تغيير اسم مهرجان المسرح التجريبي دعوة مشمولة بالرفض

 يعد المهرجان الدولي المصري للمسرح التجريبي، الذي تأسس في عام 1988 بقرار من وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني وتحت إدارة فوزي فهمي رئيس أكاديمية الفنون آنذاك، أحد أهم الانجازات الفنية والإبداعية المتطورة، فمن خلال فعاليات المهرجان المذكور، أخذت الثقافة المسرحية شكلاً خاصاً اتسم بالحداثة، وخرج عن الطابع التقليدي للمسرح المصري بأنماطه المعهودة.
وبفضل البُعد عن التكرار والنمطية، حقق المهرجان نجاحاً ملحوظاً عبر سنوات تنظيمه وإقامته في القاهرة، التي تجاوزت الربع قرن، مرت خلالها الدورات المُنقضية بموجة من الاحتجاجات والرفض، نظراً لغرابة العروض التي لم يكن الجمهور المصري مُعتاداً عليها، لاسيما أنها تجنح في بعض الأحيان إلى إعمال الأسلوب الفلسفي في طرح الأفكار والقضايا، وتعتمد على الإيقاع الحركي والموسيقي بشكل أساسي، فالحوار ليس ضرورياً في كل الأحوال، طالما استطاعت الحركة في الأداء التمثيلي للفنان والفنانة توصيل المعنى كما ينبغي أن يكون المعنى.
بيد أن الغموض الذي يكتنف بعض العروض يُفسر لصالح النص باعتباره قائماً على الفكرة الفلسفية كما ذكرنا سلفاً، فالمُباشرة تُعد عيباً ومأخذاً في كثير من الأحيان، كونها تُفسد الفكرة وتهبط بها إلى مستوى التلقي العادي والتقليدي، ومن ثم تكون بعيده عن خصوصية التجريب ومضمونه وأهدافه.
قبل عدة أيام ترددت أقاويل عن اعتزام وزير الثقافة الحالي أحمد فؤاد هنو، تغيير اسم مهرجان المسرح التجريبي ليُصبح عنوانه – المهرجان التجريبي والمُعاصر للمسرح المصري – ولأن المهرجان تجاوز مرحلة تغيير الاسم بزمن طويل باستقراره ونجاحه واستقطابه لعدد كبير من الدول العربية والأوروبية أصبح الاقتراب من عنوانه، سواء بالإضافة أو الحذف أمراً غير مُستساغ لتأثيره السلبي على مكانة المهرجان وطبيعته ومضمونه ورسالته.
كما أن المُعاصرة لا تعني إلغاء القديم، بل تستهدف الاستمرار والمُحافظة على المُصنف ذاته، وفق تسميته الأولى، التي بموجبها تحقق له النجاح وتكونت لديه القاعدة الجماهيرية العريضة، في غالبية الدول التي تتواصل ثقافياً وإبداعياً مع مصر.
ومن ثم تأتي مُحاولة التغيير كنوع من العبث بالثوابت الفنية والإبداعية، التي تم إرساء قواعدها بالجهد والعرق، وتشكلت مُكتسباتها بعد طول انتظار ومواجهة قوية مع التيار الكلاسيكي للفن المسرحي، الذي قابل فكرة التجريب بالرفض القاطع في البداية، ثم سرعان ما تقبل الواقع الفني الجديد إيماناً بمبدأ التجديد والتطوير والتحديث، في ضوء الحرص على تفعيل النشاط المسرحي المصري ودمجه في الحركة المسرحية الدولية والعالمية.
ولأن رغبة وزير الثقافة فؤاد هنو في تغيير عنوان المهرجان التجريبي للمسرح، لم تلق ترحيباً كافياً، حدث انقسام واضح بين المُثقفين من المسرحيين المصريين إزاء الفكرة، لاعتبارات تتصل بما ذكرناه عن تاريخ المهرجان ونشاطه الدائم والمُستمر وما يتمتع به من ثقة بين دول المنطقة، التي تعتبره نموذجاً للحداثة في طرح القضايا الفنية ذات الأبعاد الفلسفية بشكل يتفق مع عمومية الثقافة العربية والعالمية وعدم تقييدها بأطر وأشكال تحد من الوعي وتسجن الأفكار والمعاني، داخل ثيمات متكررة، وتضع الحواجز أمام العقول لتقف عند أنماط بعينها للتفسير والتفكير.
ليس ثمة مشكلة في أن يُعاد النظر في المُقترحات الفنية والإبداعية، طالما أنها تُخالف الذائقة العامة، ولا تحظى بالإجماع في قبولها وتطبيقها، بل على العكس سيؤدي طرحها للمناقشة إلى ترسيخ مبدأ الديمقراطية داخل المؤسسة الثقافية، وعدم الانفراد بالقرار، وهذا من شأنه تعزيز دور المؤسسة وضمان استقرارها ونشاطها على النحو الإيجابي المُرحب به من عموم المُثقفين والمُبدعين، مسرحيين وسينمائيين وشعراء وكُتاب وإداريين، فالمنظومة كلها مُتكاملة مُترابطة لا غنى فيها عن أي عنصر له دور بناء وإسهام مُتميز.
ولو أن مشكلة تغيير اسم المسرح التجريبي لم يتم الأخذ فيها برأي المُبدعين قبل القيادات، صاحبة القرار، ستتزايد الأضداد وتتسع دائرة الانقسام، وسيؤثر ذلك بكل تأكيد على الأداء الثقافي العام، وستتشعب مُشكلات أخرى بتفاصيل مُختلفة، فمن الأفضل العمل بمبدأ المواءمة والمُحافظة على المهرجان التجريبي بعنوانه ومُسماه الأصلي، كإرث ثقافي تراكمت آثاره التنويرية عبر سنوات كثيرة، ساهمت خلالها كوادر مهمة بفنها النوعي مثل وليد عوني مُصمم الاستعراضات الشهير وغيره من المُخرجين ومُهندسي الديكور والموسيقيين ونجوم ونجمات المسرح.

٭ كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية