القاهرة ـ «القدس العربي»: يواجه الأكاديميون والباحثون في مصر أشكالا من التضييق والانتهاكات، سواء كان تلك الانتهاكات مصدرها وزارة التعليم العالي أو الجامعات نفسها وما يمثلهما من مجالس إدارية، أو كانت تدخلات أمنية لفرض شكل معين من الأبحاث المسموح بمناقشتها والتي لا بد أن تتوافق مع الرؤى الرسمية للدولة وللجهات الأمنية، حسب تقرير لـ«الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان» صدر الإثنين.
مخاطر وتناقض
وتتناول الشبكة في تقريرها: «المخاطر التي يتعرض لها الباحثون والأكاديميون من إلقاء القبض عليهم ومحاكمتهم أو وضعهم قيد الحبس الاحتياطي التعسفي، وصولاً لعملهم في مناخ غير آمن قد يعرض حيواتهم للخطر، دون حماية رسمية من الدولة، بل أحيانًا تكون أجهزة الدولة نفسها قيد الاتهام».
ولفتت إلى «التناقض بين أوضاع الأكاديميين على الأرض في مصر، وما نص عليه الدستور في مواده التي تلزم الدولة بكفالة استقلال الجامعات والمجامع العلمية واللغوية، وحرية البحث العلمي وتشجيع مؤسساته، باعتباره وسيلة لتحقيق السيادة الوطنية، وبناء اقتصاد المعرفة».
وأشار إلى «حصول مصر على أسوأ الدرجات وجاءت ضمن الفئة الأخيرة في الحريات الأكاديمية التي ضمت دولامن بينها الصين وإيران وكوريا الشمالية، في التقرير السنوي لمؤشر الحرية الأكاديمية».
ووفق التقرير «مصر شهدت في السنوات الماضية تعديًا حادا على الأكاديميين والباحثين وأساتذة الجامعة، لاسيما المحسوبين على صفوف المعارضة لمنعهم من إبداء آرائهم بحرية، أو تعطيلهم عن كتابة المقالات والأبحاث التي قد لا تتوافق مع رؤى المنظومة الأمنية».
ولاحظت الشبكة «خلطًا واضحًا بين العمل الأكاديمي والرأي السياسي، إذ تتم معاقبة هؤلاء الأساتذة مرة بالحبس على ذمة قضايا سياسية، ومرة ثانية بالتعنت ضدهم في وظائفهم ومحاولات لإيقافهم وفصلهم عن العمل أو تضييق الخناق عليهم بتحقيقات إدارية غير منصفة وتدور حولها شكوك التدخلات الأمنية وانعدام استقلالية القرار».
يحيى القزاز
وتناول التقرير حالة الدكتور يحيى القزاز أستاذ الجيولوجيا في جامعة حلوان، الذي ألقت الأجهزة الأمنية القبض عليه في أغسطس/ آب 2018 ضمن حملة أمنية شملت أيضاً الخبير الاقتصادي رائد سلامة، والدبلوماسي والسفير السابق، معصوم مرزوق، وظل قيد الحبس الاحتياطي على ذمة القضية 1305 لسنة 2018 حصر أمن دولة عليا، حتى تم الإفراج عنه في مايو/ أيار 2019 بعد قضاء قرابة تسعة أشهر في السجن.
لم يكن حبس القزاز كافيًا لمعاقبته، ففي الوقت نفسه «قرر رئيس جامعة حلوان إحالة القزاز إلى مجلس تأديب بزعم الإخلال بواجباته الوظيفية وانتمائه لجماعة إرهابية، وبعد خروج القزاز من حبسه الاحتياطي، استمر رئيس الجامعة في تعنته، ولم يستطع القزاز العودة إلى وظيفته السابقة كأستاذ جامعي حيث أحيل لتحقيق إداري بسبب انقطاعه عن العمل في الفترة التي كان فيها قيد الحبس الاحتياطي».
عبد الفتاح البنا
مثال آخر تناوله التقرير على معاقبة الأكاديميين على مواقفهم السياسية، هو الدكتور عبد الفتاح البنا، أستاذ علم الآثار في كلية الآثار جامعة القاهرة، حيث «ألقي القبض عليه في أغسطس/ آب 2018 وظل قيد الحبس الاحتياطي حتى مايو/ أيار 2019 على ذمة القضية نفسها التي اُتهم فيه القزاز، وبعد خروجه من محبسه، وجد قرارًا من رئيس جامعة القاهرة محمد عثمان الخشت، بوقفه عن العمل لمدة ثلاثة أشهر مع تخفيض راتبه الشهري إلى الربع، وما زالت قرارات الإيقاف عن العمل تتجدد تلقائيًا كل ثلاثة أشهر، كان آخرها قرار من رئيس جامعة القاهرة في 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021 بإيقاف البنا ثلاثة أشهر مجددًا، وذلك على الرغم من حصول البنا على حكم نهائي ببطلان قرار وقفه عن العمل».
كذلك «قررت كلية الإعلام في جامعة القاهرة في مارس/ آذار 2021 إيقاف الدكتور أيمن منصور ندا، رئيس قسم الإذاعة والتلفزيون، عن العمل، لمزاعم بتعديه على وكيل الكلية الأسبق، بالمخالفة لقانون تنظيم الجامعات واللوائح الداخلية لجامعة القاهرة».
جاء قرار الإيقاف، حسب الشبكة «متزامنًا مع الفترة التي بدأ ندا يكتب فيها بعض المقالات مهاجمًا الأداء الإعلامي غير المهني لإعلاميين مقربين من السلطة مثل أحمد موسى وكرم جبر وعمرو أديب ونشأت الديهي، ما أثار الشكوك بأن قرار الإيقاف من أجل ردعه عن نشر المزيد من الكتابات إلا أن ندا استمر في كتاباته، وانتقد بشدة رئيس جامعة القاهرة محمد عثمان الخشت واتهمه بارتكاب مخالفات وبتمرير قرارات غير قانونية، ما عرّضه للمثول أمام النيابة العامة باتهامات السب والقذف، في سبتمبر/ أيلول الماضي، قبل أن يُخلى سبيله في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي».
منار الطنطاوي
لم يتوقف عقاب الأكاديميين أنفسهم بسبب مواقفهم السياسية أو كتاباتهم وآرائهم، إنما امتد الأمر ليشمل الأكاديميين الذين لهم صلة بسجناء الرأي أو المحبوسين على ذمة قضايا سياسية، وهو الأمر الذي حدث مع الدكتورة منار الطنطاوي، زوجة سجين الرأي السابق الصحافي هشام جعفر الذي تعرض للحبس الاحتياطي لمدة تزيد عن ثلاث سنوات، تبعا للتقرير.
طنطاوي «ما زالت حتى الآن محرومة من حقها في الحصول على درجة الأستاذية بالرغم من صدور قرار عن المجلس الأعلى للجامعات في فبراير/ شباط 2020 بحصولها على الدرجة العلمية، إلا أنها تواجه تعسفًا ممثلاً في عدم اعتماد وزارة التعليم العالي حصولها على الأستاذية، وكذلك التعنت الواضح ضدها من عميد المعهد التكنولوجي العالي، الدكتور عثمان محمد عثمان واستمر التضييق على طنطاوي حتى أحالها عميد المعهد إلى التحقيق في يونيو/ حزيران الماضي، وبحضورها التحقيق رفض المحقق إبداء أسباب استدعائها أو إثبات أقوالها أو حضورها، ما دفعها والمحامين إلى الانسحاب من جلسة التحقيق وتحرير محضر بالواقعة وبالخروقات القانونية التي حدثت».
الباحث باتريك جورج
تناول التقرير أيضاً حالة الباحث باتريك جورج طالب ماجستير في جامعة بولونيا في إيطاليا، الذي كان يعمل باحثًا في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، و«ألقت قوات أمن مطار القاهرة القبض عليه في 7 فبراير/ شباط 2020 أثناء عودته من إيطاليا، وبعدها بشهر تقريبًا تم التحقيق مجددًا معه على ذمة قضية جديدة تحمل رقم 1766 لسنة 2020 باتهامات عدة أبرزها إشاعة أخبار وبيانات كاذبة، والترويج لاستخدام العنف ولارتكاب جرائم إرهابية، والتحريض على قلب نظام الحكم، والتحريض على التظاهر».
وظل باتريك «قيد الحبس الاحتياطي حتى تمت إحالته إلى محكمة أمن دولة طوارئ في سبتمبر/ أيلول الماضي، قبل أن تؤجل المحاكمة أكثر من مرة لتُحدد لها جلسة اليوم الثلاثاء».
أحمد سمير سنطاوي
تقرير المنظمة الحقوقية تناول أيضا حالة الباحث أحمد سمير سنطاوي طالب ماجستير في الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع في الجامعة المركزية الأوروبية في النمسا، الذي تعرض للإيقاف والتحقيق من قبل الجهات الأمنية في مطار شرم الشيخ في ديسمبر/ كانون الأول 2020 أثناء عودته من فيينا حيث مقر دراسته «لتوجه جهات التحقيق له اتهامات بالانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة، على ذمة القضية رقم 65 لسنة 2021 حصر أمن دولة عليا».
وتمت إحالة القضية إلى محكمة أمن دولة طوارئ، وهي محكمة استثنائية ليس فيها أي درجات للتقاضي وحكمها نهائي وبات دون سماح للمتهم بالطعن أو الاستئناف أو النقض، وصدر ضده حكم بالسجن لمدة أربع سنوات بعد أقل من شهر من بدء المحاكمة وذلك في الثاني والعشرين من يونيو/ حزيران الماضي».
وتناول التقرير، حالات أخرى لأكاديميين تعرضوا للاعتقال بسبب أبحاثهم، بينهم الباحث والأكاديمي وليد سالم الذي أُلقي القبض عليه في مايو/ أيار 2018 بسبب رسالة الدكتوراة الخاصة به التي تتناول تاريخ القضاء المصري، ووجهت له اتهامات بـ «الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة» وأُودع في سجن القاهرة للمحبوسين احتياطيًا المعروف باسم طره تحقيق، حتى أُخلي سبيله بتدابير احترازية مع منعه من السفر ولا يستطيع العودة إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث محل إقامته ودراسته.
واعتبرت الشبكة أن الحياة الأكاديمية في مصر «تتعرض للاحتضار، بسبب التنكيل والتعسف، والانتهاكات التي لا تقتصر على الأجهزة الأمنية فقط، بل امتدت أذرعها إلى الجامعات والمعاهد، كما لم يكتف بمعاقبة الأكاديميين والأساتذة والباحثين بعقوبات إدارية متعسفة، بل أيضًا أصبحت العقوبة مرتين، مرة بشكل إداري بقرارات وتحقيقات تعسفية، ومرة أخرى بشكل جنائي بحبسهم على ذمة قضايا رأي».
وأوصت في نهاية تقريرها بـ«سرعة الإفراج عن جميع الباحثين والأساتذة والأكاديميين المحبوسين احتياطيًا على ذمة قضايا سياسية، توقف أجهزة الأمن عن ترصد الباحثين والأساتذة الجامعيين والبحث في نواياهم، وعودة جميع الأساتذة المفصولين تعسفيًا أو الموقوفين عن العمل أو الذين أُجبروا على الاستقالة، إلى مناصبهم مرة أخرى، وعدم تدخل الأجهزة الأمنية في اختيار مجالس إدارات الجامعات وتعيينها، وأن تعود مجالس الإدارة بالانتخاب مرة أخرى».