«تلك إذاً قسمة ضيزى»: «هيكل» لعبد الناصر و«صبري» للسادات و«الديهي» للسيسي!

حجم الخط
4

هذه اختيارات باهتة تليق بالمرحلة التي تعيشها البلاد، فالحاكم العسكري يريد «عساكر مراسلة»، اختصاصهم الوظيفي القيام بخدمة الضباط، الأمر الواضح والكاشف في قرار تشكيل المؤسسات الإعلامية المصرية الثلاث، الذي صدر في الأسبوع الماضي!
كان محمد حسنين هيكل هو اختيار عبد الناصر، ليعبر عنه وعن المرحلة، وكان موسى صبري وأنيس منصور هما اختيار السادات، وكان سمير رجب هو من يعبر عن مرحلة مبارك، فلما سيطر ابنه على الحكم كان المعبر عن المرحلة هو صاحب مقال «طشة الملوخية» الشهير، حيث تعود الشهير هنا إلى «الطشة» وليس إلى الكاتب!
فلما وسد الأمر للسيسي وصار له حق الاختيار بعيداً عن المؤثرات الجانبية، اختار من يعبر عنه فكان «نشأت الديهي»، وعزة مصطفى، وعبد الصادق الشوربجي، وفاطمة سيد أحمد، ورانيا هاشم، وريهام السهلي، عندئذ يمكنني تنفس الصعداء فقد صدق حدسي، عندما قلت إنها مرحلة الاحتفاء بمن لا لون لهم ولا طعم، وليست لهم أي مرجعية سياسية أو فكرية، فالرجل يرتاب في كل من يفهم، ولو كان مبايعاً له في المكره والمنشط، لأجل هذا لا بد من أن يحيط نفسه بشخصيات باهتة، تنظر اليه على أنه فيلسوف، فهو يبحث عن الإيمان الداخلي به وبقدراته، وهذا لن يتأتى إلا بهذا النمط من الشخصيات!
في الأسبوع الماضي صدر قرار تشكيل المؤسسات القائمة على الإعلام في مصر، والتي أخذت اختصاص المجلس الأعلى للصحافة، واتحاد الإذاعة والتلفزيون، ومجلس الشورى، فإذا بنا نترحم على الاختيارات الأكثر وجاهة في عهد المخلوع السيد أبو علاء، فحتى في مرحلة الانهيار، وتدخل حرمه ونجله في شؤون البلاد، واختيار شخصيات تافهة للمواقع العليا، فقد كانت توجد بعض الشخصيات التاريخية التي تعطي قيمة لهذه المواقع من حيث الشكل، وإن كانوا في المضمون سواء!
المؤسسات الثلاث، هي المجلس الأعلى لتنظيم الاعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام! وهي مؤسسات كان المقرر لها أن تتولى الإشراف على الإعلام، مع إلغاء الوزارة المختصة، وكل الدول العربية التي تريد أن تؤكد على الاستقلال الشكلي للإعلام تلغي هذه الوزارة، لكن الواقع يقول إن هذا لم يحقق الاستقلال، فقد غاب المرئي ليحل غير المرئي وهو الأجهزة الأمنية عبر «رسائل سامسونغ»، على النحو الذي شاهده العالم، في نشرة الأخبار في إحدى القنوات، عندما لم ينتبه منتجها لحذف هذه الفقرة الأخيرة، وتركها على الشاشة فقرأتها المذيعة صغيرة السن، عديمة الخبرة، فكانت فضيحة يتغنى بها الركبان!

وزير بلا مكتب

بيد أن الحاكم العسكري المرتبك، وجد نفسه في حاجة إلى وزير للإعلام فأعاد تدوير أسامة هيكل، المحرر العسكري السابق في جريدة «الوفد»، لكنه فوجئ بأن اختصاصات المنصب موزعة بين هيئتين: المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للإعلام، فصدر قرار ينص على أنه «وزير دولة»، وليس وزيراً، وقالوا إنه سيصدر بعد ذلك قرارا يحدد اختصاصاته، وهوما لم يحدث، رغم مرور أكثر من ستة شهور على هذا الاختيار، وبدا السيسي ضجراً من فكرة المجالس هذه، رغم أن عقدة الاختيار بيده، لكنه يصطدم بالعقبة الدستورية عند التفكير في إلغائها، لأنه منصوص عليها في الدستور، وقد غير القوانين الخاصة بها ثلاث مرات، في أقل من ست سنوات!
ومن الواضح أن قرار عودة منصب وزير الإعلام ارتجالي فلم يحدد اختصاص الوزير، كما لم يحدد موقع وزارته، ولهذا حدثت أزمة كبيرة، تشي بأن حرص فرد واحد على أن تكون الدولة في قبضته وله وحده حق التصرف في كل صغيرة وكبيرة، ليس منطقيا مع دولة كبيرة بحجم مصر، لهذا كانت أزمة الصراع على المكاتب، على النحو، الذي يؤكد أنها ليست دولة، ولو كانت محل بقالة لما حدثت هذه الأزمة!
لقد فوجئ أسامة هيكل بأنه بلا مكتب، كما أنه بلا اختصاص وظيفي، فلديه مكتبه في مدينة الإنتاج الإعلامي باعتباره رئيسا للمدينة، وظل في هذا الموقع حتى في عهد حكم الإخوان، وهو أمر كاشف عن سوء إدارة هذا الملف من قبل القوم. لكن لا قيمة للمنصب خارج مبنى ماسبيرو، وفي بداية تشكيل الهيئات الثلاث، اندفع رئيس الهيئة الوطنية للإعلام حسين الزين، باعتباره يعمل في المبنى وليس من خارجه، وعلى قاعدة «من سبق أكل النبق»، فاستولى على مكتب الوزير، لكن مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى للإعلام دخل المبنى وهو يهتف: أين مكتب صفوت الشريف؟ ولم ينتبه إلى أن أربعة وزراء شغلوا المنصب والمكتب بالتالي من بعده، هم ممدوح البلتاجي، وأنس الفقي، وأسامة هيكل، وصلاح عبد المقصود!
وتم إخراج حسين الزين، ليكون مكتب صفوت الشريف من نصيب مكرم محمد أحمد، وذات ليلة أرسل أسامة هيكل، وزير الدولة للإعلام ثلاثين رجلاً شداداً غلاظاً واقتحموا مقر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، واستولوا على مكتب الوزير، وأرسل مكرم شكوى بما جرى لرئيس الحكومة، والرجل لا يملك من أمر نفسه شيئاً، فكانت واقعة الاقتحام موضوع بلاغ تقدم به مكرم للنائب العام، تضمن قيام المليشيا بالاستيلاء على وثائق ورسائل بين المجلس وجهات سيادية في الدولة!
وهي واقعة، تؤكد أن الفراغ الطبيعي، الذي خلفه سيطرة الرجل الواحد، خلق حالة تنازع الاختصاص بين الأجهزة الأمنية، بما ينال من هيبة الحكم، فظني أن الوزير فعل ما فعل بتحريض من جهة ما، وأن جهة أخرى هي التي دفعت الطرف الآخر للتصعيد من خلال البلاغ للنائب العام!
لكن في النهاية انتصرت الجهة التي يتبع لها الوزير، وكان القرار هو عزل كل أعضاء المجلس بربطة المعلم مكرم محمد أحمد، في حركة تنقلات ذهبت بكرم جبر، رئيس الهيئة الوطنية للصحافة ليكون رئيسا للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام خلفا لمكرم الذي أطيح به، والذي لن يمكن وزير الإعلام من المختار من أي اختصاص، بالود أو بالاتفاقات العرفية، فكان لا بد من شخصيات باهتة، فكانت عزة مصطفى، رئيسة التلفزيون المصري في مرحلة ما قبل الثورة، والتي تعمل مقدمة برامج في قناة «صدى البلد» الخاصة، فضلاً عن «رانيا هاشم»، والتي تم تمكينها من اسم برنامج «مانشيت» على قناة «اكسترا نيوز»، وهو اسم برنامج جابر القرموطي، والمتابع سيلحظ أن هناك حفاوة بها من قبل الحكم العسكري، فهي تتمدد في المشهد، وحاضرة في كل المحافل الرسمية، ولو كانت تمتلك الحد الأدنى من المهارات المهنية، لكانت الإعلامية الأولى في مصر، لهذا الاهتمام!

الممولة إماراتيا

ويضم الأعلى للإعلام أيضاً نشأت الديهي، المدير التنفيذي لقناة «تن» الممولة من قبل الإمارات بالكامل!
وعندما تكون هذه الشخصيات هي من ستتولى ضبط الإعلام، فعندئذ سيعلم المرء خصائص الحكم الحالي، في الاختيار، ويكفي أن نعلم أنه اختار مديراً للمطابع ليكون رئيساً للهيئة الوطنية للصحافة، التي تشرف على الصحافة القومية مع وجود صحافيين كبار ينحازون لهذه النظام!
عندما نتذكر أن من اختصها السيسي لإدارة حوار معه هي «ساندرا نشأت»، وهي ليست مذيعة، سنعرف اتجاه المرحلة، رغم وجود مذيعات ومذيعين معروفين يؤيدونه وسبق لهم أن حاوروه في انتخاباته الأولى. لقد قلت يومئذ هذا اختيار هو عنوان المرحلة وهي خطوة لها ما بعدها. وقد كان.

أرض- جو:

الدكتور صفوت العالم، الأستاذ في كلية الاعلام جامعة القاهرة قال: من العجيب أن تكون مكافأة المذيع المنافق للنظام هي عضوية المجلس الأعلى للإعلام، رغم محدودية قدراته وخبراته ليراقب أداء زملائه. وقد فات العالم:
1- أن من الطبيعي أن يعين هذا النظام منافقاً!
2- من الطبيعي أن يختار من هو محدود الكفاءة والخبرة، لأنها النوعية التي يشعر معها أمي لا يقرأ ولا يكتب إنه سقراط.
3- من أقنعك أن تؤيد النظام بمفردات ضخمة فخمة، من أول «حيث أنه»، إلى «بما أنه». إنه يعتقد أنكم بذلك تتفلسون عليه. وعلى رأي أبو علاء عندما ظن أن هيكل يستعرض أمامه: وفر نصايحك لنفسك يا أستاذ. ولم يكن الأستاذ ينصحه أصلا!
العقلية العسكرية لا تفهم في كلام الشعراء: رأيتك تصعدين إلى السماء في ليلة مظلمة، فإذا بي أرى القمر في هذا الليلة، فلما نظرت إليه ملياً وجدتك أنت! العقلية العسكرية تفهم في الكلام المباشر: عندي شقة من ثلاث حجرات بمنافعها وحددي موعدا مع الحاج لكي أطلب يدك منه. إياك أن تذهب يومها بباقة ورد، خد معك رغيف كبدة اسكندراني أفضل!

٭ صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية