تمنحه القدرة على مفاتحة اللامرئي: رواية المتاهة ملحمة الإنسان الأحدث

إبراهيم محمود
حجم الخط
0

هل يمكن إطلاق العنان – ولو قليلاً – لقول إن عصرنا هذا هو عصر المتاهات الكبرى وغير المسبوقة، وبالتالي، فإن الفن الأدبي عموماً، والروائي منه خصوصاً، يستحق أن يشكّل ملحمة الإنسان الأحدث ضمنياً؟
أم ترانا نحن أنفسنا بالذات نولد ضمن متاهات، ونُمتحَن من خلالها على مدار العمر، وبسويات مختلفة؟
وإذا كان المفهوم يُعتبر حامل هويات ناقصة دائماً، ومتأهلة للتحول والتغير، بتفاوت، فيعني ذلك أن مفهوم الملحمة الذي قيّض له أن يكون علامة مائزة للرواية ذات يوم، بمفهومها الطبقي «البرجوازي» كما ذهب لوكاتش إلى ذلك، أصبح دالة العصر الكبرى. إنه مميّز لإنسان اليوم، وهو يصهِر داخله جهات جغرافية، وعوالم مختلفة، ولغات وثقافات منزوعة الحدود، وما يترتب على كل ذلك من مضاعفة الأدوار، وتعميق مفهوم الزمن هندسياً. لقد أصبح الإنسان حديثاً، وبنسخته الأحدث، المفرد الجمعي لما هو ملحمي.
وفي أساس المتاهة، التي طعَّم بورخيس داخلها ثقافات وأصواتاً تسمي جهات وعصوراً، كما لو أنه مهّد للتالي عليه، ليشهد، كما يعيش هذه المتاهة، وقد تكَوكب داخله بأكثر من معنى. وأهوال الراهن شاهدة على هذه النوعية فيها.
لم تعد العزلة قائمة، إن تجاوبنا لبعض الوقت مع هيدغر، حيث إن أحدنا (لا يستطيع أن يكون وحيداً البتة. ذلك أن الوحدة لها نفوذ متميز تماماً في ألا «تعزلنا»، ولكن بالعكس، في أن تلقي بحياتنا كلها بجوار جوهر كل الأشياء).
ثمة روائيون يتملكهم شغف لافت بمتاهات كهذه، وقد صار كل فرد جمعاً مركَّباً، رغم صعوبة التحدي وتبعات العقد الموقَّع ضمناً مع نص روائي ينفتح على الجهات كافة، وبأبعاد كثيرة. يا لها من مغامرة المتاهة الرهيبة.
يحضر هنا في الحال الكاتب والباحث والفنان والروائي العراقي برهان شاوي المعروف بروائي المتاهات وهي تسع وفي 3700 صفحة من القطع الكبير عموماً، وهي بالتسلسل: متاهة آدم، متاهة حواء، متاهة قابيل، متاهة الأشباح، متاهة إبليس، متاهة الأرواح المنسية، متاهة العميان، متاهة الأنبياء، متاهة العدم العظيم.
وأتصور، وأنا أورد أسماء «أفراد» عائلة المتاهة هذه، كيف تسنّى لشاوي أن ينخرط في لعبة متاهة، ويشعّب أفكاره، خيالاته، وساوسه، دوائر صورة وتنسيباتها الثقافية والرمزية، بعُمران فني، ثم يخرج من «أسفل» العوم، متهيئاً للانخراط في التالية، إلى الأخيرة، دون أن ينال منه رعب المتخيّل، وتسوناميات المرصود في المنطقة وأبعد طبعاً. الحامل الأوحد: المتاهة، سوى أن لكل متاهة جغرافيتها النصية، شخوصها، منغصاتها، أحوال دسائسها، وإن كانت تتداخل مع البقية، كما في حال سلسلة النسَب التي تتقاسم آدم وحواء: آدم البغدادي، آدم التائه، آدم المطرود، آدم التكريتي، آدم تورك، آدم المحروم، آدم الزاهد، آدم الملا، آدم الغفاري، آدم الشبيبي، آدم بوناروتي، آدم المظلوم… وكذلك الحال مع حواء: حواء المؤمن، حواء الصايغ، حواء المظلوم، حواء المحروم، حواء ذو النورين، حواء الكرخي…الخ.
إنما يبقى آدم مميَّزاً بالكثرة في التنسيب، وتمثيل الأدوار، والتنقلات السندبادية التي لا تهدأ وفي أصقاع شتى، انطلاقاً من مفهوم جنساني، قيمي واعتباري طبعاً، فهو يتكلم مجتمعه، وثقافة مجتمعه، وما يسوسهما دلالياً.
وفي السياق نفسه، يظل الرحم العراقي، وهو في ثراء جيناته المتعددة المناخات والأصوات والقسوة والعنف، كما هو لسان تاريخه، وحِداد جغرافيته الذي لا يتوقف، هو الأبرز في النسيج الروائي الهائل والمدوخ لمتاهاته.
ليقول أحدهم إن الذي يجلو الفضاء النصي لعموم المتاهات هو السرد اللافت بخاصيته الثقافية، وربما نخبويته، حيث تتشابك علوم، وآداب، وأفكار من عصور وألسنة مختلفة، سوى أن الصهارة الرحمية الكبرى لهذه المتاهة وشقيقاتها الأخرى، تحتفظ بمشروعيتها في الطرح وتعزيز أثرها الزماني- المكاني: الطوفان الخرائبي شبه المعمَّم.
ربما بالطريقة هذه، حيث يخرج القارئ (قارئي الذي أتصوره، طبعاً) من مضمار نص إلى آخر، وهو يعايش أهوالاً، ويستغرب من الحضور المتدفق والدواماتي للأحداث ومصيبة الـ«آدمات» أم الآدمين في الاسم الواحد نفسه، وحتى بالنسبة للمبتلية بالأمومة الفاجعة المفجعة «حوّاء» ولسان حاله يقول: كيف لم يفقد شاوي رشده، أو يعلن فك ارتباطه الفني بمتاهته في تاسوعيتها؟ ذلك هو الرهان الكبير للكاتب الذي يعيش أهوالاً، دون أن يفقد توازناً وهو يطلق عليها أسماءه.
يكمن في النقطة المركَّبة والبارزة هذه تحديه مع نفسه، باعتباره كسواه مأهولاً بمثل هذه التسوناميات، ومع نفسه، باعتباره الكاتب الذي تحرَّر بأكثر من معنى، مما هو يومي، وعرَضي فيه، ليؤمّن رصيداً ببعده الفضائي . المدينة رهانه، في البدء والمختَتم، لأن المدينة هي الخمرة والعجينة، فمنها، وإليها، يؤرَّخ للحياة عينها.
وفي آدم البغدادي، العاصمة التاريخية التي تتقاسمها فواجع وفظائع دون انقطاع، تكون الذاكرة الساخنة والتاريخ الدامي.
في بدء كل متاهة، ما يوسّع دائرة اليقظة بزاوية كاملة (دوّى انفجار هائل فاهتزت البناية. فزّ الكاتب آدم البغدادي من نومه مرعوباً على صوت الانفجار الذي ارتجت جدران الشقة وأرضيتها من قوته…نهض قلقاً من النافذة المشرفة على مشهد مفتوح من بغداد، فرأى دخاناً كثيفاً يتعالى من جهة منطقة «الصالحية»…اعتاد آدم البغدادي هذه المشاهد التي صارت من يوميات مدينة بغداد). هكذا الحال مع آدم المحروم، في مستهل «متاهة حواء»، ط1، 2020، ص7. وفي «متاهة قابيل»، ط1، 2021، ص7. ومستهل «متاهة الأشباح»، ط1، 2021، ص 7. ومع الإشارة إلى رعب حدث كان، في مستهل «متاهة العميان» ط1، 2016، ص 9، وما يسمّي ظلمة المكان، في مستهل «متاهة الأنبياء»، ط1، 2019، ص9. وفي السرد العاصف للأحداث، وتداخلها، حيث تتعاظم أبعاد المتاهات، وهي تتزاحم بمجمل وقائعها الفنية في «متاهة العد العظيم»، ط1، 2019، ص 10.
إن وقفة مع هذه الأخيرة، تنير شقيقاتها الأخريات وتجلو الكارثي المجتمعي، والإنساني، والجغرافي، والتاريخي فيها. في « العدم العظيم « تومض شيفرة الكتابة الروائية، علامة الملحمة الفردية التي تتبصر عالماً قائماً بمسكوناته.
كيف أجاز شاوي لنفسه أن يسمي متاهاته بـ«المتاهات» وهو يضيء إحداثياتها، بطابعها الليلاتي؟
لا بد أن العين «الثالثة» التي تعبر أسوار المكان اللامرئية، وتهِب الكائنات حيوية التجسيد والتمثيل.
وليكون جزء «العدم العظيم» أكثر من كونه الحصيلة لما كان، فليس من حركة نقلة حسابية من – إلى، إنما ما يمنح كل متاهة بدعة تكوينها، جنونها العاقل، وعقلها المجنون، كما هو العدم العظيم، وما في التسمية من مفارقة: كيف للعدم أن يكون عظيماً، إلا حين يوفّر لقارئه، لمن يعنيه شأن جمالية النص الأدبي، قدرته على مفاتحة اللامرئي، أو قابليته الهائلة في الدفع بالقارئ إلى أن يقيم حواراً مع نفسه الغائمة المظلمة، الأطلسية والمثلثية البرمودية…!
يكون آدم الأكويني الكاتب، ظاهراً هنا، إنما بفضيلة آدم البغدادي، ويتراءى الحساب العسير من العبارة الأولى من الرواية: (الساعة تشير إلى التاسعة من مساء اليوم التاسع في الشهر التاسع، وفي شقة بالطابق التاسع في الحي التاسع والمسمى بمجمع «الجحيم- أونفيرنو» السكني).
تنفتح الأزمنة، كما هو شأن الأدب في تحرير الزمان من تقسيماته، حيث الإنسان هو هو، وما هو مختلف فيه. الأكويني المسكون الغنوصي بما هو لاهوتي وناسوتي يهمه متحول اعتباري كهذا. تكون له اتصالاته، هناك آدم الغوريلا وحواء المتهورة (الصفة نابضة بالرمز العاصف). لننظر في قولة الغوريلا للأكويني والدال على الراهن: (أنت تعرف ما يجري في العراق. إذا أراد أحد الأحزاب أو الشخصيات المتنافسة بأن يقضي على غريم له، فأسهل شيء يتم اغتياله واتهام الإرهابيين بذلك).
طبعاً، من المستحيل بمكان، إنارة الرواية هذه بالكم المحدود من الكلمات، لا بد من قراءة نقدية تقاربها في المساحة المعطاة، لمعرفة أصناف الخرائب، ومأساة الخلق في الإنسان، ألم يقل آدم الأعمى: (أنا آدم الأعمى- أنا الزمن الميت الحي..- أنا المبعثر في اللامكان…- لا ضفاف لفوضاي)، تعزيزاً إشهارياً بهذه المتاهة المستفحلة؟
أليس العنف المميت والقائم، منطلقاً من رغبة الإنسان في أن يكون سيداً إزاء عبودية الآخر واعترافه القسري بسيادته، كما هو المشار إلى جاك لاكان، ليبقى العنف الدموي على أشده تالياً!
أليس المسمى على لسان الفتى آدم، وهو (يقلب حزمة الأوراق البالية التي عثر عليها في خرائب مجهولة ولم يُعرف عنها شيء والتي كتب عليها عنوان واحد دون ذكر لاسم كاتبها، عنوان غامض) تعرية كاملة لموجود وجود هو الإنسان، يُعتبَر خليفة الخالق على أرضه، وهو يبث خراباً في كل ما تصل إليه يداه ولسانه قولاً وكتابة؟
في متاهات برهان شاوي، ينتاب قارئه شعور بالمتعة المؤلمة على وقع هذا الجريان الهائل لأحداثه وتصادمها، إنما ما يؤاسي ويعوّض مشاق قراءة متاهاتية كهذه، هو الشعور الحاد بمعرفة الغفل من الاسم، ويخرج من المتاهات أكثر وعياً.
دون ذلك لا يمكن الحديث عن جمالية القراءة، أو متعة المتحصّل منها. إنها حِدادنا ونحن أحياء شديدو اليقظة بامتياز!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية