تصاعدت موجة الاحتجاجات في 25 تشرين الأول/اكتوبر الماضي خارج سقف توقعات الحكومة بعودة المحتجين إلى بيوتهم بعد وعود بإجراء إصلاحات اقتصادية وتقديم بعض المسؤولين عن الفساد إلى القضاء العراقي، وكذلك المسؤولين عن قتل المحتجين.
وراهنت حكومة عادل عبد المهدي على عامل الوقت في الدرجة الأولى، حيث ان غالبية المحتجين هم من الطبقة الفقيرة التي تشكل الجسم الحقيقي للحركة الاحتجاجية وحاجة هؤلاء إلى العمل اليومي من أجل توفير ما يكفي لمعيشتهم وإعالة عوائلهم، لكن هذا الرهان على ما يبدو لم يكن رهانا صائبا حيث تجاوزت سقف مطالب المحتجين “الحلول الترقيعية” إلى الحلول الجذرية.
ارتفع سقف مطالب المحتجين إلى المطالبة بإسقاط الحكومة والذهاب إلى انتخابات مبكرة وصولا إلى تغيير “شبه كامل” في بنية العملية السياسية القائمة منذ ستة عشر عاما.
لكن كلا من الولايات المتحدة والمرجعية الشيعية متفقتان على إجراء إصلاحات في النظام السياسي مع عدم السماح بإسقاط الحكومة أو الدستور، بينما لا تزال إيران متمسكة بموقفها الداعم لحكومة عادل عبد المهدي وتعمل عبر ما تقدمه من دعم مباشر للحكومة والفصائل المسلحة المرتبطة بها على منع سقوطها.
واتسعت رقعة الاحتجاجات إلى محافظات وسط وجنوب العراق التي شهدت أعمال عنف تمثلت في إحراق العديد من مقرات الأحزاب السياسية وفصائل الحشد الشعبي الحليفة لإيران بشكل خاص.
وتتخوف الأوساط السياسية عموما من انزلاق البلاد إلى حالة من الفوضى الأمنية التي قد تؤدي إلى حرب أهلية بن تيارين شيعيين، الأول يناهض التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية للعراق ويمثله المحتجون وقلة من السياسيين المؤيدين لهم بشكل ما في مواجهة التيار الشيعي الآخر الذي تمثله حكومة عادل عبد المهدي وفصائل الحشد الشعبي والأحزاب السياسية المرتبطة بإيران.
وتتعدى تلك المخاوف الأوساط العراقية إلى بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق “يونامي” والولايات المتحدة التي استنكر وزير خارجيتها في اتصال هاتفي مع عادل عبد المهدي سقوط أعداد من القتلى بين المحتجين نتيجة الإجراءات “القمعية” للقوات الأمنية واستخدام القوة “المميتة” واختطاف المحتجين.
صراع أهلي وفوضى
من المؤكد ان الولايات المتحدة تدعم بشكل أو بآخر حكومة عادل عبد المهدي، كما أن المرجعية الشيعية، الفاعل الأهم في رسم مستقبل البلاد، لا تزال تدعم ذات الحكومة مع تحفظات على تقاعس الحكومة في تلبية مطالب المحتجين والتمادي في قتلهم مع التشديد في أكثر من مناسبة على أن استمرار قمع المحتجين سيؤدي إلى “صراع أهلي وفوضى ودمار”.
وترفض المرجعية استغلال إرادة الشعب العراقي أو فرض الإرادة عليه من “أي شخص أو جماعة، أو جهة إقليمية أو دولية” في إشارة إلى الولايات المتحدة وإيران.
لا شك ان المرجعية الشيعية لا تزال تتمتع بسلطة كبيرة وتحتفظ بمكانتها لدى المحتجين.
وتشير بعض التقارير إلى أن تصاعد زخم الاحتجاجات وإصرار المحتجين على عدم العودة إلى بيوتهم أعطى رافعة لمواقف المرجعية الشيعية في تبني خيارات أكثر قربا من المحتجين لكنها لا تزال بعيدة عن اتخاذ قرار واضح وصريح إلى جانب المحتجين بدعوة عادل عبد المهدي إلى الاستقالة.
ويعكس الموقف “المتقدم” للمرجعية التي أفصحت عنه في خطبة الجمعة، 15 تشرين الثاني/نوفمبر إلى حد ما خشيتها من تراجع مكانتها لدى المحتجين وعموم الشعب العراقي بعد أن “أسقطت” الاحتجاجات المكانة التي ظلت تحتفظ بها إيران طيلة ستة عشر عاما.
ويرى المحتجون ان إيران هي المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار والفساد الذي ينخر مؤسسات الدولة من خلال دعمها لقوى سياسية حليفة لها تهيمن على القرار والموارد.
وفي 3 تشرين الثاني/نوفمبر هاجم محتجون مبنى القنصلية الإيرانية في كربلاء. واثارت الحادثة ارتياح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أعاد تغريدة تصوّر حرق جدار القنصلية.
الوعي الجمعي للعراقيين
ولا تبدو الولايات المتحدة والمرجعية الشيعية متفقتان على دعم الاحتجاجات بالتنسيق بينهما، لكن لكل منهما أسبابه الخاصة التي تجعله لا يتبنى موقفا معارضا للاحتجاجات.
تدرك الولايات المتحدة ان الاحتجاجات أحدثت “انقلابا” هائلا في الوعي الجمعي للعراقيين أفصح عن حقيقة “الرفض القاطع” للتدخلات الإيرانية سواء المباشرة أو من خلال القوى السياسية والمسلحة الحليفة لها.
وينسجم هذا الموقف مع التوجهات الأمريكية ضمن حملة “الضغط القصوى” والعمل لكبح جماح النفوذ الإيراني في المنطقة والحد من الآثار الضارة للتدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، ومنها العراق.
كما أن المرجعية الشيعية لا تخفي ادراكها أن عراق ما قبل الاحتجاجات سوف لن يكون نفسه عراق ما قبل الاحتجاجات، وهو ما أعلنه المرجع الشيعي الأعلى في خطبة الجمعة الأخيرة، 15 تشرين الثاني/نوفمبر محذرا الحكومة من عدم إدراك ذلك.
وتدعو المرجعية الشيعية، والولايات المتحدة أيضا، إلى العمل على إصدار قانون انتخابي عادل ومنصف يتكفل بإعادة ثقة العراقيين بالعملية الانتخابية استعدادا لانتخابات مبكرة.
لكن ذلك لا يعني الكثير للمحتجين الذين يطالبون بإسقاط الحكومة وحل مجلس النواب وإجراء تغييرات جذرية على مواد الدستور.
ويعتقد خبراء ان الدعوة لانتخابات مبكرة قد تجد لها صدى في أوساط المحتجين إذا نجح التيار الصدري في لعب دور فاعل ومؤثر في توجهات المحتجين، إذ يبدو ان رئيس التيار الصدري بعد زيارته الثانية لإيران تراجع عن مواقفه السابقة في دعوة عادل عبد المهدي إلى الاستقالة أو الاستجواب داخل مجلس النواب لحجب الثقة عن حكومته.
يعتمد مصير الحكومة العراقية ومستقبلها على استمرار الموقف الإيراني الداعم لها بعد تمسك عادل عبد المهدي بعدم تقديم استقالته إلا وفق شروط منها توافق كتلتي الإصلاح برئاسة مقتدى الصدر والفتح برئاسة هادي العامري على اختيار بديل توافقي.
اقتباس
أسقطت الاحتجاجات المكانة التي ظلت تحتفظ بها إيران طيلة ستة عشر عاما