تفجيرات الموصل تثير اتهامات لجهات أمنية وميليشيات لابتزاز المواطنين ماليا 

خالد الخليل
حجم الخط
0

ضَجَّتْ وسائل التواصل الاجتماعي بالتحليلات والاتهامات والنقاشات عقب انفجارات مريبة بسيارات مفخخة حصلت في أوقات متقاربة وفي أماكن خالية من أي تواجد عسكري داخل وفي محيط مدينة الموصل، وراح ضحيتها العشرات من المدنيين الأبرياء بين قتيل وجريح. كان محور تلك الموجة “الفيسبوكية” و “التويترية” تتمحور حول من يقف خلف مثل هذه التفجيرات الإجرامية؟ وما هي الرسالة التي يريد إيصالها؟ وأي مصلحة يمكن أن يجنيها الفاعل الحقيقي من وراء هكذا أفعال؟

“ستُقَيّد ضد مجهول، يعرفون الفاعل لكنهم يتسترون عليه، بل يخافون منه، فهم يعيشون في عالم الفوضى الذي ألِفوه منذ العام 2003، وقد صارت هذه الأساليب مكشوفة ومفضوحة لمن عاش في العراق خلال الفترة الماضية، فهي وسائل تهديد وابتزاز لكل من يرفض دفع الإتاوات التي تفرضها ميليشيات وعصابات على التجار وأصحاب العقار والمال باسم الدولة وبزيّها العسكري والأمني. يقول لي شقيقي أنهم يدفعون شهرياً لميليشيا العصائب داخل الموصل مبلغاً قدره مليون ونصف دينار عراقي، فضلاً عن أننا لا نجرؤ على مطالبة من يرفض الدفع ممن يأكلون داخل المطعم بزي أمني”، يقول ناشط وصحافي عراقي وشقيق صاحب أحد مطاعم مدينة الموصل متحدثاً لـ “القدس العربي”.

سلسلة تفجيرات

كانت بداية السلسلة الأخيرة عندما انفجرت سيارة مفخخة في شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي في ناحية القيارة داخل سوق شعبية بينما كانت المحال التجارية تفتح أبوابها، وبدأ الناس بالتوجه إلى أرزاقهم، وقد حصدت تلك المفخخة أرواح عدد غير قليل من أصحاب المحال والمتبضّعين وتسبّبت بأضرار مادية كبيرة. وبعدها بأيام قليلة وتحديدا في ليل 5 نوفمبر/ تشرين الثاني انفجرت سيارة ملغمة (تحت السيطرة) في منطقة الغابات السياحية أيسر الموصل، وهو مكان مكتظ بالسكان، ولم تسفر عن أي إصابات حسب مصادر أمنية. وقد جاءت قوات أمريكية إلى مكان الحادث وعاينته، ثم بعد يومين انفجرت سيارة مفخخة أمام مطعم شهير أيمن الموصل وأدت إلى سقوط عشرين شخصاً بين قتيل وجريح. ولم يكن الحال مختلفا كثيراً خارج محافظة نينوى إذ حصلت حوادث مشابهة في مدينة بيجي استهدفت إحداها مطعما في منطقة الحجاج التابعة لقضاء بيجي في شهر أيلول/سبتمبر الماضي، وأخرى استهدفت سيارة لنقل موظفي مصفى بيجي النفطي، ولم تسلم تكريت ولا الرمادي من الانفجارات نفسها التي ضربت أماكن مدنية صرفة.

وقد خلّفت تلك الانفجارات موجة من الجدل والنقاشات والآراء سواء على وسائل التواصل الاجتماعي أو على الفضائيات المحلية بل حتى داخل أعضاء من مجلس النواب حول من هو الفاعل الحقيقي الذي يقف خلف هكذا أفعال؟ إذ ألقى البعض بمسؤولية التفجيرات على تنظيم “الدولة” قائلين إنه يحاول من وراء هكذا تفجيرات ترهيب الناس وإرسال رسائل مفادها أنه لا يزال موجودا، وأن يده لم تقصُر، وأنه استوعب آثار الحملة الدولية ضده. واتهم آخرون ميليشيات تابعة للحشد الشعبي بالمسؤولية عن تلك التفجيرات لأغراض ابتزاز وترهيب ومساومة، واستشهدوا بوقائع كثيرة على الأرض ربطوها برسالة التفجيرات.

طلبوا مبلغا شهريا

وضمن سياق التعقيب على هذه الأحداث صرّح النائب عن محافظة نينوى أحمد الجربا قائلا: “التفجير الأخير الذي استهدف مطعماً في مدينة الموصل [يقصد مطعم أبوليلى] ما هو إلا محاولة ابتزاز لأن بعض الجهات الأمنية طلبت من صاحب المطعم أن يدفع مبلغاً مالياً بشكل شهري إلا أنه امتنع لذلك وضعوا له المفخخة لتحذيره وإيصال رسالة له بأن المرحلة المقبلة تتعلق بسلامتك أنت وأولادك”. وفي السياق نفسه قال النائب عن محافظة نينوى عبد الرحيم الشمري: “سبب تفجير المفخخة في سوق القيارة هو رغبة عصابة تابعة لميليشيا أرادت تغيير مكان السوق…”، وأضاف “تفجير الجانب الأيمن لم يكن من فعل تنظيم الدولة”.

بينما اتهم مسؤولون آخرون تنظيم “الدولة” بالمسؤولية عن التفجيرات فقد أدلى عضو مجلس محافظة نينوى اضحوي الصعيب بتصريح قال فيه إن “سبب التفجير في القيارة هو وجود خلايا لداعش في بعض مناطق نينوى، وإن القوات الأمنية تعتقل يوميا العشرات منهم، ولولا هذه الاعتقالات لشهدت المحافظات تفجيرات يومية، كما حصل في سوق القيارة الشعبي”. وبيّن الصعيب أن “السيارة المفخخة جاءت من المناطق الصحراوية حيث يتواجد عناصر داعش هناك بشكل شبه علني، أو من خلال خلايا داعش في القيارة أنفسهم، فيجب تكثيف الجهد الاستخباراتي بشكل أكبر للقضاء على جميع الخلايا الإرهابية، والتي تشكل تهديدا حقيقيا لأمن واستقرار المحافظة والمواطنين”.

سنعود لنقطة الصفر

واستقصت “القدس العربي” عيّنة من آراء أهالي الموصل لمعرفة انطباعاتهم عما جرى، فقال المواطن أبو حسين من حي الشرطة في الجانب الأيسر من المدينة: “الموصل أصبحت كعكة يتقاسمها قادة الجيش والشرطة والحشد، والكل يعتبرها مجرّد مجال عمل أو تجارة لملء جيوبهم والحصول على أكبر قدر من الأموال، فقد بتنا نسمع أن المطلوبين يخرجون من السجون مقابل مبالغ مالية، كما يتعامل كثير من الضباط مع ملف الاعتقالات على أنه مصدر مالي كبير”. وقال المواطن عمر جمال: “لا أشك أن الميليشيات هي التي تقف وراء كل هذه الأحداث، فمن من أهل الموصل لم يسمع بالإتاوات الشهرية والابتزاز والسطو والمساومة، ولا أظن أن أحدا لم تصل إلى مسامعه ما حصل في بعض مطاعم الموصل وصاغة الذهب وأصحاب المولدات الكهربائية وغيرهم. الميليشيات تعيث في مدينتي فسادا، وأطالب بتسليم ملف المدينة الأمني لجهاز مكافحة الإرهاب وتحديدا للقائد عبد الوهاب الساعدي، وبغير هذا لن يكون هناك أي حل وسنعود لنقطة الصفر”.

واتّهم الناشط على وسائل التواصل الاجتماعي محمد الهادي تنظيم “الدولة” بالمسؤولية عن الهجمات قائلا: “لا أرى أي مصلحة للقوات العراقية البطلة بتنفيذ هكذا أفعال إجرامية، لأنها ستنعكس بالضرورة على سمعتها وكفاءتها، وأنها مقصّرة في عملها وغير قادرة على تحمل المسؤولية الموكلة إليها، فهل يمكن أن نصدّق أن صاحب محل بقالة يُعِيب بضاعته لأي سببٍ كان؟!” وردّ عليه الناشط أيضا على وسائل التواصل الاجتماعي معن الحيّو بالقول: “من قال لك إن جميع صنوف القوات الأمنية العراقية يمكن وضعها في سلّة واحدة، والحكم عليها بحكم واحد، فبعض الميليشيات المنفلتة لا تستطيع ضبط عناصرها داخل نفسها، وهي قادمة لأجل منافع مالية ودوافع انتقامية وأجندات أجنبية، ولا يهمها مطلقاً سمعة القوات الأمنية، وماذا سيُقال، وما هي العواقب المترتبة؟، ثم هل من يمارس الانتهاكات بصورة علنية وبدون خجل أو خوف من أحد حريص على أي سمعة؟  هل سمعت بآخر أفعال تلك الميليشيات وما أحدثته في جامع (الأرقم بن أبي الأرقم) في حي المثنى أيسر الموصل؟ لا أرى أيَّ منطق في كلامك!”.

صور كاذبة

وقد تداولت مواقع تواصل محسوبة على الحشد الشعبي أو مؤيدة له بعد الانفجار بدقائق صورا لأطفال قالت إنهم قُتِلوا بانفجار في باحة المطعم، ثم تبيّن لاحقاً أن تلك الصور هي قديمة لأطفال سقطوا في حربي اليمن أو سوريا، وهو ما وضع علامات استفهام عن الغاية من نشر صور كاذبة واستغلال عواطف الناس في محاولة لإبعاد الشبهة عن طرف دون آخر. وقال البعض إن الأمر مدروس ومخطط له مسبقاً، ووصفوه بالمحاولة الرخيصة للمتاجرة بدماء وأحزان الناس للتغطية على الدوافع الحقيقية وراء التفجير.

وقال آخرون إنه من خلال متابعة أخبار تنظيم “الدولة” وطريقته الإعلامية فإنه دائما يُسارع إلى تبنّي كل عملية يقوم بها أفراده صَغُرت أم كَبُرَت، لكن التنظيم لم يتبنّ مفخخة القيّارة قبل شهر، ولا مفخخة الغابات قبل أيام، ولا حتى مفخخة مطعم أبو ليلى، ولا حتى المفخخات في بيجي. وهو ما يضع علامات استفهام عن المسؤول الفعلي عن مثل تلك العمليات الإجرامية التي تستهدف المدنيين العُزّل، وماذا يريد من وراء هكذا أفعال؟!

وكان تعليق الصحافي الموصلي زياد السنجري يحمل اتهاما مباشرا وصريحا لميليشيا الحشد الشعبي بالمسؤولية عن مفخخة الغابات، إذ غرّد على موقع “تويتر” قائلاً: “ليلة أمس تم تفجير سيارة مفخخة في منطقة الغابات شمال مدينة الموصل، وقد انطلقت السيارة من مقر أمن الحشد، ووصلت في تمام الساعة 11:25 ليلاً، وكانت ملغمة بعبوات ناسفة، ورافقت السيارة أربع سيارات تابعة لعصائب أهل الحق… نص البرقية (انفجار سيارة مفخخة صديقة). وأنا مسؤول أمام الله والقانون عن كل المعلومات وكل حرف هنا”.

غالبا ما تُسجَل ضد مجهول

واللافت في هذا الموضوع هو تعليق رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، على هذه التفجيرات، إذ قال خلال مؤتمر صحافي إن “أكثر التفجيرات في نينوى هي اقتصادية وسياسية، أكثر من كونها عمليات لتنظيم “الدولة”، مشيراً إلى توجيهه بإغلاق المكاتب الاقتصادية كافة في نينوى لوجود رغبة شديدة من الجميع بتجاوز هذه المسألة حفاظاً على الأمن العام”. وقد تناول مُعَلّقون هذه التصريحات بسخرية قائلين: إن كان رئيس الوزراء يُبرّئ ساحة تنظيم “الدولة” من المسؤولية، فلا شكّ أنّه يعلم يقينا الفاعل الحقيقي، فهل يستطيع تسمية تلك الجهات والأطراف؟ وهل يجرؤ على كشف المتورطين وفضحهم؟ وهل له سلطة لإيقاف ما سموه بالمهزلة؟

ظل هذا الجدل غير المنتهي عمن هو المسؤول الفعلي عن التفجيرات مستمرا حتى اليوم، ولم تكشف القوات الأمنية عن الجهات التي كانت وراء تلك التفجيرات. وقال سُكّان محليون من مدينة الموصل إنهم كمدنيين كانوا دائمًا ضحيّة صراعات سياسية وأجندات دخيلة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وأنهم يتمنّون على المسؤولين عن ملف الأمن داخل مدينة الموصل أن يكشفوا إن كانوا يعلمون أو يُحَقّقوا إن كانوا لا يعلمون لجلب الجُناة وكشفِهم للجميع لتتّضح الحقيقة وينتهي كل هذا اللغط، وطالبوا بأن لا تُقَيّد الحادثة ضد مجهول كما حصل في أغلب الأحداث الماضية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية