تكريم الفنانين… بين القرارات الرسمية والأهواء الشخصية

في بورصة النجوم يتم استثمار الفنانين الأكثر ذيوعاً وانتشاراً، حيث يتم الرهان عليهم في العديد من النشاطات داخل الدائرة الفنية وخارجها، فبحكم المهنة يتحول المُمثل إلى ورقة رابحة للدعاية إذا ما وصل إلى مكانة بارزة في تخصصه وموقعه، فالأضواء التي تُسلط عليه لا تخدمه هو فقط، وإنما تنسحب فوائدها على مجالات ذات صلة بشهرته ونجاحه، لذا تتعامل شركات الدعاية باهتمام شديد مع نجوم ونجمات الصف الأول، وتدفع لهم بسخاء مقابل الترويج الدعائي لسلعة أو مشروع أو حتى نشاط خدمي تابع للقطاع الخاص، أو لجهة رسمية.
إذن العلاقة بين الطرفين، الداعم والمُستفيد علاقة تجارية اقتصادية مشروعة، وسواء كان الطرف الداعم نجما مشهورا، أو مُتخصصا في مجال الدعاية والإعلان فالمسألة متساوية لا تختلف حساباتها إلا في التقدير المالي المُتفق عليه، وبالطبع تزداد التكلفة إذا كان بطل الإعلان أحد مشاهير الفن، أو الرياضة، أو غير ذلك من مجالات التميز الاجتماعي المعروفة. الأزمة المُثارة الآن تتعلق بجانب له صلة بحيثية الفنان وشهرته والمُكتسبات التي يحصل عليها بحق أو دون حق، ومن بينها عملية التكريم التي تحظى بها مجموعة من نجوم الفن والتمثيل، ومن بينهم فنانون وفنانات ترى الرقابة المُجتمعية أن هذه المسألة تكشف جانباً مهماً من عيوب التقييم وأوجه الخلل الثقافي والتربوي، فهناك من يعترض على إطلاق أسماء الفنانين والفنانات على الشوارع والميادين العامة في العاصمة، وغيرها من المُدن، كما هو حادث بالنسبة لفاطمة رشدي وعلي الكسار وإسماعيل ياسين وأخيراً يسرا، التي أطلق اسمها على أحد الشوارع المهمة في الجونة قبل نحو عامين أو أكثر. هذا بخلاف الجدل الدائر حالياً حول أحقية سُمية الخشاب في التكريم رسمياً من قبل مُحافظ الإسكندرية، الذي منحها درع المحافظة بمناسبة العيد القومي للمدينة الساحلية السياحية الشهيرة، بوصفها مسقط رأس الفنانة، وقد تسبب هذا التكريم في أزمة وصلت أصداؤها إلى مجلس النواب، حيث تقدم النائب محمد سعد الصمودي بطلب إحاطة إلى المُستشار حنفي جبالي رئيس المجلس طالب فيه رئيس الوزراء ووزير التنمية المحلية بالكشف عن أسباب تكريم سُمية الخشاب، والحيثيات التي أدت إلى اختيارها كواحدة من الشخصيات البارزة في الإسكندرية، بعيداً عن كونها ابنة من أبناء المدينة.

أما أن يخص مسؤول ما في الدولة فنانة بعينها بمنحها درعا في مناسبة قومية مهمة لمجرد أنها فقط من أبناء المحافظة، فهذا يعني الإخلال بالشروط الأدبية للتكريم وسهولة منح الدروع دون مُبرر موضوعي.

ومن جانبها تناولت بعض مواقع السوشيال ميديا الخبر بمزيد من الاهتمام والتعليق على اختلاف الآراء ووجهات النظر وأساليب التعبير، سواء باستنكار التكريم أو تأييده، لكن في كل الحالات أسفرت موجات الاحتجاج والرفض والقبول عن حراك ثقافي مُجتمعي حول قضية التمييز الأدبي لأهل الفن والإبداع عن غيرهم من الفئات الأخرى، وهذا هو موطن البحث والتقصي ومحاولة الوقوف على أسباب الضجة المُثارة، لاسيما أن تكريم فنانة أو فنان مصري بشكل رسمي ليس الحالة الأولى من نوعها، فمنذ فترات طويلة تهتم الجهات الرسمية في الدولة بتقديم شهادات تقدير وأوسمة للفنانين البارزين والمتميزين، فقد كرّم الرئيس جمال عبد الناصر في فترة الستينيات الموسيقار محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وأم كلثوم وفاتن حمامة وعبد الحليم حافظ وآخرين، وكذلك صنع الرئيس السادات وحسني مبارك، فقد كرما العديد من رموز الفن والثقافة، فريد شوقي وأحمد زكي وماجدة ومحيي إسماعيل وزينات صدقي وآخرين، بخلاف التكريمات الخاصة بالقامات الأدبية الكبيرة، نجيب محفوظ ويوسف إدريس ويحيى حقي وإحسان عبد القدوس، وهذا يعني أن التكريم تقليد مُتبع في المؤسسات الرسمية للدولة ولا غضاضة فيه، طالما أنه جاء في سياق عام كتعبير عن احترام الإبداع والمُبدعين وتقدير الدولة للثقافة والفنون والآداب.
أما أن يخص مسؤول ما في الدولة فنانة بعينها بمنحها درعا في مناسبة قومية مهمة لمجرد أنها فقط من أبناء المحافظة، فهذا يعني الإخلال بالشروط الأدبية للتكريم وسهولة منح الدروع دون مُبرر موضوعي، حسب وجهة نظر عضو مجلس النواب محمد سعد الصمودي، الذي تقدم بطلب الإحاطة إلى رئيس المجلس للاستفسار عن دواعي التكريم وأسباب اختيار سُمية الخشاب تحديداً كاسم فني دون غيرها من الأسماء والقامات الكبرى من أبناء الإسكندرية من ذوي الحيثيات والصفات والوظائف المرموقة؟ خاصة أن مدينة الإسكندرية وهي العاصمة الثانية لمصر بعد القاهرة تتمتع بعدد وافر من الشخصيات المهمة في مجالات إبداعية ومواقع مُختلفة. هذا السؤال العريض الذي ورد في طلب الإحاطة هو ذاته الذي طرحته وسائل التواصل الاجتماعي والنوافذ الإعلامية، طمعاً في إجابة شافية، لكن دون جدوى، وسيبقى السؤال نفسه مطروحاً طالما غابت المعايير واختلت مقاييس التقييم، وبات قرار التكريم خاضعاً للأهواء والأمزجة.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية