تمرد فاغنر يكشف صراعاً على القوة في روسيا

محمود علوش
حجم الخط
0

بدا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نجح سريعاً في وضع نهاية للتمرد المسلح الذي قاده زعيم مجموعة فاغنر القتالية الخاصة يفغيني بريغوجين من خلال إبرام صفقة معه برعاية الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو. وتضمنت الصفقة عفواً عن بريغوجين وإسقاط القضية الجنائية ضدّه والسماح له بالعيش في بيلاروسيا مقابل وقف التمرد وتسليم فاغنر أسلحتها الثقيلة للجيش وتخيير مقاتليها بين توقيع عقود مع وزارة الدفاع الروسية أو التخلي عن وظيفتهم أو الالتحاق بمنفى بريغوجين. لا يزال التمرد ينطوي على الكثير من الألغاز التي يصعب فهمها من حيث أسبابه والكيفية التي انتهى بها، لكنّ الصفقة جنّبت بالفعل، أقلّه في الوقت الراهن، دخول روسيا في صراع مُسلح لا يُمكن التنبؤ بمآلاته وعواقبه. رغم ذلك، فقد ألحق التمرد القصير ضرراً كبيراً بصورة بوتين كرجل قوي ويصعب معالجته بأي حال. إلى جانب أنه أظهر أن دولة بحجم وقوة روسيا ليست مُحصّنة من الانزلاق في صراع داخلي خطير قد يُشكل تهديداً وجودياً لنظام بوتين، كشف أيضاً أن صراع بريغوجين مع الجنرالات الكبار في الجيش لم يكن مُقيداً بضوابط صارمة تمنع خروجه عن السيطرة.
ومع أن توقيف الجيش الروسي في الأشهر الأخير إمدادات الأسلحة عن مقاتلي فاغنر على خطوط الجبهة في أوكرانيا ومزاعم بريغوجين بأن الجيش الروسي شن هجمات دموية على مقاتليه أدى إلى انفجار الصراع، إلآّ أن هذا الصراع بين الطرفين كان يختمر لسنوات خصوصاً منذ أن بدأت فاغنر تصعد كقوة قتالية خاصة وتحظى بالمزيد من القوة في الكرملين على حساب جنرالات الجيش. حتى لحظة إعلان التمرد، كان بريغوجين شخصية مقربة للغاية من بوتين. حتى أنّ هناك من يعتقد أن بوتين سعى لتقويته ليس فقط من أجل تعزيز دور فاغنر في العمليات القتالية بالوكالة عن روسيا في الخارج، بل لاستخدامه كقوة توازن من أجل الحد من تنامي نفوذ المؤسسة العسكرية بشكل يُضعف هيمنة بوتين عليها.

بين المؤسسة العسكرية وبوتين

في زمن الحرب، عادة ما يكسب الجيش المزيد من القوة والتأثير حتى في الوقت الذي يظهر فيه على أنه ينفّذ قرارات الرئيس. مع ذلك، فإنه في بلد مثل روسيا، لا يُمكن معرفة بالضبط كيف تسير الأمور بين المؤسسة العسكرية وبوتين، قد يبدو الحديث عن مثل هذه الفرضيات غير واقعي تماماً أو جزءًاً من حملة تضليل يُروج لها في الغرب من أجل زرع انقسام بين بوتين والجيش. لكنّ شيئاً من هذا القبيل بدأ يظهر بالفعل بعد تمرد فاغنر لأنه كشف أن الأمور داخل المنظومة العسكرية والأمنية لا تسير على ما يُرام.
في بدايات الحرب الروسية على أوكرانيا، وبينما كانت العمليات العسكرية الروسية تتعثر بشكل مريع، كانت فاغنر تقود روسيا إلى تحقيق انتصارات مهمة على الجبهة عندما استولت على مدينتي باخموت وسوليدير. لقد ساعدت هذه الانتصارات فاغنر وزعيمها بريغوجين في اكتساب المزيد من السمعة والنفوذ أضافها إلى رصيده بعد الأدوار القتالية التي قامت بها فاغنر نيابة عن روسيا في مناطق مختلفة من العالم خصوصاً في أفريقيا. في الواقع، تحوّلت فاغنر إلى اليد الضاربة لروسيا في أفريقيا خصوصاً من أجل بناء النفوذ. قبل ذلك، كانت فاغنر تعمل كوكيل عن روسيا في دعم الانفصاليين الأوكرانيين في شرق البلاد منذ عام 2014 وهو ما ساعد موسكو في إنكار انخراطها العسكري في أوكرانيا في تلك الفترة. عندما يرى الجنرالات مثل وزير الدفاع سيرغي شويغو ورئيس الأركان فاليري غيراسيموف هذه القوة المتنامية لقائد مجموعة قتالية خاصة، فإنهم لا يملكون خياراً سوى التحرك لتحجيم نفوذ بريغوجين ليس لأنه منافس لهم على المكانة في الكرملين فحسب، بل لأن فاغنر أضحت بشكل متزايد قوة قتالية تحظى بالكثير من الاهتمام والشهرة في روسيا بالنظر إلى دورها النشط في العمليات القتالية في الخارج لا سيما في أوكرانيا.

أربع جهات عسكرية

من أجل فهم القوة التي حظي بها بريغوجين وفاغنر قبل التمرد، ينبغي تفكيك طبيعة دورها في المنظومة الأمنية والعسكرية لنظام بوتين ومعرفة نظرة أربع جهات عسكرية وأمنية لها وهي وكالة الاستخبارات والجيش ووكالة أمن الدولة وبوتين نفسه. وبينما لعبت وكالة الاستخبارات دوراً أساسياً في صعود فاغنر، فإن وزير الدفاع سيرغي شويغو سعى منذ توليه منصبه إلى تأكيد سيطرة الجيش على عمل المجموعة ونشاطها. وقد أجرى إصلاحات في وكالات الاستخبارات من خلال تشكيل قسم خاص للإشراف على أنشطة الشركات العسكرية الخاصة بما في ذلك فاغنر. لم يكن بريغوجين مرتاحاً بشكل خاص لمساعي شويغو في تأكيد السيطرة على نشاط فاغنر ومواردها القتالية ونظر إلى مساعيه على أنها محاولة لإضعاف دوره في ديناميكية القوة في موسكو. من الواضح أن شويغو واجه في الفترة الماضية صعوبة في جعل فاغنر خاضعة بالكامل لوزارة الدفاع بسبب ما يُعتقد أنها مكانة قوية كان يحظى بها لدى بوتين.
يبدو أن الجيش الروسي كان ليبقى متسامحا إلى حد معين مع النفوذ المتنامي لبريغوجين وفاغنر لولا أن المجموعة بدأت تظهر في حرب أوكرانيا على أنّها أكثر كفاءة من الجيش الروسي نفسه. لقد أتاحت الحرب لبريغوجين تطوير طبيعة عمليات فاغنر العسكرية إلى حد كبير، من قوة مرتزقة سرية ومُنكرة إلى وحدة عسكرية كبيرة وعمليات في عدة بلدان ومدفعياتها الخاصة وقواتها الجوية، فضلاً عن عمليات التجنيد العلني لها في شوارع المدن الروسية. إن أكثر الأسئلة المحيرة عن ظاهرة بريغوجين تتمحور حول مدى الدعم الذي كان يحظى به بالفعل عند بوتين وداخل المؤسسة العسكرية. لكن ما يبدو واضحاً أن دعم بوتين ساعد فاغنر في تطوير نفوذها في ديناميكية القوة في موسكو خلال السنوات التي تلت ظهورها في منتصف العقد الماضي. أما داخل المؤسسة العسكرية، لا يبدو أن بريغوجين كان يحظى بدعم الجنرالات الكبار عموماً، باستثناء الجنرال سيرغي سوروفيكين نائب قائد العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، والذي تزعم تقارير غربية أنّه قيد التحقيق حالياً بسبب مزاعم صلته ببريغوجين. لا يزال من الصعب التحقق من صحّة هذه المزاعم خصوصاً أن سوروفيكين لا يزال في منصبه حتى كتابة هذه السطور.
تُظهر الخلافات التي ظهرت بشكل مُعلن بين بريغوجين وكل من وزير الدفاع ورئيس الأركان أن حرب أوكرانيا ساهمت في تفجير هذا الخلاف وبأنها أيضاً دفعت بوتين إلى التخلي عن بريغوجين رغم أن فاغنر لا تزال تحظى بدور مهم في الاستراتيجية العسكرية الروسية في أوكرانيا وستبقى كذلك على الأرجح. يُمكن تفسير بدء بوتين إظهار القلق من بريغوجين بسبب تزايد جرأته في انتقاد القيادة العسكرية الروسية المسؤولة عن إدارة المجهود الحربي في أوكرانيا، والتي كانت سبباً أساسياً في هذا التحول. حتى إعلان تمرد بريغوجين، كان شويغو والجنرالات الآخرون يواجهون صعوبة في إقناع بوتين بتحجيم دور فاغنر. على سبيل المثال، عندما انتقد بريغوجين وزارة الدفاع الروسية بسبب وقف إمدادات الأسلحة لفاغنر على خطوط الجبهة في أوكرانيا في وقت سابق هذا العام، أعاد الجيش استئناف هذه الإمدادات بطلب من بوتين على الأرجح. رغم ما يبدو أنها ثقة قوية كان بريغوجين يحظى بها لدى بوتين، إلآّ أنّ جرأته المتزايدة في انتقاد الجيش وصولاً إلى إعلان التمرد دفعت بوتين إلى الإنصات بشكل أكبر لهواجس الجنرالات الكبار في الجيش إزاء بريغوجين. ما يُفسر ذلك أن الصفقة التي أبرمها بوتين مع بريغوجين بوساطة لوكاشينكو لإنهاء التمرد لم تتضمن الاستجابة الفورية لمطالب قائد فاغنر بإقالة وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان. وفي علامة على أن بوتين لا يزال متمسكاً بشويغو وغراسيموف، عقد اجتماعاً مع الطرفين بعد إنهاء التمرد كما نشرت وسائل الإعلام الحكومة الروسية صوراً لشويغو وهو يُشرف من أحد القواعد العسكرية الروسية على العمليات العسكرية للجيش الروسي في أوكرانيا.

ابتزاز بريغوجين

إن تمسك بوتين بعدم إحداث تغيير عسكري في قيادة الجيش له ما يُبرره من منظور واقعي. قبل كل شيء، فإن إحداث هذا التغيير كنتيجة للتمرد سيُظهر بوتين على أنه خضع لابتزاز بريغوجين تحت قوة التمرد ما يُعطي مؤشرات على ضعف الرئيس. كما أنه من المنطقي أن يتمسك بوتين بالجنرالات الذين طالب بريغوجين بإقالتهم لأنهم يُمثلون المؤسسة العسكرية. علاوة على ذلك، فإن إحداث تغييرات في قيادة الجيش في ظل الحرب الروسية الأوكرانية والهجوم العسكري المضاد الذي بدأته أوكرانيا ضد القوات الروسية قبل أسابيع ينطوي على الكثير من المخاطر ويُظهر بشكل أوضح حالة الارتباك لدى بوتين. لهذه الأسباب جميعها، لم يكن مفاجئاً أن يتخلى بوتين في نهاية المطاف عن بريغوجين ويُنصت لجنرالاته بضرورة حسم ملف بريغوجين ومجموعة فاغنر عموماً. حتى الوقت الراهن، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان بوتين سيحل شركة فاغنر بشكل نهائي، لكنّ الصفقة التي وافق عليها تُشير إلى أن الرئيس الروسي قد يسعى للحفاظ على فاغنر ككيان عسكري خاص مع إعادة تأهيل المجموعة وتعيين قائد جديد لها أكثر إخلاصاً للرئيس. سيكون الجيش عموماً الرابح الأكبر من إبعاد بريغوجين عن المشهد وتأكيد سيطرته على شركات الأمن الخاصة التي ستُصبح أكبر ارتباطاً بوزارة الدفاع في المستقبل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية