يفرض الفراغ الفني في كثير من الأحيان ويحتم الإفلاس الفكري نمطاً ركيكاً أو خفيفاً من الإبداع السينمائي يستهدف به المُنتجون ترويجاً سياحياً، توافقاً مع الاتجاه العام لسياسة الدولة، وتماشياً مع طبيعة السوق والذوق الشبابي، فهذه النوعية من الأفلام السينمائية الدعائية تركز بصفة خاصة على الشكل وليس على المضمون، فالموضوع الذي تم تناوله لا يعدو كونه مجرد إطار فقط لا غير استُخدم لربط الأحداث بعضها ببعض، وفق السياق المُتفق عليه بين كاتب السيناريو والمخرج.
في حالة كحالة فيلم «تماسيح النيل» للمؤلف لؤي السيد والمخرج سامح عبد العزيز، نلحظ ذلك التوظيف الدرامي النمطي لخدمة الفكرة السياحية التي تُشير إلى القيمة الجمالية لمدينتي الأقصر وأسوان، باعتبارهما من الأماكن الرئيسية للجذب السياحي على مستوى الطبيعة المُناخية، خاصة في فصل الشتاء ولاحتوائهما على أهم وأشهر المعالم الأثرية الكُبرى تقريباً. وربما يكون هذا الامتياز كافياً للتشجيع على إنتاج فيلم سياحي تتوافر له كافة عناصر النجاح إذا ما تم التنفيذ باحترافية تتناسب مع أهمية الغرض والهدف المنشودين، إذ لا يُمكن التعامل مع أحداث فيلم «تماسيح النيل» بافتراضية أخرى غير فكرة الترويج السياحي فحسب.
لقد اعتمد الكاتب والسيناريست لؤي السيد في نسج الحدوتة الخفيفة على ثيمه في غاية البساطة والتقليدية وهي الرغبة في الثراء السريع، وقفز الأبطال مصطفى خاطر وحمدي الميرغني وسوزان نجم الدين على واقعهم المُفلس، في محاولة الاحتيال على خالد الصاوي «الدكتور رأفت « الأستاذ الجامعي صاحب الثروة الطائلة للاستحواذ على بعض أمواله عن طريق الاستغلال والابتزاز العاطفي والإنساني، مُستغلين طيبته ووحدته وارتباطه الشديد بابنته الوحيدة الفتاة الجميلة ذات العشرين ربيعاً، التي نرى في تطور الأحداث أنها تميل عاطفياً إلى البارمان كريم عفيفي، الذي يبادلها الميل نفسه، ويبارك والدها الأستاذ الجامعي حُبهما ويوافق على خطبتهما، وهما لا يزالان على متن المركب السياحي التي تدور فيه كل الأحداث علماً بأنه لم يكن هناك سابق معرفه بين الطرفين!
الحكاية من بدايتها إلى نهايتها غريبة وغير منطقية، لكن مُبررها الوحيد أنها مجرد أحداث افتراضية لزوم الغرض السياحي الأساسي كما أسلفنا، وتتساوى غرابة العلاقة العاطفية الطارئة بين ابنة الأستاذ الجامعي والبارمان مع الدور الكاريكاتيري المُضحك الذي جسده بيومي فؤاد، قُبطان المركب المُصاب بفوبيا البحر والذي لا يُجيد السباحة ويقتصر دورة فقط على مراقبة كبائن النزلاء في المركب عن طريق مساعده سليمان عيد وشخص آخر جنده لهذا الغرض، دون معرفة أسباب المُراقبة ودواعيها. ناهيك عن التهافت في القصة المُفبركة والسيناريو المُفكك، فالكوميديا تجُب أحياناً هذه العيوب، وتسمح بما هو أكثر من ذلك، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في دور الأستاذ الجامعي خالد الصاوي الذي يتعامل بتعاطف ومثالية مع لصوص ونصابين، بل يؤكد علاقته بالاتفاق على الزواج مع سوزان نجم الدين الشخصية الرئيسية في شلة المُحتالين، لمجرد رسالة بعثت بها إليه تُبدي فيها الندم وتتراجع عن الخُطة التآمرية التي كانت قد رسمتها مع مصطفى خاطر وحمدي الميرغني للاستيلاء على أمواله باسم الحُب وإعمال أدوات الخديعة لتحريك مشاعره، ليُصبح صيداً سهلاً وثميناً للعصابة الشبابية الخائبة.
أتصور أن الفكرة الكوميدية التي قامت عليها الأحداث لاستثمار نجاح أبطال مسرح مصر، خاطر والميرغني وويزو، مع الممثلة خفيفة الظل بدرية طُلبة لم تكن لائقة ولا مُتفقة مع جرعات الوعظ والإرشاد الأخلاقي التي أوردها المؤلف لؤي السيد على لسان خالد الصاوي، ليُغطي بها عيوب السيناريو المُهلهل الضعيف بموافقة من المخرج سامح عبد العزيز، الذي أدرك ما يُعانيه الفيلم على مستوى الحدث الدرامي من مُشكلات، فلجأ إلى معالجة كل العيوب بالتركيز على الصورة الجمالية للمكان وشكل المركب الضخم من الداخل والخارج والمناظر الطبيعية التي استدعت أن يجعل لها الهيمنة الكاملة على الشاشة بتوسيع زاوية الرؤية لإبراز التفاصيل كافة. كما استخدم سامح الموسيقى كعنصر جمالي إضافي للفت انتباه المُشاهد وإجباره على التركيز الوجداني في اللحن المُميز لآلة الساكسفون، التي بدأ عزفها السلس والمُريح مع تتر البداية بالإيهام، أن العازف هو حمدي الميرغني الذي يهوى العزف والموسيقى ويحترف النصب والاحتيال، تماماً كما حاول مصطفى خاطر إيهام الدكتور رأفت الثري الساذج والسخي بأن ابنته الوحيدة مريضه بمرض عُضال وحياتها مرهونة بإجراء عملية جراحية ستتكلف آلاف الدولارات.. كلام لا ينطلي على شخص أبله ولا يصح أن يكون مادة درامية في فيلم كارتون، أو حلقة من حلقات مُسلسل ألف ليلة وليلة، لكن أجبر المخرج سامح عبد العزيز الجمهور على قبوله في فيلمه «تماسيح النيل» بقليل من الكوميديا وكثير من البلاهة!
كاتب مصري