيس حسن) غير قابلة للتأويل، وتسببت بضرر مادي ومعنوي للمدعي (الكاظمي) وعائلته، بما يتنافى مع مبدأ حرية التعبير، وفيها تجاوز أخلاقي واضح».
ونهاية الأسبوع الماضي، أعلن حسن، إقامة رئيس الوزراء السابق دعوى قضائية بحقه، يتهمه فيها بالإساءة والتشهير به على خلفية «تدوينة» نشرها عنه وعن رؤوس الطبقة السياسية (رؤساء الوزراء) منذ 2003 وطالبه بتعويض مالي قدره 250 مليون دينار، بسبب «الضرر المادي والمعنوي» الذي لحق به، وفقاً للدعوى.
وحسب «تدوينة» للكاتب والصحافي العراقي، فإنه في السابع من آب/أغسطس الجاري، «كانت الجلسة الثانية التي قرر فيها القاضي تحويل الدعوى إلى خبير قبل البت بها يوم 22 من هذا الشهر».
وأضاف: «حين خرجت من جلسة المحكمة سألت نفسي وأنا أعود لبيتي متعبا، مشدوه البال، هل كان الكاظمي يجرؤ ان يقيم دعوى على أحد من (الأقوياء) أصحاب النفوذ والسلطة والجاه؟ هل كان يجرؤ أن يقيم دعوى على أحد من عناصر الأحزاب والفصائل المسلحة الذين لم يتركوا لفظا قبيحا ولا شتيمة إلا ووصفوه بها؟ لماذا اختارني أنا ليحتكم معي إلى القانون؟ ثم لماذا لم يرفع أيا ممن شملهم كلامي دعوى قضائية؟».
ويرى حسن أن كلماته التي نشرها عن الكاظمي ورؤساء الوزراء «قاسية بقدر ما كان حالنا قاسيا وسيئا. غضبت في كلماتي، مثلما يغضب الناس في بلد انتهك فيه كل شيء، المروءة، النزاهة، الشرف، القانون، الدستور، الضعفاء الحالمون بالحرية والرفاه وسيادة القانون. وهل هناك أحد من الضعفاء لا يريد سيادة القانون؟ كانت كلماتي غاضبة عن مسؤول وليس عن شخص، غاضبة عن شخصيات عامة بسبب الكم الهائل من الألم والفشل الذي نعيش فيه. وماذا نكتب عن حالنا المضحك المبكي، سوى أن نكتب بألم؟».
ورغم ذلك، أشار إلى إن «اللجوء إلى القانون هو سلوك حضاري لا شك فيه، بل هو مطلوب لمن يريد أن يرى دولة (محترمة)؟ ثم، أليست الدولة المحترمة هي التي يسودها القانون؟ وهذا الأمر (احترام القانون) يجب ان يكون مقدسا لدى رجال الدولة أولا، وميزان العدالة يجب أن يكون عادلا مع الجميع بدون النظر لقوتهم أو لضعفهم».
وقبل توليه منصب رئيس الوزراء (أيار/مايو 2020 ـ تشرين الأول/ أكتوبر 2022) عمل الكاظمي صحافياً وكاتباً لموقع «المونيتور» الأمريكي، فضلاً عن توليه منصب رئيس تحرير مجلة «الأسبوعية».
ويقول «المرصد العراقي لحقوق الإنسان» وهو منظمة حقوقية غير حكومية، إن «الكاظمي كان صحافياً قبل أن يصبح رئيساً للوزراء، وهذا يجعله على دراية تامة بأهمية حرية التعبير ودورها الحيوي في بناء مجتمع ديمقراطي» مبيناً أن «تقييد حرية التعبير يعد تراجعاً خطيراً عن المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان».
وذكر في بيان صحافي، أن «حرية التعبير هي حق مكفول بموجب المادة 38 من الدستور العراقي، والتي تنص على أن (تكفل الدولة، بما لا يخل بالنظام العام والآداب، حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل). كما يلتزم العراق بالمواثيق الدولية التي تضمن حق حرية التعبير، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 باعتباره من الدول المصادقة عليه».
يؤكد المرصد أن «اللجوء إلى القانون يجب أن يكون سلوكاً حضارياً يهدف إلى حماية الحقوق والحريات، وليس إلى تقييدها» داعياً القضاء العراقي إلى «الوقوف إلى جانب حرية التعبير والتأكيد على أن هذا الحق يشمل النقد البناء للمسؤولين والشخصيات العامة».
وخلال اليومين الماضيين، عبّر العشرات من المثقفين والكتاب والصحافيين، عن تضامنهم مع قيس حسن بإطلاقهم وسّم «#متضامن_مع_قيس_حسن» مطالبين الكاظمي بالتنازل عن الدعوى.
الروائي العراقي أحمد سعداوي، الفائز بجائزة «البوكر» الأدبية، في قال في «تدوينة» له: «كنا لنكون في صف الكاظمي لو أنه تقبّل المنشور».
في حين ذكر الإعلامي سعدون محسن ضمد، أن «من يختار أن يكون شخصية عامة فعليه أن يضع في حساباته تعرضه للنقد والاعتراض وحتى التجريح. ورغم لجوء الكاظمي إلى القضاء بسبب منشور، لكنه تولى مسؤولية بلد، وعليه أن يتحمل ما هو متوقع من مواطني هذا البلد».
من جانبه، كتب الإعلامي العراقي أحمد الساير معلقاً على الدعوى القضائية: «الكاظمي يلاحق الكلمات ولم يلاحق الكاتيوشا» مبيناً أن حسن «الكاتب الذي يمارس دوره بجلد الاعوجاج والفساد السلطوي يتلقى دعوة قضائية أقامها الكاظمي ضده. هل لانه رجل لا يمتلك سوى الكلمة ولم يمتلك عصابات وسلاح أم لان التذكير بالفساد ورموزه وما يجري في البلاد جريمة؟ إذن أي تناقض غريب نعيشه في بلد يعج بالفوضى والخراب على جميع المستويات.. ربما هناك بصيص أمل في القضاء يعيد الأمور إلى نصابها.. ونتخلص من شخوص اعتبرها طفليات في المشهد العراقي المشحون بفوضى الاخلاق والقيم».
في حين، وجّه الكاتب العراقي فلاح المشعل رسالة إلى الكاظمي قائلاً: «تزاملنا بالصحافة والبحث عن حرية الرأي وفضاءات النقد التي لا تعفي أحداً، ولا تعطي صك القدسية لأية شخصية مهما كان موقعها الحكومي. كنت رئيساً للحكومة ووقفنا معاك، ومن هنا كان لنا حق عليك في أن نكتب النقد، وعندما يأتي من الكاتب الوطني قيس حسن، فإنه يمثل ما كنا نتحدث عن أهمية أن يتحقق، وهو ما افتقدناه في زمن الاستبداد والدكتاتورية».
وأضاف: «أخاطب فيك ضميرك الإعلامي والوطني وثقافة الحرية التي كنت زماناً مشغوفاً بها، أن تسحب شكواك عن الأخ الصديق العزيز والكاتب الحر قيس حسن، والكتاب الذين شكوتهم للقضاء، أو تفكر في تقديم الشكوى ضدهم» مستدركاً: «انتقدنا بشدة نوري المالكي، ولم يقم دعوى ضدنا، كذلك انتقدنا بشدة وقسوة عادل عبد المهدي، ولم يقم ضدنا دعوى، كذلك كتبنا نقداً ضد العبادي، وقبله الجعفري وعلاوي، ولم يعف النقد أي سياسي عراقي، لأن الجميع شركاء في واقعنا السيئ، وأنت تعرف ذلك يا صديقي».
وجدد المشعل دعوته للكاظمي بـ«سحب الدعوى والترفع عن هكذا خطوات، فمن يرتضي التصدي للمسؤولية، عليه تحمل رأي الناس فيه، وخصوصاً أصحاب الكلمة الحرة الشجاعة».
ورغم حملة التضامن مع حسن والانتقاد لدعوى الكاظمي، أصدر مكتب الأخير بياناً أكد فيه أن الدعوى القضائية التي رفعها تأتي ضمن «قراره إقامة دعاوى كثيرة ضد شخصيات سياسية وأمنية وصحافية اعتمدت أسلوب التشهير والإساءة بدل النقد وحرية التعبير».
واعتبر أن «اللجوء إلى القضاء في هذه الموارد هو دفاع عن حرية التعبير وليس تقييداً لها، لأجل التمييز بين ما هو رأيٌ ونقد، وما هو سبابٌ وشتيمة».