تركيا تختبر حدود قوة صانع حداثتها

محمود علوش
حجم الخط
0

اسطنبول ـ «القدس العربي»: يتوجه الأتراك الأحد 14 ايار/مايو إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس وبرلمان جديدين فيما يوصف بأنها أهم انتخابات تشهدها البلاد منذ تأسيس الجمهورية قبل قرن وأهم انتخابات تُجريها دولة في العالم هذا العام. في الواقع، لا يبدو هذا الوصف مبالغاً فيه. فعلى المستوى السياسي الداخلي، ستُحدّد نتائج الانتخابات مصير إرث عقدين من حكم الرئيس رجب طيب اردوغان أحد أقوى الزعماء الذين تعاقبوا على حكم تركيا في تاريخها الحديث. لم يكن اردوغان زعيماً عادياً. فهو إلى كونه استطاع الحفاظ على السلطة لفترة تجاوزت حتى فترة حكم مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، والتي بلغت 15 عاماً، أحدث تحوّلات كبيرة على تركيا. لقد أعاد الاعتبار للهوية السياسية والمجتمعية المحافظة التي ظلّت لعقود طويلة مقموعة من قبل الدولة العلمانية مع حفاظه على الهوية العلمانية وصنع مزيجاً بين الهويتين أدى إلى تشكيل تركيا الحديثة التي نعرفها اليوم. كما أحدث تحوّلات تدريجية كبيرة على النظام السياسي بدءاً من تغيير آلية انتخاب رئيس الجمهورية من قبل البرلمان إلى الاقتراع المباشر مروراً بإنهاء دور الجيش في الحياة السياسية، وصولاً إلى تغيير النظام البرلماني إلى رئاسي في عام2017.

تتهم المعارضة اردوغان بتحويل تركيا إلى دولة يحكمها رجل واحد وتقييد الحريات وتعد بإلغاء النظام الرئاسي والعودة إلى النظام البرلماني. قد يكون جزء من هذا الانتقاد صحيحاً لجهة أن النظام الرئاسي عزّز بالفعل من صلاحيات اردوغان في كافة نواحي الحياة من السياسة إلى الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية. لكنّ الرئيس رجب طيب اردوغان كان له مُبرر قوي في التحول إلى النظام الرئاسي. عانت البلاد لسنوات طويلة قبل حقبة حزب العدالة والتنمية من الحكومات الائتلافية غير المستقرة، ومن المفارقات أن كمال قليجدار أوغلو، الذي ينافس اردوغان على الرئاسة في هذه الانتخابات، قد يجد في نهاية المطاف أن اردوغان كان على حق في التحول إلى النظام الرئاسي لأنّ الحكومة التي ينوي تحالف عريض من أحزاب مختلفة في الأيديولوجيا السياسية، في حال فوزه في الانتخابات، قد لا تصمد طويلاً. مع ذلك، فإن جزءاً أساسياً من انتقاد المعارضة لاردوغان وطريقة إدارته للبلاد وسياستها الخارجية كان مدفوعاً بمحاولتها تقديم نفسها للغرب على وجه الخصوص على أنها ستعمل على إعادة ضبط الديمقراطية التركية في الداخل وإصلاح العلاقات مع الغرب. على أية حال، فإنه حتى لو فازت المعارضة في الانتخابات، فإن النظام الرئاسي سيظل قائماً في المستقبل المنظور لأن التحديات الداخلية والخارجية العديدة التي ستواجه المعارضة لن تترك لها هامشاً مناسباً للانخراط في عملية تغيير النظام السياسي من جديد.

القاعدة الانتخابية الصلبة

وعلى المستوى الاقتصادي، نقل اردوغان تركيا من دولة فقيرة ينهشها الفساد والبطالة إلى دولة أصبحت من بين أكبر عشرين اقتصاداً في العالم. وخلق طبقة متوسطة كبيرة أصبحت مع مرور السنوات القاعدة الانتخابية الصلبة التي مكّنته من الفوز بـ 15 استحقاقاً انتخابياً على التوالي بما في ذلك 12 انتخابات تشريعية ورئاسية ومحلية و3 استفتاءات شعبية. لكنّ التجربة الاقتصادية القوية بدأت بالتراجع في العقد الثاني من حكمه بفعل الاضطرابات السياسية والأمنية الداخلية التي عانتها البلاد وتدهور علاقاتها مع بعض القوى الإقليمية والدولية في بعض الفترات كروسيا والغرب ودول في الشرق الأوسط. ومن الإنصاف القول إن هذه العوامل كانت أكثر تأثيراً في تراجع التجربة الاقتصادية لاردوغان من الأداء الاقتصادي نفسه. أدّت الاضطرابات الجيوسياسية التي عصفت بمحيط تركيا الجنوبي بعد اندلاع الربيع العربي وانخراط أنقرة فيها إلى تضرر العلاقات الاقتصادية والتجارية لتركيا مع جيرانها الجنوبيين. كما تسببت محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة ضد اردوغان في عام 2016 في ضرب صورة الاقتصاد القوي المستقر. علاوة على ذلك، كان لتوتر علاقات تركيا مع الغرب بعد محاولة الانقلاب آثار سلبية كبيرة على الاقتصاد التركي. يُمكن القول إن الاضطرابات الاقتصادية ووصول التضخم في الآونة الأخيرة إلى مستويات قياسية لم تشهدها البلاد طيلة العشرين عاماً الماضية، ساعدت خصوم اردوغان على توسيع قاعدة الدعم الشعبي لهم واستقطاب الناخبين المتضررين من هذه الاضطرابات. ومع أن المعارضة تعد بسياسات اقتصادية مختلفة جذرياً عن سياسات اردوغان، إلآّ أنها ستواجه اختباراً صعباً في كيفية إدارة الاقتصاد فيما لو وصلت إلى السلطة.
وعلى مستوى الصراع التاريخي بين تركيا وحزب العمال الكردستاني المحظور، كان اردوغان الزعيم الوحيد الذي استطاع إبرام عملية سلام مع الحزب الكردي الانفصالي في عام 2013 لكنّها لم تصمد لأكثر من عامين. يرجع لاردوغان الفضل في دمج المكون الكردي في الحالة السياسية ومنحه حقوقاً ثقافية كان مُجرد التفكير فيها قبل حكمه ضرباً من الخيال. كان حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، الذي يدعم الآن خصم اردوغان، أول حزب سياسي كردي يتمكن من دخول البرلمان في تاريخ تركيا الحديث. مع ذلك، لم تُساعد الاضطرابات الجيوسياسية المحيطة بتركيا بعد مطلع العقد الماضي، اردوغان على مواصلة عملية إنهاء عقود طويلة من الصدام الكردي مع الدولة. أدى صعود المشروع الانفصالي لوحدات حماية الشعب الكردية السورية بعد سنوات قليلة من اندلاع الصراع في البلد المجاور إلى إعادة النزعة الانفصالية لحزب العمال الكردستاني في تركيا. مع أن جانباً أساسياً من تراجع شعبية اردوغان بين الأكراد يُرجع للنهج المتشدد الذي اتخذه ضد الحالة الكردية المسلحة بعد انهيار عملية السلام ولدخوله في تحالف مع حزب «الحركة القومية» الذي يتبنى نهجاً متشدداً تجاه النزعة الانفصالية الكردية، إلآّ أن هذا النهج كان في الواقع نتيجة لانقلاب حزب العمال الكردستاني على عملية السلام. يعد منافسة اردوغان في الانتخابات الرئاسية كمال قليجدار أوغلو بتبني نهج مختلف عنه في الحالة الكردية، ما ساعده في الحصول على دعم حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، لكنّ لا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأن أكراد تركيا سيحصلون في عهد قليجدار أوغلو المحتمل على أكثر مما حصلوا عليه في عهد اردوغان.

الإنتاج العسكري

وعلى المستوى الأمني والعسكري، شهدت تركيا في عهد اردوغان صعوداً كبيراً في قوتها. إلى جانب نجاحها في القضاء على الوجود العسكري لحزب العمال الكردستاني في المناطق ذات الغالبية الكردية في جنوب شرق البلاد، صعّدت من عملياتها العسكرية ضد التنظيم في شمالي العراق وسوريا. تتهم أنقرة وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا على أنها الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني. كما أضحت البلاد حالياً تُنتج ما يقرب من 80 في المئة من احتياجاتها العسكرية بنفسها، كما أصبحت من بين أكبر خمس دول مصدرة للأسلحة في العالم. وقد ذاع صيت منتجاتها من الأسلحة المهمة كطائرات بدون طيار المسلحة التي غيرت موازين صراعات في جنوب القوقاز وليبيا وجزئياً في سوريا. مع أن التدخلات العسكرية التركية في بعض الصراعات المحيطة بها بعد النصف الثاني من العقد الماضي كالتدخل العسكري في سوريا عام 2016 والدعم العسكري لحكومة الوفاق الوطني الليبية السابقة في طرابلس في عام 2019 والدعم العسكري لحليفتها أذربيجان في حرب قره باغ الثانية مع أرمينيا في عام 2020 جلبت الكثير من الأزمات الخارجية لتركيا، إلآّ أنها جعلتها لاعباً فاعلاً أساسياً في السياسات الإقليمية والدولية. فرضت أنقرة مصالحها في سوريا على روسيا والولايات المتحدة كما فرضت مصالحها على اللاعبين الإقليميين والدوليين في ليبيا، وتحوّلت إلى شريك للنفوذ مع موسكو في جنوب القوقاز. وفي عهد اردوغان، تنامى حضور تركيا في آسيا الوسطى وعززت روابطها مع الجمهوريات الناطقة بالتركية عبر تأسيس مجلس الدول الناطقة بالتركية. من غير المُرجح أن تتخلى المعارضة ببساطة عن هذه المكاسب الخارجية فيما لو وصلت إلى السلطة، لكنّ إدارتها لدور تركيا في هذه القضايا بالكفاءة التي فعلها اردوغان سيكون محل اختبار آخر.

الهوية
الجيوسياسية لتركيا

في السياسات الخارجية، كانت التحولات الكبيرة التي أحدثها اردوغان على الهوية الجيوسياسية لتركيا الأكثر بروزاً في إرثه. لقد قلّص إلى حد كبير من اعتماد أنقرة على الغرب في تأمين مصالح تركيا الخارجية وأقام علاقات وثيقة مع روسيا بعد النصف الثاني من العقد الماضي. كما استطاع الحد من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على بلاده من خلال الحياد الإيجابي ولعب دور الوساطة بين موسكو وكييف. كما غيّر من ديناميكية الأزمة القبرصية من خلال دعم تعزيز جمهورية شمال قبرص التركية المُعترف بها من جانب أنقرة فقط، ورفع سقف التفاوض مع الأوروبيين عبر تبني حل الدولتين لتسوية القضية القبرصية. كان من شأن هذه التحولات أن تجعل اردوغان زعيماً تركيا مزعجاً للغرب ولا يُمكن التنبؤ بتصرفاته. مع أن خصومه يعدون بإعادة تشكيل الهوية الجيوسياسية لتركيا وإصلاح الأضرار في العلاقات مع الغرب وتصويت مسار العلاقة مع روسيا، إلآّ أن هناك القليل ما يُمكن أن تفعله المعارضة التركية بهذا الخصوص فيما لو وصلت إلى السلطة. قد يؤدي فوز محتمل للمعارضة إلى تهدئة التوترات مع الغرب بالفعل، لكنّه لن يعمل بأي حال على إيجاد تسوية للخلافات الكبيرة بين أنقرة والغرب إن على صعيد القضية القبرصية أو على صعيد المفاوضات المجمدة لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. كما أن الرهان الغربي على أن تُدير تركيا ظهرها لروسيا بالكامل في حال فوز المعارضة، قد لا يكون صائباً تماماً.
أخيراً، لم يكن اختبار اردوغان لـ 14 ايار/مايو لإجراء الانتخابات بشكل مبكر عن موعدها الأصلي، الذي كان مُقرراً في الثامن عشر من حزيران/يونيو صدفة. فهو يصادف الذكرى السنوية الثالثة والسبعين لفقدان المؤسسة السياسية التي حكمت تركيا بعد إلغاء السلطنة العثمانية، عبر أول انتخابات حرة جرت في البلاد حتى ذلك الحين، وأدت إلى إنهاء حقبة الحزب الواحد الذي أسسه الراحل مصطفى كمال أتاتورك ويتزعمه الآن كمال قليجدار أوغلو. بينما يأمل اردوغان أن تُساعده رمزية الذكرى في هزيمة حزب الشعب الجمهوري كما فعل زعيم الحزب الديمقراطي المعارض الراحل عدنان مندريس قبل سبعين عاماً، تحلم المعارضة انتصاراً على اردوغان على طراز ما جرى في عام 1950. قد لا تُحسم نتائج الانتخابات الرئاسية في الرابع عشر من ايار/مايو وقد تُضطر البلاد إلى خوض جولة إعادة بعد أسبوعين، لكنّ نتائج الانتخابات البرلمانية سترسم نصف الصورة عن مستقبل بلد لا يُمكن تخيل كيف سيكون بدون الرئيس رجب طيب اردوغان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية