صنعاء ـ «القدس العربي»: تنتظر آلاف العائلات في اليمن، بترقب مخرجات الجولة التاسعة من مفاوضات مسقط بشأن الأسرى، وملؤهم الأمل في أن تحقق نتائج إيجابية، يتم معها الإفراج عن عدد كبير من الأسرى والمحتجزين، ويلتئم شملهم بذويهم، في حال لم يتم الاتفاق على صفقة شاملة بناءً على قاعدة «الكل مقابل الكل»؛ وإن كان الاتفاق على هذه الصفقة الشاملة أمرًا مستبعدًا في ظل الخلاف الراهن على القوائم، إلا أن هذه العائلات، ومعها كل اليمنيين، لا يملكون سوى التمسك بتلابيب الأمل انتظارا لفك أسر ذويهم، وكشف مصائر المخفيين منهم.
كان يُفترض أن تنتهي أعمال الجولة التاسعة الجمعة، إلا أنه تم تمديد فترة الاجتماعات لأجل لم يتم الإعلان عن مداه؛ وفي كل الأحوال يبقى التمديدُ مؤشرًا على حرص الوسطاء على إنجاح المفاوضات، والخروج بنتائج تعزز من بناء الثقة بين الطرفين، وبما يسهم في التخفيف من وطأة الأزمة الإنسانية، على أمل أن تُشكّل هذه الخطوة انطلاقة لمعالجات أوسع في الملفين الإنساني والاقتصادي، على طريق استئناف مشاورات الحل السياسي؛ وهو أمر قد لا يكون قريبًا وفق مراقبين، إلا أنه يبقى حتميًا، وقد يتحقق في الغد متى ما تماهت القيادات اليمنية مع مصلحة الناس والوطن بعيدًا عن أي حسابات خارجية؛ وعندها لن يحتاج اليمنيون إلى وسطاء من خارج بلادهم لتبادل الجثامين.
وأعرب وزير الخارجية الأسبق، أبو بكر القربي، في «تدوينة» عن أمله في أن يكون «تمديد اجتماعات لجنة الأسرى في مسقط لمدة إضافية، وعودة رحلات الحجاج مؤشرين لنجاح الوساطة الهادفة لتخفيف المعاناة الإنسانية لليمنيين وبناء الثقة للتحضير لمفاوضات الحل السياسي. ولكن تحقيق ذلك مرهون بتحرير قرار أطراف الصراع ووضعهم مصلحة اليمن وشعبه أولاً».
الجولة التاسعة للجنة الأسرى
جاء انعقاد الجولة التاسعة للجنة الأسرى خلال مرحلة بالغة التعقيد في مسار الصراع هناك، وعقب عام كامل تعثر فيه انعقاد الجولة، على الرغم من الترتيب لها لثلاث مرات؛ الأمر الذي يرفع من منسوب التوقعات إزاء ما يُفترض أن تنتهي إليه، لاسيما مع الدعم الأممي والإصرار الإقليمي على انعقادها لتحقيق خطوة إلى الأمام في الأزمة الإنسانية على صعيد الأسرى وفق المسار الذي يتبعه المبعوث الأممي، الذي يحرص على البدء في كل تعثر، على ما يرى أنه يعزز الثقة بين الطرفين، وعادة ما يكون ذلك في الملف الإنساني وتبادل الأسرى تحديدًا، وبناءً على الثقة التي يؤسس لها هذا التفاوض يتم الانطلاق في مفاوضات العناوين الأخرى.
بدأت أعمال هذه الجولة يوم الأحد الماضي الموافق 30 حزيران/يونيو، عقب تصريحات من رئيسي الوفدين عكست حرصهما على تحقيق نتائج إيجابية، وإطلاق سراح جميع الأسرى وفق قاعدة «الكل مقابل الكل» التي أقرّتها اتفاقية ستوكهولم في عام 2018 وهو ما يعكس مدى إصرار الوسطاء أيضًا على المضي قدمًا بهذه المفاوضات.
استغرقت الجولة التي تنعقد بإشراف من المبعوث الأممي الخاص لليمن، هانس غروندبرغ، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وبدعم دبلوماسي من سلطنة عُمان ومن التحالف ممثلًا في الرياض، أربعة أيام في مناقشة مطلب الوفد الحكومي بشأن الكشف عن مصير المعتقل السياسي لدى الحوثيين محمد قحطان، وضمّه لصفقة تبادل؛ وتجاوزت مفاوضات الأيام الأربعة هذه المسألة بالاتفاق على إفراج الجانب الحكومي عن 50 أسيرًا مقابل إفراج الحوثيين عن قحطان، وفق ما صدر عن المتحدث باسم الوفد الحكومي المفاوض بشأن الأسرى، ماجد فضائل، وهو ما أضاف إليه الحوثيون «وفي حال كان متوفيًا يتم الإفراج عن خمسين جثة مقابل جثته».
وقال المتحدث باسم الوفد الحكومي المفاوض بشأن الأسرى، فضائل، في «تدوينة»: «توصلنا إلى اتفاق مع وفد الحوثيين بشهادة الأمم المتحدة على تبادل 50 أسيرًا حوثيًا مقابل السياسي محمد قحطان المختطف والمخفي لأكثر من تسع سنوات مضت».
فيما نشرت وكالة الأنباء «سبأ» التابعة للجماعة تصريحًا لرئيس اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى التابعة للحوثيين، عبد القادر المرتضى، أعلن فيه «عن الاتفاق مع الطرف الآخر لضم محمد قحطان في صفقة التبادل المتفق عليها، خلال المفاوضات الجارية في سلطنة عُمان بشأن ملف الأسرى».
وقال المرتضى: «إن الاتفاق تضمن الإفراج عن محمد قحطان مقابل الإفراج عن 50 من أسرى الجيش لدى الطرف الآخر، وإن كان متوفيًا فيتم تسليم جثته مقابل تسليم الطرف الآخر 50 جثة» في إشارة إلى احتمال وفاته.
وأضاف أن «اللجنة ظلت طيلة المراحل والمفاوضات الماضية تطالب بالإفراج عن كافة الأسرى، وضرورة حلحلة هذا الملف، وعدم ربطه بأي ملفات أخرى أو استخدامه كوسيلة للضغط».
أجواء إيجابية
مكتب المبعوث الأممي الخاص لليمن أصدر بيانًا في هذا الشأن قال فيه «إن جولة المفاوضات الجارية، والتي انطلقت في سلطنة عُمان بشأن ملف المحتجزين على خلفية النزاع، تجري في أجواء إيجابية وبناءة حتى الآن، وقد توصلت الأطراف لتفاهم حول إجراءات لإطلاق سراح محتجزين على ذمة النزاع بينهم محمد قحطان».
وشدد مكتب هانس غروندبرغ «على أهمية استكمال التفاوض حول هذا التفاهم بروح من المسؤولية لتحقيق نتائج ملموسة على طريق الإفراج عن جميع المحتجزين على خلفية النزاع بموجب مبدأ (الكل مقابل الكل)».
وقال:» تأتي جولة المفاوضات الحالية كجزء من الجهود الأممية المستمرة في دعم الأطراف لتنفيذ التزاماتها بموجب اتفاق ستوكهولم».
وتضمن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 الإفراج عن أربعة معتقلين لدى الحوثيين، من بينهم محمد قحطان، القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح، لكن تم الإفراج عن ثلاثة منهم فقط.
وتم اعتقال قحطان في عام 2015. فيما تتحدث أنباء عن مقتله في غارة جوية؛ وهو ما لم يتم تأكيده من أي طرف.
وأثار ما تم الإعلان عنه من قبل الوفد الحكومي والحوثيين جدلًا وردود فعل عديدة.
مجهولو المصير
استؤنفت المفاوضات يوم الخميس عقب هذا التفاهم المبدئي، ويُفترض أنهم يناقشون حيثيات صفقة التبادل، التي يُفترض أن تنتهي إليها هذه الجولة، في حال لم يتم التوصل إلى اتفاق على إطلاق جميع الأسرى وفق قاعدة «الكل مقابل الكل».
وفيما لو تم المضي بالتفاوض على إطلاق جميع الأسرى وفق قاعدة «الكل مقابل الكل» فإنه من الطبيعي أن يكون المعتقل محمد قحطان ضمنها، إلا أن المفاوضات تعاملت مع قضية قحطان كأولوية بالنسبة للوفد الحكومي، انطلاقًا من طبيعتها الإنسانية والسياسية، على صعيد الكشف عن مصيره، وما تناولته اتفاقات سابقة بشأنه؛ في ظل معرفة الجانبين بصعوبة تنفيذ صفقة تبادل شاملة في الوقت الراهن.
تؤكد الوقائع أنه من الصعب على الجانبين الذهاب إلى صفقة شاملة؛ لأن الصفقة الشاملة تقتضي قوائم دقيقة متوافق عليها بين الطرفين، بينما الواقع أن الطرفين يتبادلان قوائم بين جولة وأخرى؛ بدءاً من القوائم التي تم تبادلها خلال مشاورات ستوكهولم؛ كما إن إشكالية مجهولي المصير تظل مؤرقة للطرفين؛ وهي المتعلقة بالأسماء التي يقدمها كل طرف وينكر الطرف الآخر علاقته بها؛ وهنا تبرز قضية إنسانية غاية في التعقيد؛ انطلاقًا من افتقاد الطرفين للثقة فيما بينهما، وبالتالي يعمل كل طرف على المناورة بهذه القضية الإنسانية البحتة، باعتبار أن الحرب ما تزال مستمرة، وبالتالي فالحاجة للأسرى تبقى قائمة كورقة ضغط في صفقة تبادل.
ثمة أمر آخر مرتبط بتعقيد ملف الاتفاق على صفقة شاملة، ومرتبط بتعدد سلطات الأمر الواقع في مناطق نفوذ الحكومة؛ وبالتالي تعدد سجونها، وهنا يتجلى إشكال آخر قد يعيق تنفيذ الصفقة الشاملة في الوقت الراهن. علاوة على وجود خلاف بين مكونات الجانب الحكومي بشأن الوفد الحكومي؛ وفي هذا السياق، أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي رفضه لأي نتائج تخرج بها الجولة كونه غير مشارك فيها.
الأمم المتحدة على ما يبدو أنها اقتنعت أنه من الصعب السير في هذا المسار، واضطرت للذهاب في مسار التنفيذ المرحلي لاتفاق ستوكهولم، الذي ينص على «إطلاق سراح جميع الأسرى والمعتقلين والمفقودين والمحتجزين تعسفيًا والمخفيين قسريًا والموضوعين تحت الإقامة الجبرية على ذمة الأحداث لدى جميع الأطراف بدون أي استثناءات أو شروط، وذلك بهدف حل القضية بشكل كامل ونهائي». و«تلتزم جميع الأطراف بعدم استثناء أي شخص تم أسره أو اعتقاله أو احتجازه أو القبض عليه على ذمة الأحداث لأي سبب».
وفي أول تبادل لقوائم الأسرى والمعتقلين بين الطرفين عام 2018 قيل حينها، صرّح أحد الجانبين، إنها شملت أكثر من 15 ألف أسير ومعتقل من الجانبين… وعلى الرغم من ذلك لم يتحقق الإفراج الكلي حتى الآن.
بالنظر إلى ما حققته الوساطة الأممية على صعيد الإفراج عن الأسرى في صفقات مرحلية؛ فعلى مدى الجولات الثمان الماضية لم يتم التوصل سوى إلى صفقتي تبادل؛ الأولى تمت في تشرين الأول/أكتوبر عام 2020 وتم فيها تبادل 1056 أسيرًا، والثانية تمت في نيسان/أبريل 2023 وتم فيها تبادل نحو 887 أسيرًا؛ وكان يُفترض أن هناك صفقة ثالثة، وفق الحوثيين، يتم خلالها تبادل 1400 أسير مناصفة، لكنها تعثرت، فيما نجحت الوساطات المحلية والقبلية في إنجاز صفقات تبادل عديدة؛ وهو ما يُشير إلى دور وأهمية الوساطات القبلية في تحقيق تقدّم في هذا الملف.
ومن الطبيعي أن يكون لهذه الوساطات المحلية فاعلية أكبر انطلاقًا من ادراكها لمفاعيل الثقافة التقليدية، والاستفادة منها جيدًا في التواصل وتحقيق نتائج إيجابية، بدليل ما حققته هذه الوساطات على صعيد ابرام صفقات تبادل أسرى وجثث قتلى، كالإفراج من خلال وسطاء محليين عن أكثر من 1200 سجين في محافظة تعز(جنوب غرب) ونجاح الشيخ القبلي ياسر الحدي اليافعي في تبادل 605 سجناء بين جماعة الحوثيين وقوات المقاومة الجنوبية. وليس ببعيد ما حققته مثل هذه الوساطات من نجاح في فتح الطريق المغلق بين البيضاء ومأرب مؤخرًا.
خطيئة أخلاقية
اعتبر وزير الثقافة الأسبق، أمين عام حزب التجمع الوحدوي اليمني، عبدالله عوبل، التفاوض بشأن الأسرى وكلهم يمنيون خطيئة أخلاقية.
وقال لـ«القدس العربي»: «من حيث المبدأ لا يجوز المساومة أو التفاوض حول الأسرى وكلهم يمنيون، إنها خطيئة أخلاقية مرعبة. الأسرى والمختطفون يجب الإفراج عنهم من دون أي مساومات».
ويرى عوبل «أن جولة المفاوضات في مسقط تتم في ظروف أفضل، بعد أن أصبحت خريطة الطريق جاهزة للتوقيع، وهي التي اُنجزت في تشرين الأول/أكتوبر 2023 وكان يُفترض توقيعها في كانون الثاني/يناير الماضي، ولكن عندما جاءت مشكلة التصدي للسفن في البحر الأحمر جمّد الأمريكيون التوقيع، وتأجل إلى الآن».
وقال: «إذن هناك مقدمات تم التفاهم عليها في هذه الخريطة، ثانيًا: تم إحراز تقدّم في فتح بعض الطرقات، وهي جوانب إنسانية مهمه تخفف العبء على المواطن، ونتمنى أن تُفتح بقية الطرقات» معتبرًا ذلك مؤشرًا لإمكانية تحقيق نتائج إيجابية.
وخلص إلى القول «إن هذه المفاوضات يمكن تحقق تقدمًا إيجابيًا على قاعدة (الكل مقابل الكل) لكن لا ننسى بعض التعقيدات التي يجب الفراغ منها فورًا. فالطرفان لديهم قوائم ليست دقيقة، ولا يمكن أن تكون دقيقة في ظروف حرب عشر سنوات. وعليهم أن يتفقوا على ما هو موجود عند كل طرف بدون تلاعب أو لف ودوران».
إنهاء الصراع العسكري..أولا
الباحث اليمني، عادل دشيلة، يراهن كثيرًا على الوساطات المحلية في إمكانية تحقيق نتائج أفضل على صعيد تبادل الأسرى.
وقال لـ«القدس العربي»: لو أطلعنا على تاريخ المنظمة الدولية في رعاية تبادل الأسرى خلال السنوات الماضية، فسنجد أنها فشلت فشلًا ذريعًا في تحقيق أي تقدّم حقيقي في هذا الملف.
وأضاف: قد نعتبر مفاوضات مسقط إيجابية، لكن لا يعول على نتائج هذه المفاوضات كثيرًا، بالنظر إلى ما تحققه الوساطة المحلية، التي تولي اهتمامًا لتقريب وجهات النظر، من خلال التركيز على الجوانب الإنسانية؛ بما فيها قضايا الطرقات المغلقة وتبادل الأسرى وجثث قتلى الحرب، وقد نجحت في الإفراج عن أسماء قيادية كبيرة؛ كالقائد العسكري فيصل رجب وغيره. لقد أثبتت هذه المبادرات أنها تستحق الدعم أكثر من الوساطة الأممية».
واستبعد دشيلة إمكانية الاتفاق على صفقة تبادل أسرى شاملة، وفق قاعدة «الكل مقابل الكل» لعدة أسباب؛ أولا: لأنه إذا تم حل هذا الملف لن تكون هناك ورقة أخرى للتفاوض والضغط. ثانيًا: هذه المفاوضات ما هي إلا محاولة من الأمم المتحدة لإحياء عملية السلام، ولكنها ستبوء بالفشل المرة تلو الأخرى؛ لأن القضايا الإنسانية قضايا ثانوية، وبالإمكان حلها من دون وجود وساطة دولية، بل من المخجل أن تكون هناك وساطة دولية لإخراج جثث القتلى، كما ذكر سفير يمني سابق. ولهذا إذا أردنا أن نعول على أي تفاوض سياسي مستقبلي يحل القضايا الاقتصادية والإنسانية فعلينا أن نبدأ بالقضية الأهم؛ وهي القضية الأساسية قضية إنهاء الصراع العسكري، والوصول إلى تسوية سياسية عادلة وشاملة.
واستطرد: «في ظل الوضع الراهن كل المُعطيات تُشير إلى عدم وجود بوادر لحل الأزمة السياسية، وأن وجود العامل الخارجي والصراع الإقليمي مع وجود الأطراف المحلية ذات المشاريع المختلفة يجعل من الصعب الوصول إلى تسوية تحقن دماء اليمنيين، وتحافظ على كيان الدولة اليمنية القانوني والسياسي. إلا أننا يجب أن نتفاءل مع أن التفاؤل، أحيانًا، لا يكون في محله».
وبعد
كلما اقترب اليمنيون من السلام بعيدًا عن تأثير المشاريع الخارجية كلما كانوا أقرب إلى تسوية كل خلافاتهم؛ بما فيها الإفراج الكلي عن أسرى الحرب؛ وهو الإفراج الذي يرتبط باتفاق سلام حقيقي، لكن ما دامت الحرب قائمة تبقى المناورة مستمرة بأوراق مختلفة، بما فيها جثث القتلى للأسف!