ربما لم يمر يوم على نادي تشلسي الانكليزي منذ نزع ملكية الروسي رومان أبراموفيتش منه، وبيعها الى مجموعة من المستثمرين الأمريكان بقيادة تود بويلي في نهاية الموسم الماضي، والامور تسير فيه على ما يرام، أو كما تسير عند كل بقية الأندية الكروية.
فمنذ اليوم الأول لتملك مجموعة «كليرليك كابيتال» الاستثمارية ومعها رجل الأعمال بويلي وعدد من المستثمرين، بدفع 2.5 مليار جنيه استرليني لشراء النادي مع وعد باستثمار 1.75 مليار أخرى خلال 10 سنوات على الفريق والبنى التحتية في النادي، وكل القرارات والخطوات بدت غريبة وغير متوقعة، فبعد منح المدرب الالماني توماس توخيل، الذي جلب الى النادي أبرز انجاز بالفوز بدوري أبطال اوروبا 2021، نحو 300 مليون جنيه استرليني لصرفها على ضم نجوم جدد، في ظل غياب هيكلية ادارية، بينها لجنة تعاقدات وكشافو لاعبين ومسؤولو مفاوضات ومدير كروي ورئيس تنفيذي، حيث قام بويلي وزميله بيهداد اقبالي، بغالبية هذه الادوار، لكن بعد أيام من اغلاق سوق الانتقالات الصيفية والتي شهدت ضك توخيل لثمانية لاعبين، قرر بويلي طرد المدرب الألماني بسبب عدم تواءم الطرفين وتقاربهما اجتماعيا بسبب اختلاف الثقافات، فالعقلية الامريكية في ادارة الامور تتطلب ان يكون المدير على تواصل دائم مع المالك، وان تكون هناك جلسات اجتماعية وترفيهية تجمعهما، وهو عكس ما تعود عليه المدرب الألماني، بل كان خارج سياق بيئته وراحته، فهو يعرف واجباته كمدرب ولكن ليس من بينها العلاقات الاجتماعية مع المالك.
لكن بدون دراسة وتأن، على غرار انفاق 300 مليون على صفقات غير مدروسة بعناية ومن مختصين في الانتقالات الصيفية، قرر بويلي الاستعانة بمدرب برايتون غراهام بوتر، الذي لا شك في أنه حقق نجاحات باهرة مع فريق وسطي، لكن بالعمل تحت أجواء هادئة وبدون ضغوطات ولا التعامل مع نجوم من عيار ثقيل ولا العمل تحت تركيز اعلامي متواصل وضغط من الجماهير، ومع ذلك قررت الادارة الأمريكية ان بوتر هو الرجل المناسب للمرحلة المقبلة، ومنحته أيضا 300 مليون لانفاقها في سوق الانتقالات الشتوية، فضم 8 لاعبين آخرين، في سوق انتقالات غير مسبوقة للنادي اللندني ولا الكرة العالمية.
بوتر تلقائياً دفع الثمن باقالته الاسبوع الماضي، لكنه في الواقع ضحية من ضحايا الادارة الأمريكية الكارثية، فهو رزح تحت ضغط الجماهير المتواصل، والمطالبة بتحقيق نتائج ايجابية فورية، رغم ان كل الأجواء والظروف كانت مستحيلة تحقيق النجاح فيها، حتى لو كانت بادارة مدرب مخضرم من العيار الثقيل، فضم هذا العدد من اللاعبين، الذي بلغ 16 لاعباً في موسم واحد، كان صعياً عليهم ايجاد التأقلم والاستقرار السريع على الحياة في العاصمة البريطانية، خصوصا ان غالبيتهم جاؤوا من بلدان ودوريات مختلفة حول العالم، حتى ان بوتر نفسه اشتكى من عدم قدرته على تدريب هذا الكم من اللاعبين في حصص التدريب، وهو بالتأكيد غير متعود على ذلك.
هذا الانفاق غير المسؤول، وضع أيضاً النادي في مواجهة نارية مع رابطة الدوري الممتاز ومع الاتحاد الاوروبي لكرة القدم (يويفا) في مساءلة على كسر قوانين العدل المالي، ما قد يقود الى عقوبات أقلها غرامات مالية، او امكانية خصم نقاط وربما حرمان من المشاركة في مسابقة أوروبية، وهو أبعد ما يكون حالياً عن النادي في مركزه الوسطي الذي سيحرمه من التأهل الى أي مسابقة أوروبية من الثلاث المتاحة.
تعيين اسطورة النادي، ومدربه السابق، فرانك لامبارد، مدرباً حتى نهاية الموسم، جاء ربما لتخفيف حدة الانتقادات التي نالت من بويلي واقبالي، والتي اعتبرتهما جاهلين بكرة القدم الأوروبية، في ظل تخبط القرارات التي قادت الى أسوأ مركز للنادي منذ سنوات، لكن مع ذلك يتفهم البعض ان هذه الادارة الجديدة جاءت على ناد منزوع من كل مقوماته وهيكليته التنظيمية والتوظيفية، فكل شيء جديد من أعلى الهرم الى أسفله، ولهذا بدا تعيين لامبارد منطقياً كونه من ابناء النادي وعلى دراية بكثير من شؤوونه، وربما هو أفضل من سيعد الفريق للمنافسة على الأمل الاخير له هذا الموسم، عندما يواجه ريال مدريد في ربع نهائي دوري أبطال اوروبا ليلة الأربعاء المقبل.
نموذج الادارات الأمريكية في الكرة الانكليزية، لا يعكس نجاحات ملموسة او فورية، فحالياً نصف أندية البريميرليغ مملوكة بالكامل او بشكل جزئي لمستثمرين أمريكان، ونستطيع القول ان قلة منها حققت نجاحات مقبولة، فعائلة غليزر حلبت، وما زالت، نادي مانشستر يونايتد، ومجموعة «فينواي غروب» تعاني مع ليفربول، الذي حرقت أصابعه في السابق من ملكية الأمريكيين جيليت وهيكس، فيما انتظر عشاق أرسنال 14 سنة من ملكية عائلة كرونكي لترى بعض النجاحات، فيما عانت أندية كبيرة في السابق من ملكية هؤلاء المستثمرين، على غرار استون فيلا مع راندي ليرنر، وسندرلاند مع ايليس شورت، وتذوقت مرارة الهبوط. المال والانفاق لا يبدو مشكلة حالياً لدى ملاك تشلسي، لكن عندما لا يرون مردودا ملموساً على استثماراتهم الضخمة في المستقبل القريب، حينها سيكون الوقت المناسب لاسترجاع بعض من هذه القرارات الكارثية.
@khaldounElcheik