قرأت مرة مقولة لأندريه تاركوفسكي عن الشعر يقول فيها إن الشعر هو الوعي بالعالم، وبأنه لا يصنفه كنوع أدبي، يقول: «حين أتحدث عن الشعر فإنني لا أنظر إليه كنوع أدبي، الشعر هو الوعي بالعالم.»
فتساءلت كيف يمكن أن يكون الشعر دليل وعي بالعالم؟
حين نقرأ أي نص أدبي أو شعري متفرد نلمس جماليته انطلاقا من كثافة الفكرة التي يطرحها، هذا الاقتصاد اللغوي وهذا التكثيف الصوري ينتج لدينا تأويلات جديدة ومتعة متجددة في كل مرة نعيد فيها قراءة هذا النص، وكأن الشعر من وجهة نظري هو فن توليد المعنى. وهذا ما لا تتيحه الأصناف الأدبية الأخرى في الغالب، وحده الشعر يختزل الأفكار ويوسع الرؤية ويعيد ترتيب العالم في اللغة بطريقة مدهشة، لذا يظل واحدا من الألغاز البشرية التي تخص الإنسان وحده، وهذا ما أثارني في هذا الكتاب الشعري المختلف بعنوان «ترتيب العدم».
تقول الشاعرة الجزائرية ربيعة جلطي في مجموعتها هذه، وهي آخر إصداراتها الشعرية: «نحتاج إلى الشعر، كثيرة هي المدافع الموجهة ضد القصيدة، وعبرها ضد كل ما في الإنسانية من جوهر».
وبمقاربة فلسفية تقول أيضا: «نحتاج إلى الشعر لوحة مفاتيح نجاة من هذا الصقيع الإنساني الذي يحاصر الحياة، نحتاج إليه كثيرا كي نصارع العدم الذي فينا ومن حولنا، الشعر ترياق الأمل «.
ومن هذا الفهم نحتت ربيعة جلطي عنوان كتابها الشعري الجديد، فالعدم الذي تقصده الشاعرة هو تلك الأفكار الكئيبة التي تلاحق الإنسان في ظل هذا العالم الذي نعيشه، لذا وجد الشعر ليكون محاولة لسد حاجة البشر الفكرية والجمالية، تقول:»فكان الشعر لحافنا وخبزنا وسفينة نوحنا وبلادنا ومهاجرنا».
ثم تقرن مرة أخرى «العدم» بالحاجة إلى الآخر الذي تكتمل فيه ومنه صورة الحب، فتقول: «ولأننا من أول وهلة في هذا العالم الذي يشبه العدم الذي لا شبيه له، نحتاج إلى الآخر الذي هو نصف التفاحة الثاني، هو نصف الكون، الآخر الذي فينا ولنا». ومن هنا وجد الشعر، فهو: «الجسر إليه قبل أي جواز سفر، وبعد كل جواز سفر». تقول أيضاً: «من صفات العدم/ في الوقت الفائض…/ كل شيء في نقصان».
وعن جدتها «حنة الزرهونية» نقرأ دفاتر في أمور العشق، فهكذا تكلمت الشاعرة، بلسان جدتها التي استحضرتها قصائد وهي الحية داخلها في كل حكمة عرفت ربيعة كيف تصوغها شعريا، تقول: «أنا امرأة من ضوء، فافتح نوافذك عليّ، كي تبلغ من الحب عتيا».
ولكن الحكمة كل الحكمة تراها جلطي في الحب الذي هو «رأس المال» المشترك بين البشرية فهو كلما تمّ توزيعه على أكبر عدد من البشر زاد حجمه وعظمت قيمته وأصبح أكبر، تقول: «تعال أخبرك عني… أنا ربيعة، أتحسس أطراف الحـب عـن قرب، كما أتحسس ابتسامة طفـلٍ أو أجنحة وردة على شباك مهجورٍ، فأشعر بنوبة شعرية. أجسّ نبضه وحرارته كأي كائنٍ حي دافـقٍ. أتابع أخباره عـبر شـاشات لا ترى بالعينِ، في عزلتي وأسفاري، وأكتبه باحتراق وصدق. أنـت أيضا… حين تحب، تصبح قادرا على رفعِ الكـرة الأرضية فوق كفك، وعلى الطيران بدون براقٍ نبوي، عابرا العالم دون توجس أو ضجرٍ، وتضحى قادرا على فهـم جميعِ لغات العالم، متحديا نحوها وصرفها دون أن تدخل مدرسة أو تجلس في حلقة. أتدري لماذا؟ – لأن فصاحة الحب من فصاحة الشّعر».
يبدو أن للحب القيمة العظمى في ما تكتبه جلطي، وهو في قاموسها الخاص رديف الشعر أيضاً، وفي قولها: «إما أن تكون شاعرا أو موضوعا للشعر.. لا خيار لك». لذا تعود كل مرة للحديث عن الحب بطريقة جديدة ومن زوايا نظر مختلفة، وبمقاربة جمالية مختلفة أيضا، وكأنه بالنسبة لها رديف لفلسفة الحياة في عنفوانها، رديف لمعنى الأشياء الجميلة في دهشتها وفي عمقها، تلك التي تعيدنا إليها تلك العودة الجميلة اللذيذة التي نود القبض عليها والاستمتاع بها قدر الإمكان، وإلى الأمل برغم كل المنغصات التي قد نتعثر في مكائدها وهي تحاول إصابتنا بالإحباط وتكسر شوكتنا فتأتي حكمة ربيعة».
«حكمة
حين تحبّ
يصبح كلُّ شيء ممكنا.
أن تُمسي خفيفا خفيفا مثلا،
مثل سهمٍ طائشٍ،
يصيب السماءَ في زرقتها،
فينهمر الماء.
حين تكره
يصبح كلُّ شيء ممكنا.
أن تنفضَ بساطَ اللّيل مثلا،
وتضع النجومَ في علبة «.
ولأن الشعراء لا يمكن أن يسقطوا من الذاكرة، استحضرت جلطي الشاعر الجزائري الراحل عثمان لوصيف احد شعراء الجزائر وأيوب الألم، في قصيدة تقول في مطلعها: «هناك… في اللاّندري/ كما لن يقدر أحدٌ/ أن يصفك…/ لأنك المتصوف الهادئ العميق/ لأنك لم تفصح/ عن تنادي الشعر/ ونبوة الصحراء.» وتختمها بذات التأمل والحفر في الكلمات: « لأنك الرصين/ خرجت إلى البرية/ وقعدت وحدك/ فلا يرى أحدنا أحدا/ وجميعنا نراك».
في ديوان «ترتيب العدم» نقرأ عن الحب، الحياة، الإيكولوجيا، هجاء الحروب. تقول جلطي في قصيدة بعنوان «مريخ نظيف»:
«على سطحه
ذلك الكوكب الأحمر..
تربة حمراء،
ليست مغموسة
في الدماء «!
وكتابة الشعر عند جلطي كما كتابة الرواية هي ورشة للأسئلة الفكرية الحادة المطلة على مآلات البشرية في جنونها وانفلاتاتها، فهي تقرأ المستقبل من خلال التطورات التي أحدثتها التكنولوجيا في العالم، في مقاربة مع العالم الراهن، العالم الآن، هذا العالم الذي أصبح فيه الذكاء الاصطناعي شيئا نعجز عن تفسيره، ذكاء يتقدم بوحشية تحتاج إلى مساءلتها فلسفيا، لأننا مجبرون على التعايش مع المتغيرات التي جاءت مع هذا الانسان الآلي الذي أصبح يتقاسم مع الإنسان البشري-الحيواني المساحة والزمن واللغة والنار.
كتبت في قصيدة بعنوان «آليون» تقول:
«الرجل الآلي العظيم
يضحك بأضوائه
يغمز للنجمة الناجية
وحيدة في قفار السماء.
يُبرق لها بعجب:
– أرأيت يا «ميرا»
هذه البلاد الراقدة
هذه الساهية بجنبات الماء
كأنها لا تأبه،
أو لا تدري،
بما سيجري».
وفي قصيدة أخرى تستحضر مجددا الحضور المثير والمقلق للذكاء الاصطناعي في حياة الإنسان تقول:
«الرجال الآليون
في المدينة المهجورة
يتعرّقون..
يتقاذفون القمر بأرجلهم
يعفرونه بالتراب
يتراكضون بجنون
خلفه…وقبله… وحولَهُ
هدف.
اثنان
ثلاثة
تعادُل «!
وعن تجارب الحياة، تلك التي يستخلص منها الإنسان دروسه ترى جلطي أننا نتعلم من أبسط الأمور التي تعترض طريقنا ولا ننتبه لها، تقول: «هذا الورد../ يا لَهُ من مُعلِّم عظيم../ يضحك ملء لونه،/ وهو يدري../ أن العمر به/ قصير!».
وفي زمن يدير فيه الكثيرون وجوههم عن الشعر، يجيء ديوان «ترتيب العدم» ليصالح بين القارئ والقصيدة، من خلال المزاوجة بين المقاربة الفلسفية من جهة والاشتغال على الجملة والمفردة والصورة من جهة أخرى، ويستقرئ المستقبل من وجهة نظر الشعر. نعم، للشعر عيون مفتوحة، عيون تتقاطع نظراتها لتقول لنا عن مشاهد في مديح الحياة البديعة تارة وفي مكابدة عنيفة لمرارة الحروب بشتى أنواعها. تقول الشاعرة:
«مثل قطار أهوج
تمرّ الحياة سريعة
تسحق مَنْ لا ضوء
يشعّ من داخله!»
ربيعة جلطي: «ترتيب العدم»
منشورات ضفاف الاختلاف،
بيروت 2022
127صفحة.