تساؤلات جريئة في الجدل حول نصوص التوراة

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
4

 

في مقالي نصف الشهري في صحيفة “القدس العربي” (الأسبوعي) بتاريخ 28/4 تطرقتُ إلى بعض التساؤلات عن موقف العالم من اليهود منذ أيام نبوخذ نصّر الثاني (605 ـ 562 ق.م) ملك بابل الذي هاجم مملكة يهودا ودمّر الهيكل، وأخذ عدداً كبيراً من اليهود سبايا، وحصرهم في بابل، وكان ذلك هو “السبي البابلي” الأول في التاريخ. كانت تلك التساؤلات محظورة، في العلَن، لأسباب عديدة. ولكن يبقى السؤال الدائم، في العلَن وفي المجالس الخاصة: لماذا كان اليهود، على امتداد التاريخ، هدفاً للكراهية والاجتناب، بل الاضطهاد، منذ ستة قرون قبل الميلاد، وامتداداً عبر القرون في شتى بقاع الأرض، وصولاً إلى أيام هتلر، وامتداداً إلى صفوف حزب سياسي كبير في بلد أوروبي، متحضر، معاصر؟

يخبرنا التاريخ أن اليهود كانوا مكروهين منذ أيام الفراعنة في مصر، في حدود عام 1300 ق.م.، حيث اضطهدهم الفراعنة وجعلوهم عبيداً، يقومون بأعمال السخرة. ويروى أن بيغن كان في زيارة لمصر، في عهد السادات، فأخذوه لزيارة الأهرام. فقال لا داعي لزيارتها لأن من أقامها بالسخرة هم أجدادي بنو إسرائيل، عبيد الفراعنة.

وكان من اضطهاد اليهود تحت حكم الفراعنة أن قام نبيُّهم موسى بإخراجهم من مصر فأقاموا في صحراء سيناء أربعين عاماً، على أمل وصول أرض يحلمون بها. وتذكر التوراة، في سِفر الخروج، أن الله ظهر لموسى النبي، على جبل الطور في سيناء، فوعده أن يعطي قومه كل الأرض من شرق البحر إلى نهر الفرات، لتكون أرض ميعاد يقيمون فيها وطناً لهم. ولا يُعرف الكثير، بصورة دقيقة، عما حدث لليهود خلال تلك الأربعين سنة من الشتات في سيناء، وبين وصول بني إسرائيل إلى أرض الميعاد. عدد كبير من القرون مرَّت بين خروج موسى وأتباعه في حدود عام 1300 ق.م. وبين قيام مملكة يهودا وتدميرها على يد نبوخذ نصّر الثاني عام 588 ق.م. لكن التاريخ يخبرنا أن أحبار اليهود الذين قذفهم السبي إلى بابل عام 516 ق.م. قد بدأوا بتدوين “كلام الله” الموجّه إلى موسى على جبل الطور (وكلمة طور بالآرامية والعبرية تعني الصخرة، وكذلك بالسريانية وأخواتها) والسؤال الكبير هنا هو: هل كان أحبار يهود السبي يحفظون كلام الله لموسى منذ أربعين سنة الخروج، أم أنه “توليفات” من أدب بلاد الرافدين، واختلاقات من عندهم، لأن التدقيق الذكي المنصف لا يجد في كلام التوراة وأسلوبه ما يرقى إلى كلام الله وأسلوبه، جل وعلا!

بقيت هذه التوراة “مقدّسة” لدى أتباع الديانة اليهودية عبر العصور. ولم يكن بالإمكان التشكيك في أصالة لغتها وأسلوبها، وإلا كان نصيب المتسائل الرمي بالمروق الخروج عن شريعة الله. ولكن كان دوماً ذلك الأمل “أن يقوم إمامٌ/ناطق في الكتيبة الخرساء” على رأي المعرّي.

وقد قام مثل هذا الإمام في رسالة بعثت بها إليّ زميلة فاضلة، فوجدتُ أصل تلك الرسالة على الإنترنت، وتُنسَب إلى أستاذ تربية متمرس من جامعة فرجينيا الأمريكية، اسمه جيمس م.كاوفمن، يهودي ـ أمريكي، يعلّق فيها على حديث على إذاعة أمريكية، ليهوديّة أمريكية متشددة اسمها الدكتورة لورا شليزنغر، تتوسع في حديثها عن كلام التوراة بوصفه غير قابل للمساءلة أو الاعتذار عنه. عنوان مقالة الرد: الأرجاس، أو المحرمات التي تستوجب قتل فاعليها. تبدأ الدكتورة لورا بمقتطف من سِفر اللاويين من التوراة (18 ـ 22) يقول الرب فيه: “ولا تضاجع ذكراً مضاجعة امرأة. إنه رِجس”… تقطع الأنفس التي تعمله! يجيب كاوفمن بأسلوب بالغ السخرية وخفة الدم، طالباً من لورا أن تنير له الطريق نحو فهم “أرجاس” كثيرة تذكرها التوراة. أولها من اللاويين 25 ـ 44. يقول الرب “وأمّا عبيدُك وإماؤك الذين يكونون لك فمن الشعوب الذين حولكم”. يقول كاوفمن إن صديقاً له يقول إن هذا ينطبق على المكسيكيين وليس على الكنديين، فلماذا لا أستطيع أنا أن استعبد كندياً؟ يتساءل كاوفمن ثم يسأل: أريد أن أبيع ابنتي أمَةً حسب سِفر الخروج 21 ـ 7 “وإذا باع رجلٌ ابنته أمَةً لا تخرج كما يخرج العبيد” يا ترى بأسعار هذه الأيام ما هو الثمن الذي يجب أن أطلبه؟ ويتحدث سِفر اللاويين طويلا عن مضاجعة المرأة أثناء فترة العادة الشهرية (لاويين 15: 19 ـ 24) إذ يكون الإثنان نجسَين. يسأل كاوفمن كيف لي أن أعرف؟ أغلب النساء يشعرن بالحرج. ويسأل كاوفمن إذا قُمت بحرق ثور عند الهيكل قُرباناً للرب، حسب (اللاويين 9) ليكون “وقودَ رائحة سرور للرب” فالمشكلة أن الجيران لا يجدون تلك الرائحة مبعث سرور. هل أنزِل فيهم ضرباً؟ ثم يسأل: لي جار يصر على العمل يوم السبت. حسب سِفر الخروج 35 ـ 2 “يوم السبت عطلة مقدسٌ للرب. كل من يعمل عملاً فيه يُقتل”. فهل أنا مسؤول أخلاقياً أن أقوم بقتله، أم يجب أن استدعي الشرطة للقيام بقتله؟ ثم يسأل: يقول الرب في (اللاويين 11 ـ10) “كل ما ليس له زعانف وحرش في المياه فهو مكروه لكم”. يرى صاحب لي أن أكل هذا النوع من الأسماك أقل تحريماً من المثلية الجنسية. أنا لا أوافق. هل بوسعِكِ يا دكتورة لورا أن تسوي هذه المشكلة؟ هل توجد “درجات” في “التحريم”؟ ويسأل كذلك: ينص (اللاويين 21 ـ 20) على عدم جواز الاقتراب من مذبح الله إذا كان في المرء عيب خَلقي، كالعمى والعرَج والرضّ… ويتساءل: بصراحة، أنا استعمل نظارة للقراءة فهل يجب أن يكون بصري 20/20 لكي أقترب من مذبح الرب، أم هناك مجال للمناورة؟ ثم يقول: كثير من أصحابي يقصون شعر الرأس، بما في ذلك الشعر حوالي الصدغين، ولو أن ذلك ممنوع منعاً باتاً حسب (اللاويين 19 ـ 27)، فعلى أية شاكلة يجب أن يكون موتهم؟ أفهم من (اللاويين 11: 6 ـ 8) أن لمس جلد خنزير ميت يجعلني غير نظيف. ولكن هل أستطيع مع ذلك أن ألعب كرة القدم إذا كنت أرتدي القفازات؟ ويضيف: لي عم يمتلك حقلاً، يخالف فيه (اللاويين 19:19) فيزرع فيه نوعين من الحبوب. وزوجته تعمل نفس المخالفة بارتداء ملابس من نوعين مختلفين من الخيوط (مزيج من القطن والبوليستر). وهو علاوة على ذلك يميل كثيراً إلى الشتائم البذيئة والتجديف، فهل من الضروري أن نجمع أهل المدينة كلهم لرجم هؤلاء الآبقين، كما يريد الرب في (اللاويين 20 ـ 14)؟ أم نكتفي بحفلة منزلية للرجم؟

ويختم كاوفمن تساؤلاته الجريئة بكيل “المديح” للدكتورة لورا بقوله: “أنا أعرف أنكِ قد درستِ هذه الأمور بتعمّق، ولذا فإنك تتمتعين بخبرة كبيرة في هذه الأمور، لذا فأنا واثق بأنك تستطيعين المساعدة، أكرر شكري لتذكيرنا أن كلمة الله أزلية لا تتبدل.

من المعجَب، جيمس م. كاوفمن، دكتوراه في التربية، أستاذ متمرّس من جامعة فرجينيا (من الخسارة العظمى عدم قدرتي على استعباد كندي)”.

وهذه الخاتمة تعيدنا إلى المقدمة التي لا تقلّ عنها سخرية واستخفافاً: عزيزتي الدكتورة لورا: شكراً لجهودك في تعليم الناس بما يخص قانون الله. لقد تعلّمتُ الكثير مما تقدمين على مناهج الإذاعة، وسأحاول نشر ما تعلّمتُ منكِ بين أكبر عدد ممكن من الناس. فعندما يحاول أحدهم أن يدافع عن أسلوب المثلية في الحياة، فسأذكّره بما ينص عليه كلام الرب في (اللاويين 8 1ـ 22) من أن ذلك رجس مقيت… انتهت المناقشة.

كنتُ أحسب أن الجدل حول نصوص التوراة كما وردت في العهد القديم غير مفتوح للناس، ولو كانوا أذكياء وعلى درجة عالية من التعليم، حتى وجدتُ كلام كاوفمن في العَلَن، وليس في السرّ، كما وجدتُ في المجالس الخاصة في أمريكا، فيا تُرى كم أغربُ من هذا موجود في نسخ التوراة الأصلية التي سرقها من المتحف العراقي عملاء الصهاينة أثناء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية