بغداد ـ «القدس العربي»: أظهرت الرسالة الأخيرة التي أرسلها رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، إلى زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، والتي ألقى خلالها «كرة استقالته» في ملعب المسؤولين الشيعيين البارزين، مقتدى الصدر وهادي العامري، انقساماً كبيراً في توجه زعيمي أكبر كتلتين في مجلس النواب العراقي، ففيما يرفض العامري استقالة الحكومة، متوافقاً مع التوجه الإيراني، يصرّ الصدر ونوابه على تنحي عبد المهدي عن منصبه.
وأمس الأربعاء، حذّر الصدر، من جعل الأوضاع في العراق على شاكلة سوريا، واليمن في حال عدم استقالة عبد المهدي من منصبه، معلنا عدم التحالف مع الأطراف الرافضة للاستقالة في إشارة إلى تحالف «الفتح» بزعامة الأمين العام لمنظمة «بدر» هادي العامري.
وقال الصدر في منشور له على منصات التواصل الاجتماعي «تويتر» : «مجرد تنبيه وليس تخويفا، فأنتم أيها الشعبُ أعلى من الخوفِ لمن لم يلتفت أحاول التنبيه أو (تحذيره) سوريا، واليمن، والآن العراق بالأمس بشار ثم عبد ربه والآن عادل عبد المهدي».
وأضاف: «أيها الشعب الثائر جاءنا ما قلنا بالأمس: إن استقالة عبد المهدي ستعمق الأزمة»، مردفا بالقول «أولاً: إن عدم استقالة عبد المهدي لن تحقن الدماء، ثانيا: عدم استقالته ستجعل من العراق سوريا، واليمن، ثالثاً: لن اشارك في تحالفات معكم اليوم».
يأتي ذلك عقب ردّ العامري، على رسالة الصدر، والتي دعاه فيها إلى إقالة عبد المهدي.
وقال العامري في رسالته للصدر: «سنتعاون معا من أجل تحقيق مصالح الشعب العراقي وإنقاذ البلاد بما تقتضيه المصلحة العامة». من دون الإشارة إلى موافقته على إقالة عبد المهدي وحكومته.
وتصاعدت حرب الرسائل المتبادلة بين الصدر والعامري وعبد المهدي، على إثر الرسالة الأولى التي وجهها عبد المهدي للصدر (أول أمس) والتي دعاه من خلالها إلى «طريق سهل» لإقالة الحكومة يتمثل باتفاق الصدر والعامري على إيجاد بديل لعبد المهدي، مثلما اتفقوا على ترشيح الأخير للمنصب.
لكن زعيم التيار الصدري ردّ على رسالة عبد المهدي بالقول: «كنتُ أظن أن مطالبتك بالانتخابات المبكرة فيها حفظ لكرامتك، أما إذا رفضت فأنني أدعو هادي العامري للتعاون من أجل سحب الثقة عنك فوراً».
وأضاف: «أدعو العامري للعمل معاً لتغيير مفوضية الانتخابات وقانونها والاتفاق على إصلاحات جذرية من ضمنها تغيير بنود الدستور لطرحها على التصويت، وفي حال عدم تصويت البرلمان فعلى الشعب ان يقول كلمته (أرحل)».
استناداً لموقف الصدر، تصرّ كتلة «سائرون» البرلمانية، المعتصمة في البرلمان حالياً على حضور رئيس الوزراء إلى قبة البرلمان، لبحث إجراءاته في احتواء أزمة التظاهرات التي تدخل أسبوعها الأول اليوم الخميس.
القيادي في «سائرون» النائب علاء الربيعي، قال في بيان له، إن «الحكومة مطالبة بالتنفيذ الفوري لمطالب المتظاهرين وضرب حيتان الفساد وكشفهم».
وأضاف أن «ثورة الشعب جاءت نتيجة الفساد الذي استشرى في مفاصل الدولة والمحاصصة المقيتة، فالثوار هم المهمشون الجائعون الذين تاجرت الديمقراطية الغربية بدمائهم»، مؤكداً على «أهمية أن يضطلع البرلمان بواجباته لتحقيق مطالب المتظاهرين وفق سقف زمني محدد».
وشدد الربيعي على «ضرورة قيام الجهات الأمنية حماية المتظاهرين واتخاذ إجراءات صارمة بحق من يعتدي على المتظاهرين».
وطالبت كتلة «سائرون» أيضاً عبد المهدي بتقديم حلول عاجلة لدرء ما وصفته بـ«الفتنة». وخيّرته بين ذلك أو الاستقالة.
النائب عن «سائرون» بدر الزيادي، قال لـ«القدس العربي»، إن «في جلسة أمس (الأول)، طلبت كتلة سائرون (في البرلمان) من رئاسة مجلس النواب، حضور عبد المهدي فوراً إلى قبة البرلمان»، مشدداً على أهمية «حضور رئيس الوزراء، لأن الشارع العراقي يغلي. نحتاج مناقشة الكثير من الأمور معه، وما هي الحلول لإطفاء هذه الفتنة».
وأضاف: «يومياً نعطي شهداء وجرحى من الشباب. يجب حقن هذه الدماء»، مجدداً تأكيده بأهمية «حضور رئيس مجلس النواب في هذه الفترة. في حال لم يحظر فإن هنالك إجراءات (لم يُحددها) ستُتخذ بحقه».
نواب «سائرون» ينتظرون حضور رئيس الحكومة للبرلمان ويتحركون لإقالته
وأشار إلى أن «كتلة سائرون، وجميع الكتل السياسية، لن تغادر البرلمان إلا بحضور رئيس الوزراء»، منوهاً بأن البرلمان «يريد أن يعرف إجراءات السلطة التنفيذية بشأن الأزمة. الجمهور يريد حلولا آنية وسريعة. فما هي هذه الحلول؟ على عبد المهدي تقديمها».
وأكد أن مجلس النواب «ليس لديه مشكلة في نقل جلسته (بحضور عبد المهدي) على الهواء مباشرة (مطلب رئيس الوزراء مقابل حضوره إلى البرلمان)، حتى يطلّع عليها الشعب، ويعلم ماذا يريد البرلمان من رئيس الوزراء، وما باستطاعة الأخير تقديمه».
وأكمل: «نحن الآن في أزمة ولم تحلّ. على السلطة التنفيذية التي يترأسها رئيس الوزراء الحضور إلى البرلمان ليقدم لنا برنامجه الحكومي الذي سيقدمه لإطفاء الفتنة، أما إذا لم يستطع فعليه تقديم استقالته».
كما كشف في بيان مقتضب أمس، إن كتلة «سائرون جمعت تواقيع لاستجواب عادل عبد المهدي تمهيداً لإقالته».
وتبرر القوى والشخصيات السياسية سبب رفضهم استقالة الحكومة في هذه الأوضاع، بأن الأمور ستكون «أكثر تعقيداً»، وربما تُدخل العراق في حالة «فوضى».
النائب السابق لرئيس الوزراء بهاء الأعرجي، قال في «تغريدة» له على «تويتر»: «سيكون الأمر أكثر تعقيدا فيما إذا استقالت الحكومة، فالكتل السياسية سوف لا تتفق على البديل».
رفض البديل
وأضاف أن «الشعب المتظاهر سيرفض أي بديل، وسيصعد المطالب لأنه يعتقد أنها تجديد لولاية أحزاب وكتل مرفوضة»، حسب تعبيره.
في حين، قال واثق الهاشمي، رئيس المجموعة العراقية للدراسات الاستراتيجية (منظمة غير حكومية)، إن «المشكلة ليست مع عادل عبدالمهدي فقط، المشكلة هي مع الطبقة السياسية والأداء الحكومي»، مبيناً أن «الإطاحة بعادل عبدالمهدي ستدخل العراق في دوامة جديدة».
وأضاف: «عملية سحب الثقة عن حكومة عادل عبدالمهدي تبدو صعبة للغاية، لأن كتلتي مقتدى الصدر وهادي العامري لا تشكلان أغلبية في مجلس النواب، وسحب الثقة يحتاج إلى تصويت ثلثي مجلس النواب، بالإضافة إلى وجود خلافات بين الكتل النيابية».
وأوضح أن «أي مرشح جديد سيقدم بدلا من عبد المهدي سيرفضه الشارع العراقي، وهذه ستكون مشكلة جديدة تضاف إلى مشاكل كثيرة موجودة في المشهد السياسي»، لافتاً إلى أن «الشارع يريد تغيير الوجوه والإصلاحات وتعديل الدستور وتوقيتات زمنية ولن يقبل بالوجوه نفسها مرة أخرى».
وشدد على أن «العراق يتجه نحو كارثة حقيقية والمزيد من الفوضى، لأن التعامل لحد الآن يتم على أساس المصالح الحزبية وتقاسم المناصب والمحاصصة وحماية الفاسدين واللجوء إلى الوعود بدون تنفيذ، والصراعات الموجودة داخل الحكومة والانقسام بين مجلس النواب والحكومة، وهذه كلها مشاكل لا بد من معالجتها».
أما بشأن الموقف السني، فقد أيد أيضاً حضور عبد المهدي إلى قبة البرلمان، لكنه لم يعلن رسمياً تأييده لاستقالته.
ودعا رئيس كتلة تحالف «القوى العراقية» فلاح الزيدان، عبد المهدي للحضور للبرلمان لمناقشة الإجراءات التنفذية لحزم الإصلاح وواقع التظاهرات.
وقال الزيدان، الذي يترأس الكتلة البرلمانية السنّية، في بيان، أول أمس، إن «على رئيس الوزراء الحضور إلى مجلس النواب غدا (أمس) أو بعد غد (اليوم) لمناقشة الإجراءات التنفيذية لحزم الإصلاح وكذلك مناقشة واقع التظاهرات في كل المحافظات وبيان أسباب سقوط الضحايا».
في الأثناء، عبّر نواب المحافظات المحررة، عن رفضهم تشكيل الحكومة العراقية بمعزل عن الشركاء السياسيين.
وقالت النائبة عن محافظة الأنبار وحدة الجميلي، خلال مؤتمر لنواب المحافظات المحررة تم عقده في مجلس النواب: «اطلعنا على رسالة عبد المهدي إلى الصدر والتي يشير فيها إلى تشكيل حكومة بين كتلتين».
وأضافت الجميلي أن «هذا الأسلوب هو من أدى إلى الفشل»، مؤكدة «ضرورة التمثيل للجميع».
وأوضحت: «نحن نرفض تشكيل الحكومة بهذا الشكل بمعزل وبعيداً عن باقي المكونات والشركاء السياسيين، وهذا اختزال غير مقبول».
مزيد من الضغوط
كردياً، عدّ القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني، وزير المالية الأسبق، هوشيار زيباري، استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري بأنها قد تضيف مزيدا من الضغوط على نظيره العراقي عادل عبد المهدي لكي يقدم على عمل مماثل. وقال في منشور له على منصات التواصل الاجتماعي «تويتر»، أمس، إن «استقالة الحريري نتيجة الاحتجاجات العامة يمكن أن تضيف المزيد من الضغوط على عبد المهدي للقيام بأمر مماثل».
وأضاف «ومع ذلك، فإن الحالتين مختلفتان وتحتاج الحكومة الاتحادية إلى إظهار المزيد من الحنكة للتغلب على أحداث العراق».
أما كتلة «التغيير» الكردستانية، فلم تتحدث عن إقالة الحكومة، ضمن جمّلة مقترحات قدمتها للخروج من الأزمة الراهنة، وركّزت على تعديل قانون استرداد الأموال، وأعادة تشكيل مفوضية الأنتخابات.
وقالت الكتلة في بيان، إن «في هذه المرحلة الهامة والحساسة وما يرافقها من أحداث تباينت في أسبابها ونتائجها وتداعياتها المؤسفة، تدارست كتلة التغيير النيابية في مجلس النواب العراقي المعطيات الراهنة بأقصى درجات الاهتمام»، مبينة «نرى بأن (الفساد) الذي طالما حاربناه في هذه الدورة النيابية والدورات السابقة سواء هنا في بغداد أم في إقليم كردستان، هو السبب الرئيسي للأوضاع الحالية وتذمر المواطنين ورغبتهم في إحداث تغيير وإصلاح جذري، ولهذا نرى من الضروري اتخاذ الخطوات الإصلاحية».
ومن بين الخطوات التي اقترحتها الكتلة الكردية، هي «تعديل قانون استرداد أموال العراق رقم 9 لسنة 2012، وقد أعددنا في كتلة التغيير مقترح قانون التعديل الثاني له، ليكون بالكيفية التي تضمن استرداد تلك الأموال التي تمت سرقتها وتهريبها من قبل الأشخاص والجماعات على المستوى الاتحادي وإقليم كردستان، على أن يشمل ذلك جميع الأموال بدون تمييز بين ما سرق وهرب إلى الخارج قبل سنة 2003 وما بعدها».
وأضافت أن «التزوير الذي يحصل عادة، وخاصة ما حصل في الانتخابات الأخيرة لمجلس النواب العراقي، هو من الأسباب الرئيسية الهامة لفقدان ثقة المواطنين بشرعية المؤسسات الحكومة المنبثقة عن الانتخابات وخاصة تشكيل الحكومة، لذلك نطالب بحل مفوضية الانتخابات وإعادة تشكيلها بعيداً عن المحاصصة المقيتة لتضم قضاة وخبراء مشهودا لهم بالنزاهة والخبرة والكفاءة، وبإشراف الأمم المتحدة، تمهيداً لإعادة الشرعية للعملية الديمقراطية في العراق». وشددت الكتلة على ضرورة «اتخاذ إجراءات إصلاحية فاعلة تسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية وخاصة إلغاء إمتيازات رؤساء الجمهورية ومجلس النواب ومجلس الوزراء ونوابهم وأعضاء مجلس النواب والوزراء ورؤساء الهيئات المختلفة ونوابهم ومن يتقاضى رواتبهم والدرجات الخاصة والمدراء العامين ومن بدرجاتهم، وإعادة احتساب الرواتب للمتقاعدين منهم بالشكل الذي يضمن إزالة أي نوع من التمييز».
كما طالبت بـ«تعديل قانون انتخابات مجلس النواب بالشكل الذي يحقق العدالة في التمثيل الشعبي، ويضمن الحفاظ على أصوات المواطنين وتوجيهها بالشكل الحقيقي الذي تتجه إليه إرادة الناخب»، بالإضافة إلى «المضي بالإجراءات التشريعية لمقترح قانون (من أين لك هذا)، والتصويت عليه في أقرب موعد ممكن، وبالشكل الذي يضمن تحقيق نتائج ملموسة في محاربة الفاسدين».
وختمت الكتلة بيانها بـ«رفض تمرير ترشيحات الأحزاب للدرجات الخاصة، قبل أن تتم مقابلتهم من قبل لجنة مستقلة مشتركة بإشراف مجلس النواب ورقابة الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، واستبدال من لا تثبت كفاءته استناداً لمعايير أولها النزاهة والخبرة والاختصاص».