تونس ـ «القدس العربي»: جاء في نشرة للمعهد الوطني للإحصاء بتونس أن البلد، وإلى حدود نهاية شهر أيلول/سبتمبر، شهد تقلصا في العجز التجاري الذي قدر بـ13.49 مليار دينار مقابل 13.97 مليار دينار خلال الفترة نفسها من سنة 2023. كما جاء في هذه النشرة الصادرة عن المعهد أن نسبة تغطية الواردات بالصادرات التونسية قد تحسنت بنقطة واحدة، مقارنة بسنة 2023 لتصل إلى 77.5 في المئة.
وأشارت هذه النشرة أيضا إلى تطور الإنتاج في مختلف القطاعات وهو ما ساهم في الزيادة في نسبة الصادرات بـ2.1 في المئة، مقابل 7.5 في المئة في سنة 2023 وهو ما يفسر بغياب الاضرابات العمالية مقارنة بما كان سائدا طيلة العشرية التي تلت ثورة 2011. وارتفعت أيضا نسبة واردات تونس بنسبة 0.8 في المئة وقدرت بـ59.9 مليار دينار، وبالتالي فإن تقلص العجز التجاري سببه التطور الهام في نسبة الصادرات مقابل التطور المحدود في نسبة الواردات.
الفلاحة والصناعات الغذائية
وفيما يتعلق بالقطاعات التي زادت صادراتها، وفقا للنشرة المشار إليها، فهي الصناعات الغذائية وذلك بنسبة 28.9 في المئة، والطاقة وذلك بنسبة 26.4 في المئة، والصناعات الميكانيكية والكهربائية بنسبة 0.9 في المئة. أما القطاعات التي شهدت صادراتها تقلصا، فهي قطاع المناجم، والفوسفات ومشتقاته وذلك بنسبة 24.4 في المئة وقطاع النسيج والملابس وذلك بنسبة 6.3 في المئة.
ويشار إلى أن إنتاج تونس من زيت الزيتون بلغ السنة الماضية 220 ألف طن، تمّ تصدير 190 ألف طن منها، وبلغت عائدات التصدير قرابة 5 مليار دينار، وهو ما حقق فائضا تجاريا غذائيا ساهم فيه بشكل كبير أيضا ارتفاع أسعار زيت الزيتون في الأسواق العالمية. كما ساهم تصدير زيت الزيتون في ارتفاع الصادرات الغذائية بـ 58 في المئة مقارنة بالسنة الماضية خاصة وأن 15 في المئة من الكميات المصدرة كانت معلبة وهو ما أثر إيجابيا على القيمة المضافة.
ويتوقع خبراء أن تحتل تونس المرتبة الثانية عالميا في إنتاج زيت الزيتون خلال العام المقبل مع عودة إسبانيا إلى نسق إنتاجها الطبيعي والاعتيادي، والذي تضرر كثيرا خلال الموسم الماضي، وهو ما اضطر تونس إلى تغطية هذا النقص في الأسواق العالمية الأمر الذي تسبب في ارتفاع الأسعار في السوق الداخلية. ويرجع البعض التحسن المتوقع للإنتاج في تونس إلى أهمية الأمطار التي عرفتها البلاد خلال شهر أيلول/سبتمبر وما قبله وخصوصا بالمناطق التي تنتشر فيها غابات الزياتين وهي بالأساس مناطق الساحل وصفاقس والقيروان وسيدي بوزيد والجنوب الشرقي.
ونتيجة لهذا التحسن في نسق الصادرات الصناعية والفلاحية، ولعوامل أخرى على غرار ارتفاع تحويلات التونسيين بالخارج وارتفاع عائدات السياحة وغيرها، بلغ احتياطي البلاد من النقد الأجنبي 24269 مليون دينار أي ما يعادل 110 أيام توريد وفق ما أكده البنك المركزي التونسي. ويعتبر هذا الرصيد مقبولا ولم يتأثر وذلك رغم سداد أصل دين على السوق المالية العالمية لقرض ياباني بقيمة ألف مليون دينار.
معضلة الطاقة
بالمقابل زادت أيضا واردات تونس وتحديدا فيما يتعلق بمواد التجهيز وذلك بنسبة 4.1 في المئة، والمواد الاستهلاكية بنسبة 4.5 في المئة وذلك رغم حالة التقشف التي يعيشها البلد والتي اقتضت عدم توريد عديد المواد ما جعلها صعبة التواجد في الأسواق. أما الزيادة الهامة في الواردات، والتي باتت المعضلة في ميزانية الدولة، فهي تعود إلى تزايد العجز الطاقي وذلك بسبب تراجع إنتاج البلاد من النفط والغاز وعدم الإسراع في مشاريع الطاقات البديلة لتغطية العجز الطاقي.
وقد ارتفع عجز الميزان التجاري الطاقي لتونس، خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2024 بنسبة 28 في المئة، ليبلغ 7753 مليون دينار مقابل 6069 مليون دينار خلال نفس الفترة من 2023 ولم تتجاوز نسبة تغطية الصادرات للواردات 23 في المئة مع موفى شهر آب/أغسطس 2024. ورغم أن صادرات تونس من الطاقة سجلت ارتفاعا، مع موفى آب/أغسطس 2024 وذلك بنسبة 3 في المئة، إلا أن الواردات الطاقية ارتفعت أيضا بنسبة 21 في المئة، مقارنة بالفترة ذاتها من سنة 2023 وخاصة فيما يتعلق بالنفط الخام وذلك بالرغم من القيام بحفر بئر استكشافية جديدة برخصة «جناين الجنوبية» وتسجيل اكتشاف نفطي جديد لحقل سمي «عزيزة 1». وتشير الأرقام إلى أن واردات تونس من الطاقة زادت بنسبة 14.5 في المئة، وذلك مع تراجع الإنتاج الوطني للنفط الخام بنسبة 13 في المئة، مع موفى شهر آب/أغسطس 2024 مقارنة بالفترة ذاتها من سنة 2023 ليبلغ مستوى 0.94 مليون طن، وفق ما كشفت عنه النشرة الشهرية للوضع الطاقي الصادرة عن المرصد الوطني للطاقة.
ورغم هذا العجز الطاقي اللافت الذي انطلق مع بداية الألفية ويتضخم سنويا وتضطر معه البلاد في كل عام إلى رفع وارداتها الطاقية، إلا أن الحكومات المتعاقبة لم تجد من حل سوى الإلتجاء إلى الاستيراد من الخارج خصوصا للغاز الطبيعي الذي يتم من خلاله إنتاج الكهرباء. وساهم ارتفاع سعر النفط والغاز في الأسواق العالمية نتيجة الحروب المتعددة والأزمات، وعلى رأسها الحرب الروسية الأوكرانية، في زيادة معاناة البلد الذي أصبح يجد صعوبات في تغطية نفقات الميزانية وعلى رأسها سداد الديون الخارجية وكتلة الأجور المرتفعة في الوظيفة العمومية نتيجة كثرة الانتدابات الحاصلة خلال السنوات التي تلت الثورة وأيضا العجز الطاقي الذي يتفاقم سنويا.
تأخر إنجاز المشاريع
يرى الخبير الاقتصادي عماد بالرابح في حديثه لـ«القدس العربي» أن عودة الإنتاج في تونس نتيجة لتوقف الإضرابات في القطاعين الخاص والعام مقارنة بما كان سائدا في الماضي القريب وذلك بسبب القبضة الحديدية للسلطة الحاكمة، ساهم في تطور نسق الصادرات الصناعية والفلاحية وهو ما أثر إيجابيا على الميزان التجاري وعلى مخزون البلد من النقد الأجنبي. كما ساهمت تحويلات التونسيين بالخارج وعائدات السياحة والفوسفات، حسب محدثنا، في ارتفاع احتياطي العملة الصعبة وهو ما أثر إيجابيا على استقرار الدينار التونسي الذي بقي العملة الأقوى في القارة السمراء رغم أن تونس ليست بلدا يمتلك ثروات كبيرة.
ويضيف محدثنا قائلا: «لكن للأسف لا ينتفع التونسيون بهذه الموارد الهامة على مستوى التنمية الجهوية ولا على مستوى المعيشة اليومية باعتبار أن هذه العائدات تذهب لسداد الديون التي تضخمت بصورة مهولة بعد الثورة بعد توقف عجلة الإنتاج، وتذهب الرواتب الشهرية لموظفي القطاع العام الذين تم انتدابهم بطريقة غير مدروسة بعد الثورة أيضا. كما تذهب هذه الموارد إلى اقتناء المحروقات بعد تراجع الإنتاج المحلي من النفط والغاز وتوقف نشاط التنقيب مقارنة بما كان سائدا في الماضي، وعدم الاستثمار في غاز الشيست الذي تتوفر تونس على مخزون هام منه إلا أن الخشية من حصول تصدعات في الطبقات السفلية للأرض تجعل الكثيرين يصرفون عنه النظر. كما أن تأخر إنجاز مشاريع الطاقات البديلة بسبب عراقيل داخلية أو خارجية يفاقم من العجز الطاقي للبلد المطالب باستغلال موقعه في قلب البحر الأبيض المتوسط في مواجهة وسط أوروبا من خلال مضيق صقلية ليتحول إلى منتج رئيسي للطاقات البديلة لتحقيق الاكتفاء الذاتي وللتصدير إلى أوروبا. لكن للأسف الهم الأكبر في الوقت الحاضر هو تغطية عجز الميزانية من خلال رفع الجباية وكثرة الاقتراض دون التفكير كثيرا في التنمية وفي تحسين معيشة المواطن المثقل بالجباية التي أرهقته كثيرا ولا تتناسب مع مداخيله».