تطور مثير في نشرة الأخبار في الفضائية المصرية: حماها الله!

حجم الخط
12

وتأبى أم الدنيا، إلا أن تمد البشرية بكل جديد، فقد أحدثت نقلة نوعية وتطوراً مهماً في شكل ومضمون «نشرة الأخبار» على النحو الذي يؤهلها لإعطاء العالم دروساً في الإعلام، ويجعلها تتفوق على الآخرين بالضربة القاضية، فقناة «الجزيرة» نفسها لم تتوصل لهذا التطور المهم واللافت، وأظنها لن تتخلف كثيراً عن الركب، الذي يصنعه العسكر في مجال الإعلام!
فنشرة الأخبار في الفضائية المصرية، لم تتعال كما تتعالى القنوات الإخبارية على خبر مهم، مَثَل الاهتمام به فتحاً في مجال الإعلام الحديث، حيث تمثل في وصف امرأة بأنها سيئة السمعة، وأن عمرها قد تخطى الأربعين، وفي خبر في نشرة الأخبار، تلته المذيعة بجدية كاملة، وبلسان عربي مبين، وكانت فرصة طيبة، لنقف على هذا الصوت الإذاعي الوقور، فللمرة الأولى التي أشاهد هذه المذيعة، ربما لأنني لست من رواد الفضائية المصرية، منذ أن تولت أمرها درية شرف الدين، فزادتها فشلاً على فشلها.
أعترف ابتداء أن صوت مذيعة نشرة الأخبار في الفضائية المصرية جيد، ولولا أنها طرحت شعرها على جانب من وجهها، وكأنها مذيعة في فقرة منوعات، لقلت وأنها في «الهيئة» مذيعة نشرة، لكن ربما كانت الحداثة التي توصل إليها خبراء التطوير في الإعلام المصري في العهد الجديد، وبما يتماشى مع تطوير مضمون نشرة الأخبار، فلحق الشكل بالمضمون، فقارئة نشرة الأخبار التي تتعرض لامرأة وتقول إنها تجاوزت الأربعين، وتقرأ بياناً يصفها بسوء السمعة، لا بد أن تكون هكذا!
«أصل الحكاية» أن واحدة تنتمي لدوائر السلطة في مصر، بحكم كونها من مؤسسي حركة تمرد؛ وهي نفسها الحركة التي جمعت التوقيعات من الشعب للمطالبة بعزل الرئيس محمد مرسي، وتدعى «دعاء خليفة» قد خرجت في ثلاث فيديوهات، فضحت فيها نظام الحكم، وكانت البداية بطلبها من عبد الفتاح السيسي، التدخل والأمر بعلاجها، فهي مصابة بكورونا وقد منعوا عنها العلاج لأنها في خلاف مع المقدم أحمد شعبان، الذي وصفته بأنه الرئيس التنفيذي لمصر. فلما لم يستجب السيسي لطلبها منه بالتدخل، كانت الفيديوهات التالية الفاضحة والكاشفة، والتي تمثل إجابة على سؤال: كيف تحكم مصر الآن؟!مما قالته إن المقدم شعبان هو من يدير الإعلام المصري، وليس هذا خبراً إلا من حيث كونه جاء من مطبخ الحكم، فكثيرون كتبوا عن أن الإعلام في مصر في قبضته، وهو الذي يديره إدارة كاملة ويتصرف فيه تصرف المالك في ما يملك، نائباً عن المالك الفعلي عبد الفتاح السيسي، لكن الجديد هو أن هذا الضابط هو من يدير السياسة أيضاً، وأنه من شكل ما يسمى بالهيئة التنسيقية لشباب الأحزاب، وأنه من شكل مجلس الشيوخ (الغرفة التشريعية الثانية التي ستجرى الجولة الثانية من انتخاباتها بعد أيام)!

إدارة ضابط غشيم

وردت التنسيقية بما يؤكد أن من يديرها فعلاً ضابط دخل بكل ثقله من أجل الانتقام من «خليفة» وإذا قالت إنها رفضت الانضمام لهذه للتنسيقية لأنها اعترضت على تشكيلها، فقد نفت الهيئة ذلك، وقال بيانها بل إنها تقدمت للانضمام اليها، لكن طلبها قوبل بالرفض، لأنها تخطت الأربعين، ومن شروط العضوية فيها ألا يكون العضو قد تجاوز هذا السن، فضلاً عن افتقادها لشرط حسن السمعة؛ حيث سبق فصلها من حركة تمرد لأسباب مالية وأخلاقية وأمور ننأى بأنفسنا عنها، وهو البيان الذي تحول إلى خبر في نشرة أخبار الفضائية المصرية!
ولم يقتصر أمر اذاعته على القناة المذكورة، فقد أذيع أيضاً في قناة «اكسترا» كاملاً، لكن في برنامج وليس في نشرة الأخبار، ولم يكتف مقدمه بتلاوة البيان كاملاً، كما حدث في نشرة الأخبار، فبعد تلاوته استضاف أحد أعضاء التنسيقية، ليتحدث في الأمر!
وإذ قلت أن ما جرى يؤكد ولاية الضابط وادارته للتنسيقية، فلأنه صاحب نفوذ، دفع إلى إذاعة هذا الخبر في نشرة الأخبار، وفي برنامج آخر، ومن قرأت الخبر ومن ناقشه في برنامج «اكسترا» خرجا على قواعد المهنة، ليس فقط لأنه لا يرقى للإذاعة في نشرة في قناة من المفترض أنها موجهة للعالم الخارجي: «الفضائية المصرية» ولكن لأن البيان ارتكب جريمة الخوض في الأعراض المجرمة بالمادة 308 من قانون العقوبات، التي تقضي بالسجن وبالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين على من يفعل ذلك، وهم يدركون أنهم في حماية السلطة الأعلى في البلد، فضلاً عن عدم اللياقة بذكر أن «السيدة خليفة» قد تجاوزت الأربعين، فمن يقدر على هذا سوى ضابط يفتقد للدبلوماسية في التعامل، وإعلام خاضع لإدارته وإشرافه!
فاذا وجد هذا الإعلام في خبر التنسيقية خبطة إعلامية ومن ثم اهتم به، فقد كان يكفي التأكيد على رفض طلب انضمامها لعدم توافر شروط العضوية فيها وينتهي الأمر، لكنها السلطة المتعجرفة والإعلام الخاضع الذليل، ومن حكم في ماله فما ظلم!

الإفراج عن نخنوخ

«السيدة خليفة» كتبت في «الأكونت» الخاص بها تعريفاً لنفسها بأنها عضو مؤسس في حركة تمرد وعضو الحملة الرئاسية للمشير عبد الفتاح السيسي، وهو ما أكدت عليه في فيديوهاتها، وأضافت وظيفة أخرى وهي أنها عضو في لجنة العفو الرئاسية، وفي سابق تعريف لدورها التاريخي، قالت إنها وراء الافراج عن «نخنوخ» وهو زعيم الشبيحة في مصر، الذي تم القبض عليه بتهمة تزعم عصابة من البلطجية خارجة على القانون ومسؤولة عن الانفلات الأمني بعد الثورة، وتم الحكم بسجنه، وكان قرار الافراج الرئاسي عنه من باب الافراج الصحي، وتبين أنه ليس مريضاً، ولا يعاني من أمراض!
وقد لا يكون للسيدة خليفة دور في هذا، وقد تكون الأسماء التي شملها قرار السيسي بالإفراج عنها قبل انتهاء فترة العقوبة، وضعتها الأجهزة الأمنية، لكنها انطلقت لتذود عن السيسي، وقد كان الإفراج عن هذا الشخص سبباً في الهجوم عليه وقتئذ، لأنه يفرج عن «نخنوخ» في وقت يموت فيه عجائز في السجن من الإهمال الطبي، فلم يرحم شيخوختهم ولم يرحم مرضهم، وقد شاهدنا المرشد العام السابق مهدي عاكف يؤتى به أمام المحكمة وهو يتحرك بصعوبة وقد تمكن منه المرض فيترك في السجن حتى الموت، في الوقت الذي رق فيه قلبه لزعيم الشبيحة، مع أنه ليس مريضاً أو هرماً.
بيد أن اللافت للانتباه، أنها هنا قريبة من السلطة، وأنها لم تكن فقط عضواً في الحملة الرئاسية، ولكنها عضو أيضاً في تجمع رئاسي آخر، وكنت أعتقد أن حركة تمرد خرجت من المولد بلا حمص، فلم يستفد من الانقلاب من الذين شاركوا فيه سوى عبد الفتاح السيسي ومحمود بدر، الأول أصبح رئيساً والثاني صار نائباً في البرلمان ورجل أعمال يملك مصنعا، وكل من شارك فيها تم عزله بدءاً من وزيري الداخلية، والدفاع (كان رئيسا للأركان) فضلاً عن وزير العدل أحمد الزند، بل إن أعضاء المجلس العسكري جميعهم تم تسريحهم ولم يبق من مخلفات المرحلة السابقة فيه سوى اللواء ممدوح شاهين باعتباره مسؤولاً عن الجانب القانوني، وليس طرفا حاكما داخل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو العابر لكل الأنظمة!
وقد شملت قائمة الاستبعاد الإعلاميين، الذين كانوا جزءاً من الحملة على الرئيس محمد مرسي وتحريض الجماهير عليه، وإن بدأت حملة استدعائهم الآن وعاد معتز الدمرداش، فلأن قنوات الثورة في تركيا تقلق النظام، فلم يجد أمامه من بديل سوى إعادتهم «مجبر أخاك لا بطل» لكنهم في هذه المرة لن يتعاملوا على أنهم من قاموا بالانقلاب وجاءوا بعبد الفتاح السيسي للحكم فالعين لا تعلو على الحاجب، فستكون عودة بلا روح كعودة توفيق عكاشة، والذي عاد لشاشة الحياة ميتاً، فتم التعجيل فقد انتهى عمره الافتراضي، فأعادوه بعد الفشل مرة أخرى لبيته!

الكتابة بالتسكين الأمني

لكن من الواضح أن هناك من تبنى «عبير خليفة» فبقت في دوائر السلطة يأخذ الرئيس التنفيذي لمصر رأيها في قضايا سياسية كبيرة، وفي إدارة شؤون الدولة، فما هي القيمة السياسية لها، بل ما هي الخبرة السياسية له، ليدير الشؤون السياسية للدولة، وقد أدار الإعلام بدون أي خبرة في هذا المجال، فشاهدنا كوارث غير مسبوقة ليس أهونها هذا التطور في نشرة الأخبار، حيث خبر خاص بواحدة من آحاد الناس، توصف بسيئة السمعة، ثم ترسل الأخبار عبر الهاتف والمذيعة على الهواء ولأنها ملتزمة بالنص المكتوب فقرأت أنه خبر جاء في رسالة عبر هاتف سامسونغ!ومن الواضح أن «السيدة خليفة» لم تحصل على ما تريد، وقد وعدوها أن تكون نائباً لمحافظ، ولم يصدقوا معها وأنها كانت تريد أن تكون نائبة برلمانية فلم يمكنوها من ذلك، فخرجت تقول إنهم لم يعطوها سوى مساحة لكتابة مقال في جريدة «الدستور» لتكشف عن بعد آخر وهو أن الكتابة، حتى الكتابة، صارت بالتسكين الأمني، وأنها ضمن اختصاص مولانا ولي النعم، واللافت هنا أن «عبير» ليست صحافية، ولا نعرف ما هي مهنتها على وجه التحديد؟!
لست مشغولاً بمن ينتحلون صفة صحافي، لكن المثير هنا، أن «السيدة خليفة» مع أنها ليست صحافية وتحولت إلى كاتبة في صحيفة بقرار، ثم إنها مع هذا بلا قيمة مهنية أو سياسية ومع هذا تشارك في إدارة الملفات الكبرى في الدولة المصرية. فمن أنتم؟ بلسان الأخ العقيد معمر القذافي قائد الثورة الليبية، وليس الأخ العقيد أحمد شعبان، قائد الثورة المصرية، والذي لم نسمع صوته، وقد قال البعض إنه «عقيد» وقرأت للبعض أنه «مقدم» واستنكر «هشام عبد الله» في برنامجه في قناة «الشرق» أن يكون مسؤولا عن الإعلام. فاته أنه لا يوجد أحد في مصر الآن «يشتغل شغلته». وكان هذا في حلقة خصصها للحديث عن جماعة تمرد وتبني الأجهزة الأمنية لهم!
وعموما لقد خرجت «دعاء خليفة» بفيديو جديد، تقول فيه إن «الإكونت» الخاص بها تمت سرقته وأذيع على لسانها ما لم تقله.
مع أنه بالصوت والصورة، فأضافت بهذا الهروب المضحك، فصلاً جديداً في كتاب المهزلة التي تحكم مصر!
إنها مصر المخطوفة!

صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية