في اذار/مارس الماضي، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” هزيمة تنظيم “الدولة” الإقليمية من آخر مناطق سيطرته في العراق وسوريا بعد استعادة السيطرة على منطقة الباغوز في ريف دير الزور الشرقي على الحدود مع العراق.
لكن هزيمة التنظيم العسكرية لم تقوض الكتلة البشرية التي يتشكل منها رغم خسارته الآلاف من مقاتليه في الحرب التي شنتها دول التحالف طيلة أكثر من ثلاث سنوات ومقتل كبار قادته من الصفوف المتقدمة تشير تقارير إلى أن 43 شخصا من أبرز قيادات التنظيم قتلوا خلال السنوات الأخيرة، كان آخرهم أبو بكر البغدادي، كما أن 97 من قيادات الصف الثاني قتلوا أيضاً.
من المؤكد ان مقتل أمير تنظيم “الدولة” أبو بكر البغدادي سيترك آثارا مهمة على بنية التنظيم واستراتيجياته المستقبلية، لكن مقتل البغدادي لا يعني الكثير في ما يتعلق بنهاية التنظيم أو حتى تراجع نشاطاته أو احتمالات تفككه، بل قد يكون العكس.
دولة الخلافة
تنظيم “الدولة” هو الامتداد الطبيعي لتنظيم التوحيد والجهاد الذي شكله أبو مصعب الزرقاوي نهاية عام 2003 قبل أن يتحول إلى فرع لتنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن ومن ثم إعلان “دولة العراق الإسلامية” بعد مقتل الزرقاوي في حزيران/يونيو 2006 واختيار أبو عمر البغدادي أميرا لها وهزيمة التنظيم عام 2007 على يد الصحوات العشائرية بالتحالف مع بعض فصائل المعارضة العراقية المسلحة بدعم من الولايات المتحدة التي كانت تحتل العراق.
بعد مقتل أبو عمر البغدادي في 2011 عين مجلس شورى دولة العراق الإسلامية أبو بكر البغدادي أميرا لها في مرحلة الإعداد والتحضيرات في معسكرات صحراء غرب وشمال غرب العراق لعودة التنظيم في مطلع عام 2014 للسيطرة على مدينة الفلوجة ومن ثم بعد نصف عام على مدينة الموصل وأجزاء واسعة من غرب وشمال غرب العراق، وأجزاء أخرى من سوريا أيضا.
شكلت الولايات المتحدة بقيادتها بعد أحداث الموصل 2014 تحالفا دوليا من نحو 70 دولة للحرب على تنظيم “الدولة” بقيادة أبو بكر البغدادي الذي أعلن في 29 حزيران/حزيران “دولة الخلافة الإسلامية” من جامع النوري في الموصل.
بعد ثلاث سنوات من حرب التحالف الدولي واسناده لقوات برية مثل القوات الأمنية العراقية والحشد الشعبي والحشد العشائري وقوات البيشمركه الكردية في العراق وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” وفصائل أخرى من الجيش الحر في سوريا، انتهت السيطرة المناطقية للتنظيم بشكل كامل في البلدين من دون أن ينتهي تهديده عبر مجموعات صغيرة متنقلة تنفذ عمليات قتالية وأمنية في مناطق عدة من العراق وسوريا.
وبعد يومين من مقتله، أعلن التنظيم عن ابي إبراهيم الهاشمي القرشي أميرا له خلفا لأبي بكر البغدادي.
لا تزال شخصية القرشي غير معروفة خارج الدائرة الضيقة لقيادة التنظيم الذي لم يصدر أي معلومات تتعلق بشخصيته أو مسيرته باستثناء القول إنه عالم دين ومجاهد.
ومعروف عن تنظيم “الدولة” منذ بداية تأسيسه اعتماده هيكلا تنظيميا “منضبطا” على مستوى القيادات المتقدمة والعناصر مع اتاحة هامش لأمراء المناطق باتخاذ القرارات المتعلقة بالعمليات القتالية من دون الرجوع إلى القيادات العليا لقضايا تتعلق بأمن التنظيم الذي يبتعد في الغالب عن استخدام تقنيات الاتصالات الحديثة.
هزيمة معنوية
قد تشكل عملية مقتل البغدادي هزيمة “معنوية” لجنوده، لكنها في الغالب هزيمة “مؤقتة” إذ اعتاد جنود التنظيم على مقتل قاداتهم ابتداءً من أبي مصعب الزرقاوي مرورا بأبي عمر البغدادي ورفيقه أبو حمزة المهاجر وعدد من كبار قياداته في إمارة أبو بكر البغدادي، منهم المتحدث الرسمي أبو محمد العدناني وخلفه أبو الحسن المهاجر وأبو عمر الشيشاني وحجي بكر وعشرات آخرين، وآخرهم أبو بكر البغدادي.
وفقا لخبراء، فان فترة سيطرة تنظيم “الدولة” على مساحات واسعة من العراق وسوريا بين عامي 2014 و2019 امتازت بخلق أعداء كثيرين سواء من المجتمعات المحلية أو من فصائل المعارضة السورية الإسلامية وغير الإسلامية، وكذلك من دول مؤثرة في سوريا والعراق مثل روسيا وإيران وتركيا.
ومع ان الاستراتيجيات المعلنة للتنظيم تفترض إقامة دولة “الخلافة الإسلامية” وتحكيم “الشريعة الإسلامية” في مناطق السيطرة، إلا أن واقع ضعف التنظيم سواء في العنصر البشري أو الآليات والمعدات القتالية يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن قياداته التي تدرك واقع حالة الضعف التي يمر بها التنظيم لا تفكر في المرحلة الراهنة باستعادة السيطرة على المدن وإدارتها.
كما ان قيادات التنظيم تدرك انها فشلت في إدارة السكان الذين خضعوا لسيطرتها إلى الحد الذي فقد البيئة الاجتماعية الحاضنة له حتى قبل خسارته معاقله الكبرى من الرقة والموصل ومدن أخرى بسبب فرض رؤيته “المتشددة” لتطبيق أحكام الشريعة وفق فهمه الخاص به بدون مراعاة طبيعة مجتمعي سوريا والعراق وتأثير عقود طويلة من الحكم “العلماني”.
أيديولوجية التنظيم
وتشكل أيديولوجية التنظيم تهديدا حقيقيا سيظل قائما كما أفصحت عنه أحاديث لنساء وأطفال في مخيمات الاحتجاز شمال شرق سوريا أتاح لها الإعلام فرصة الظهور والتعبير بدون ضغوط عن رأيهم بمقتل البغدادي.
ولا يزال هناك المزيد من “المؤدلجين” من مقاتلين أو مؤيدين للتنظيم من العراقيين والسوريين والأردنيين يفضلون البقاء في الساحتين السورية والعراقية لإعادة تنظيم صفوفهم واستئناف نشاطاتهم بزخم قتالي أكبر.
وينشط مقاتلو التنظيم منذ هزيمتهم في شرق سوريا، وقبلها في آخر معاقلهم في العراق نهاية 2017 في مناطق جغرافية تمتاز بالهشاشة الأمنية والتضاريس الوعرة في صحراء الأنبار ونينوى وصلاح الدين وكركوك وبادية الشام بما يسهل حركتهم وتنفيذ عملياتهم.
وفي دلالة على إدراك الولايات المتحدة لبقاء تهديدات تنظيم “الدولة” حتى بعد مقتل البغدادي، أعادت القوات الأمريكية انتشارها في شرق سوريا لتأمين مناطق حقول النفط في دير الزور شرق سوريا.
يمكن لأي من يتبوأ قيادة تنظيم “الدولة” خلفا للبغدادي الاستثمار في ذات الأمور التي استثمرها التنظيم منذ نشأته في نهاية 2003 واستغلال معاناة المجتمعات المحلية سواء تلك التي تتعلق باستمرار احتجاز عشرات آلاف من العرب السنة في العراق أو عدم جدية الجهات صاحبة القرار في تسوية المشاكل بين عناصر التنظيم وسكان المناطق واضطرار هؤلاء العناصر على مواصلة العمل في صفوف التنظيم، وهم في العادة مطلوبون أما للسكان المحليين أو القضاء العراقي.
ويبقى القول إن تنظيم “الدولة” بموت البغدادي لا تزال لديه فروع عدة في سيناء وليبيا وسيرلانكا والفلبين ودول أخرى في جنوب شرق آسيا وافريقيا، وكذلك في الهند وباكستان وأفغانستان بالإضافة إلى وجوده الأساسي في سوريا والعراق.
وسيستمر التنظيم في استخدام أسلوب التفجيرات وكمائن العبوات الناسفة والاغتيالات وأساليب أخرى تندرج في سياق سياساته الجديدة باللجوء إلى حرب الاستنزاف لإضعاف قدرات “العدو” وإثبات وجوده على الأقل في وسائل الإعلام أمام مناصريه وأتباعه حول العالم بما يقلل من تداعيات مقتل البغدادي.