الإعلام في تونس في مفترق طريق ومصير غامض لمؤسساته: تضييق على الحريات وتهديدات بالغلق

روعة قاسم
حجم الخط
1

تونس ـ «القدس العربي»: يعيش قطاع الإعلام في تونس وضعا كارثيا غير مسبوق في تاريخ البلاد فيما يتعلق بالجانب المالي وقدرة المؤسسات الإعلامية على الصمود والاستمرار من عدمه، وذلك بعد أن رفعت الدولة يدها تماما عن هذا القطاع ولا يبدو أنه بات يعنيها من الأساس رغم أنها المتسببة طيلة العشرية الماضية في إفلاس عديد المؤسسات الإعلامية المصادرة بسبب الفساد من جهة وسوء التسيير من جهة أخرى، ولا مبالاة حقيقية بادية على سلوك المنظومة الجديدة في تعاملها مع الصيحات المطلبية لأغلب القطاعات ولا تعرف أسبابها ولا يمكن إيجاد أي تفسير لها.

فهل هناك رغبة ممنهجة في التخلص من الإعلام وتهميشه والاكتفاء بدعم الموالين دون سواهم، أم ان الأمر يتعلق بانعدام الخبرة وعدم دراية بأهمية الإعلام وبالضرورة الملحة لإنقاذه من هذا الوضع المزري؟ فالثابت أن المنظومة الجديدة غير مدركة لخطورة ما يحصل لو تم القضاء على هذا التعدد في المشهد الإعلامي التونسي غير المتوفر في المنطقة وإلا لكانت تحركت واستمعت لمطالب أهل القطاع.

سياسة اللا إعلام

تتطرق عضو نقابة الصحافيين التونسيين ريم سوودي في حديثها لـ«القدس العربي» إلى الوضع العام للإعلام في تونس موضحة بالقول: «تواجه المؤسسات الإعلامية باختلاف أشكالها سواء الخاصة والحكومية، أو المصادرة منها على غرار إذاعة (شمس أف أم) و(دار الصباح) و(كاكتيس برود) إشكاليات كبيرة فيما يتعلق بالجانب المالي والتمويلي. في نفس الوقت تواجه مؤسسة (لابراس) وهي مؤسسة عمومية، المصير نفسه. ولا نستثني أيضا من الإشكالات المادية وغياب دعم الدولة مؤسستي الإذاعة والتلفزة التونسية. فجميعها تواجه إشكاليات مالية تؤثر بطريقة مباشرة على أجور العاملين بها فيما يتعلق بالمؤسسات المصادرة وبالتجهيزات ووسائل الإنتاج بالنسبة للمؤسسات العمومية. فبالتالي هذا الإشكال المادي الذي تواجهه المؤسسات المصادرة يؤثر بطريقة مباشرة على الإنتاج وجودته. وفي نفس الوقت يواجه جزء كبير من مؤسسات الإعلام الخاص وبدرحة خاصة المكتوب إشكاليات كبيرة فيما يتعلق بالتسيير والمالية أمام ارتفاع أسعار الورق، وما يزيد الوضع حدة هو تراجع قيمة الإشهار العمومي بصفة كبيرة خاصة بعد سنتي كورونا. وهي أزمات تواجه المؤسسات الإعلامية المكتوبة منذ أكثر من عشر سنوات وتعمقت وزادت حدتها في السنوات الأخيرة».
وتضيف: «الإشكاليات المالية التي تمرّ بها مختلف وسائل الإعلام السمعية والبصرية والمكتوبة اليوم وكأنها تتنزل في سياق التصريح الذي قدمه رئيس الجمهورية فيما يتعلق بالإعلام وسياسة رفع اليد عنه. فالصعوبات أصلا مترتبة عن غياب سياسة اللا إعلام، فالدولة اليوم ترفض وضع سياسة عمومية للإعلام توضح من خلالها ماذا تريد منه وكيف يتم تمويله وكيفية دعمه حتى يصبح إعلاما ذي جودة ونحصنه من رأس المال. وكله مسار ترفض الدولة إلى غاية الآن الدخول فيه والالتزام به». وتتابع بالقول: «انطلقت النقابة الوطنية للصحافيين منذ أكثر من ثلاث سنوات أي منذ المكتب السابق ومع المكتب الراهن، في مفاوضات مع الدولة حول وضع الإعلام، ولكن أمام تغيب وغياب أو تعمّد الحكومة الحضور في مختلف الجلسات والمؤتمرات التي نظمتها النقابة الوطنية للصحافيين وعديد الشركاء على غرار هيئة الاتصال السمعي البصري ونقابات الصحف ونقابة الجامعة وجامعة رؤساء المؤسسات، جميعها شاركت وقدمت آرائها فيما يتعلق بالسياسات العمومية للإعلام ولكن الدولة في كل مرة ترفض الحضور أو تتعمد ترك مكانها شاغرا. بالتالي قيس سعيد اليوم كرئيس جمهورية يعبّر عن موقف تتخذه حكومته منذ فترة وهو رفع اليد عن الإعلام أو رفض الإعلام. مع العلم ان سياسة قيس سعيد في حد ذاتها منذ البداية كانت عدائية مع وسائل الإعلام والصحافة مع حكومة مغلقة أمام الإعلام والصحافيين. وبالتالي في خطابه أو موقفه لم يخرج عن السياق العام الذي أخذته حكومته واتخذه هو منذ توليه رئاسة الجمهورية».
أما بالنسبة لإنقاذ المؤسسات الإعلامية أو الوضع العام للإعلام تجيب سوودي بالقول: «من وجهة نظري كصحافية وكعضو نقابة وطنية للصحافيين يبدو ان الأمر متروك بيد أبناء القطاع، فالحل الوحيد اليوم هو التضامن القطاعي والبحث المشترك عن حلول يشترك بها كل الهياكل المهنية باختلاف انتماءاتها وتشكلاتها. لان سفينة قطاع الإعلام ان غرقت فستغرق بالجميع، خاصة أننا اليوم نواجه سياسة اتصالية وحكومية رافضة للإعلام تسعى إلى تفكيكها وتفتيت هذه المؤسسات وخير دليل على ذلك ما وقع لـ(كاكتوس برود) التي نجد أنها أصبحت مؤسسة مغلقة، وصحافيوها لم يتحصوا على أجورهم منذ 12 شهرا» وتضيف: اليوم تواجه أيضا «شمس أف أم» مصيرا غامضا فهناك متخلدات بذمة الحكومة باعتبارها المسيّرة الأولى لمؤسسة مصادرة ومنذ شهرين لم يحصل صحافيوها على رواتبهم ويواجهون إشكاليات فيما يتعلق بالتغطية الاجتماعية والصحية. «دار الصباح» أيضا تواجه اليوم صعوبات مالية فهناك تعثر في سداد مستحقات العاملين بها وهي تواجه إشكاليات فيما يعلق بالتغطية الصحية والاجتماعية والعاملين في هذه المؤسسات. وتضيف: «إذن أغلب المؤسسات الصحافة المكتوبة والإلكترونية تواجه مصيرا مجهولا وهناك استقالة تامة من قبل الحكومة فيما يتعلق بقطاع الإعلام وهي تسعى لاضعافه أكثر عبر عدم دعمه له وتتسبب في اضمحلاله شيئا فشيئا».
وتؤكد سوودي انه بالرغم من كل هذه التحديات الكبرى إلا ان القطاع بصدد المقاومة والمكسب من ثورة 14 كانون الثاني/يناير كان حرية الصحافة وحرية التعبير وهو مكسب لن يتم التنازل عنه حسب سوودي وتضيف: «سنواصل كنقابة وطنية للصحافيين الدفاع عن مهنتنا وعن قطاعنا الذي دونه لن تتمكن تونس من ان تكون ديمقراطية، فالإعلام هو البوصلة الأولى لنظام ديمقراطي متعدد يدافع عن الاختلاف والتنوع».

سياسة ممنهجة

الصحافية الاستقصائية نجوى الهمامي أكدت لـ«القدس العربي» أن قطاع الإعلام يمرّ بأزمات هي الأخطر حاليا، أزمة حريات وأزمة بطون خاوية، تجويع وتركيع وإغلاق للمؤسسات وتشريعات تهدد جوهر حرية التعبير وحق النفاذ إلى المعلومة. وتضيف بالقول: «ما يحصل اليوم يعتبر سياسة ممنهجة أتت على مراحل منذ سنوات وكل حكومة تُنصبّ تزيد من تضييق الحريات، واليوم هو الأسوأ على الإطلاق لأن الحياة الاجتماعية للصحافيين أصبحت مزرية، غياب للتغطية الاجتماعية وعدم حصول على المستحقات وتجميد للصحافيين صلب مؤسساتهم وهرسلة واعتداءات ممنهجة وخطاب سياسي من أعلى هرم في السلطة يشجع على الاعتداء على الصحافيين وعلى التضييق على عملهم، فوجود المرسوم 54 مثلا يمثل اعتداء صارخا على جوهر حرية التعبير في تونس وهو يشرعن لخلق جيل من الصحافيين يرتعب من قول الحقيقة ومن نقد السلطة». وأضافت: «في اعتقادي لا وجود لصحافة في ظل وجود القمع الممنهج، وتركيع المؤسسات العمومية كي تصبح مؤسسات حكومية هو في حد ذاته مسمار دقّ في نعش الصحافة التونسية، ناهيك عن تهديد الصحافيين بمرسوم السجن 54 وتجويعهم وتفقيرهم، فالبطون الجائعة لا تنجب أفكارا».
وقالت: اليوم نحن إزاء مرحلة مفصلية في تاريخ الإعلام التونسي وان لم نجد حلا نحن أبناء وبنات هذا القطاع لن يبقى من المؤسسات غير الراكعة الممجدة.
وأضافت ان ما يحصل اليوم يحتاج لتدويل القضية والاحتجاج والتضامن القطاعي كي يفهم الجميع حقيقة ما يحصل دون تأويل وتهويل واستعطاف للمواطن والسلطة.

سياسة حكومية ضبابية

الصحافية منية العرفاوي في جريدة «الصباح» اليومية تعرضت في الفترة الأخيرة إلى هرسلة ومضايقات وتم احالتها للاستماع على خليفة نشرها للتحقيق صحافي يتعلق بملف الفساد في أحد الوزارات. وتقول لـ«القدس العربي» إن الإعلام في تونس يعيش لحظة فارقة على مستوى مصير المؤسسات الإعلامية في تونس. وتوضح بالقول «اليوم هناك اعتداء واضح وصريح خاصة على مؤسسات الإعلام المصادر التي تُركت لمواجهة مصيرها طوال العشر سنوات الماضية. وحتى الاتفاق الأخير الذي عقدته نقابة الصحافيين إثر وقفة احتجاجية في القصبة مع الحكومة ممثلة في وزير الشؤون الاجتماعية حول ضرورة ان يتم استخلاص الأجور في مواعيدها وقع نقضه، وهناك اليوم مؤسسة إعلامية مثل (شمس أف أم) لم يتلق العاملون فيها أجورهم منذ شهرين وكذلك مؤسسة (دار الصباح) تواجه مشاكل مالية كبيرة ومهددة بنفس مصير (شمس أف أم). في المقابل نجد أن هذه الحكومة تبين وجهة نظرها في علاقة بهذا الإعلام العمومي والمصادر والذي هو ليس بإعلام خاص وليس بإعلام عمومي، إذ تمت مصادرته باسم الشعب التونسي على أساس أن يتم تأهيله أو إدماجه في بعض المؤسسات العمومية وهذا لم يحصل، واكتفت الدولة بإدماج إذاعة (الزيتونة) لأن هناك اتفاقا سابقا لكن أبقت على المسار الغامض بالنسبة لإذاعة (شمس أف أم) و(دار الصباح)».
أما بالنسبة لمستقبل الإعلام تضيف العرفاوي: «حقيقة هناك ما يُخشى منه بوجود المرسوم 54 الذي يحد كثيرا من حرية الإعلام. وهو مرسوم صادر في أيلول/سبتمبر الماضي من طرف رئيس الجمهورية ويمثل تهديدا مباشرا لحرية الإعلام والنشر. اليوم هناك محاكمات رأي أمام القضاء التونسي تتم على خلفية موقف أو تدوينة أو تعبير أو نقد لأي طرف في الحكم أو في السلطة، وهناك توعد صريح من رئيس الجمهورية بالقول إن التطاول على رئيس الدولة لا يعتبر حرية تعبير. وبالتالي اليوم الإعلام التونسي في مفترق طريق حاد ويفترض ان توضح السلطة موقفها منه».

وضع غامض

من جهتها تعتبر الصحافية خولة السليتي في إذاعة «شمس أف أم» أن وضعية المؤسسات المصادرة ضبابية وخطيرة. وتضيف بالقول: أكيد أن المؤسسات الإعلامية المصادرة ومنها (شمس أف أم) عاشت جملة من الصعوبات ولكن هذه الأزمة التي تمر بها اليوم تعد من أكثر الأزمات صعوبة. وصلنا إلى مرحلة يمكن أن نقول فيها إن الإذاعة تحتضر فالمؤسف أن (شمس أف أم) المصادرة التي تمتلك بها الدولة 90 في المئة من الأسهم لا تتحرك بل تقف متفرجة». وتضيف: «الوضعية لا تتحمل التريث فاليوم الإذاعة تبث على مستوى جهوي في العاصمة فقط وتم قطع البث عنها في مختلف ولايات الجمهورية، وسط غياب مخطط واضح لانقاذ المؤسسة التي تعيش صعوبات كبيرة من قبل الدولة».
واعتبرت أن هذه الوضعية تؤدي إلى أن يتم التقييد على الحريات لأنه عندما يتم قطع البث عن كل ولايات الجمهورية فهذا يعني أن هناك حدا لإيصال صوت الإذاعة وصوت الناس في مختلف مناطق الجمهورية وهذا يحدّ من حرية الإعلام. وقالت إنه يتم اليوم انتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للصحافيين والعاملين بالإذاعة ويتم المسّ من كرامتهم وتجويعهم وهذا في حد ذاته يعكس التقييد على الحريات لأنه لا حرية للإعلام في ظل ضبابية المشهد الإعلامي.
أما عن طرق المواجهة وإسناد قطاع الإعلام المهدد تجيب: «ما ضاع حق وراءه مطالب وانطلاقا من ذلك بدأنا بتحرك (شمس تعيش) وهي حملة إعلامية اتصالية وظفنا خلالها صوت الإذاعة لتوعية الرأي العام التونسي بالوضعية الكارثية التي وصلت إليها الإذاعة بسبب 12 سنة من الحوكمة الفاشلة وسوء التصرف». وقالت: «من حقنا أن نعرف مصيرنا ومستحقاتنا ونحن سنواصل التحركات وسائرون نحو تنظيم اعتصام مفتوح في القصبة واضراب جوع والتوجه لرئاسة الجمهورية لأن الحريات في خطر ولن نسكت».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية