تنظيم “الدولة”: محطات في تاريخ صراعه من أجل البقاء

رائد الحامد
حجم الخط
0

أدى الانسحاب الأمريكي من العراق عام 2011 إلى خلق فراغ أمني وسياسي نجحت إيران في ملئه عبر قوات حليفة لها من المجموعات الشيعية المسلحة التي تم تشكيلها قبل وبعد احتلال العراق والتي كانت تنشط بشكل أكبر خلال الحرب الطائفية بين الشيعة والعرب السنة بين عامي 2006 و2008 أثناء تواجد القوات الأمريكية في العراق التي انشغلت بقتال تنظيم “الدولة” وفصائل المقاومة السنية.

منذ أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 برز تنظيم القاعدة كفاعل أول في المشهد “الجهادي” حول العالم قبل ان يتنزع منه تنظيم “الدولة” صدارة المشهد عام 2014 في عدد من “الولايات” المنتشرة في دول عدة من غرب افريقيا إلى شرقها وفي عدد من دول الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا.

تعد الدولة الإسلامية، أو دولة الخلافة الإسلامية (2014 حتى الآن) امتدادا تنظيميا للدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” (2013 إلى 2014) وقبلها دولة العراق الإسلامية (2006 إلى 2013) التي سبقها تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين (2004 إلى 2006) الذي هو نتاج لتنظيم كتائب توحيد الجهاد التي أسسها أبو مصعب الزرقاوي نهاية عام 2003.

إعلان “البيعة الشرعية”

في الاستراتيجيات البعيدة لتنظيم “الدولة” بعد أحداث الموصل 2014، يصر التنظيم على خطابه الداعي لإنشاء “دولة الخلافة الإسلامية” التي يراد لها ان تحكم العالم وفق فهمها الخاص للشريعة الإسلامية على أساس إعلان “البيعة الشرعية” لخليفة المسلمين أبو بكر البغدادي للسكان الخاضعين لسلطة التنظيم.

لعب التحالف الدولي بمشاركة نحو 80 دولة وبقيادة الولايات المتحدة العامل الحاسم في تراجع أداء مقاتلي التنظيم وقدراتهم بالدفاع عن المدن الخاضعة لسيطرتهم نتيجة حملات القصف الجوي المكثفة التي بلغت أعداد القنابل والصواريخ أكثر من 100 ألف استهدفت مواقع ومدن سيطرة التنظيم لإسناد القوات البرية أثناء اقتحام المدن، مثل قوات البيشمركه الكردية والقوات الأمنية وقوات سوريا الديمقراطية، وأيضا فصائل الحشد الشعبي الذي ترتبط معظم قياداته بعلاقات تحالف وثيقة مع الحرس الثوري الإيراني ومكتب المرشد الأعلى علي خامنئي.

بعد معركة تكريت في نيسان/ابريل 2015 بدا واضحا ان التنظيم في طريقه لخسارة جميع مناطق سيطرته طالما تدخلت قوات التحالف الدولي لإسناد القوات البرية، القوات الأمنية والحشد الشعبي.

وفي سوريا تدخل التحالف الدولي بعد نحو شهر من تشكيله بالضربات الجوية لمواقع التنظيم بهدف اضعافه وتدمير قدراته، إلا ان التحالف بين قوات التحالف وقوات سوريا الديمقراطية التي تقودها وحدات حماية الشعب الكردية وتضم نسبة من المقاتلين العرب، زاد من الضغوط على التنظيم الذي فشل في السيطرة على بلدة عين العرب “كوباني” وبعدها توالت خسارته لمدن مهمة، مثل الرقة العاصمة الافتراضية لدولة الخلافة الإسلامية، وبعدها دير الزور وغيرهما.

أدت عمليات التحالف الدولي إلى دمار واسع في مدن عراقية وسورية من خلال ما يزيد عن 34 ألف غارة جوية وحملة قصف مدفعي توزعت بواقع 14.5 ألف غارة في العراق و19.5 غارة في سوريا، وفق بيانات أمريكية أشارت إلى استخدام ما لا يقل عن 116 ألف قنبلة وصاروخ أطلقت من الجو.

وفي تقارير مستقلة، أشارت إلى ان أكثر من 7500 مدني قتلوا في سوريا والعراق جراء عمليات التحالف الدولي منذ تشكيله عام 2014.

وتشير بعض التقديرات إلى ان حوالي 425 من المقاتلين الأجانب ممن يحملون الجنسية البريطانية قد عادوا إلى بلدهم خلال ستة أشهر بعد تشرين الأول/اكتوبر 2017، وحوالي 271 إلى فرنسا و300 إلى ألمانيا خلال الفترة نفسها مع أعداد أخرى أقل إلى كل من الولايات المتحدة وبعض دول الاتحاد الأوربي؛ يمكن لهذه الأعداد الكبيرة نسبيا ان تشكل تهديدا جديا لأمن تلك الدول إذا تمسك العائدون بايديولوجية التنظيم، واحتفظوا بالخبرة الأمنية والقتالية المكتسبة في فترة عملهم مع التنظيم في العراق وسوريا.

الصراعات الكامنة في المجتمع

ركزت الولايات المتحدة في تحالفها الواسع لقتال تنظيم الدولة على الجوانب العسكرية والأهداف قصيرة الأمد في حين أغفلت العمل على معالجة الأسباب الحقيقية للصراعات الكامنة في المجتمع والتي أدت إلى زيادة مستويات العنف والتشجيع على ظهور التنظيمات العنفية أو الموصوفة أمريكيا بالتنظيمات الإرهابية.

لا يمكن للمعالجة العسكرية أحادية الاتجاه تحقيق الأمن والاستقرار على المدى البعيد؛ يمكن لهزيمة تنظيم “الدولة” عسكريا ان تؤدي إلى نوع من الهدوء الأمني النسبي كخيار يلجأ إليه التنظيم لإعادة رسم استراتيجياته وفقا للمتغيرات والدروس التي استفاد منها خلال ثلاثة أعوام من سيطرته على مدن ومساحات واسعة في العراق وسوريا، واتساع نفوذه ووجوده في ساحات بعيدة في اليمن ومصر وليبيا وأفغانستان وغيرها.

وانفقت الولايات المتحدة ما لا يقل عن ستة ترليون دولار طيلة سنوات الحرب الكونية على الإرهاب التي أعقبت أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 بينما ازدادت أخطار التطرف والإرهاب لأسباب تتعلق بقصور الرؤية الاستراتيجية التي اعتمدت المعالجة العسكرية مع اهمال معالجة الأسباب التي تغذي نمو الفكر المتطرف ونشوء التنظيمات الإرهابية، وهي في معظمها تتعلق بالحالة الاجتماعية والشعور بالظلم والتهميش والإقصاء لبعض المجتمعات المحلية.

التطرف مشكلة سياسية ذات أبعاد اجتماعية

التطرف ليس وليد دين معين أو فكر معين انما هو بطبيعته مشكلة سياسية ذات أبعاد اجتماعية على صلة بطبيعة المجتمعات والعوامل المساعدة لتغذية مثل تلك المشاكل الاجتماعية التي تنمو مع زيادة المعاناة الإنسانية والشعور بالظلم والعدوان الخارجي وغيره.

لذلك فان مكافحة الإرهاب أو التطرف لا يشمل فقط الاهتمام بما يتعلق ببناء الدولة ومؤسساتها، العسكرية والأمنية خاصة، انما ببناء شبكة تحالفات من القوى المحلية قادرة على كبح جماح التهديدات المناطقية وصدها وحماية أمن واستقرار المدن التي تتواجد فيها.

وتشكل خسارة تنظيم “الدولة” آخر مناطق سيطرته في سوريا وقبلها في العراق، هزيمة عسكرية استراتيجية من دون أن تعني هزيمته الكلية والقضاء التام على تهديداته.

ولا تزال الفكرة المحورية التي قامت على أساسها التنظيمات المتطرفة، مثل تنظيم “الدولة” قائمة.

ولم تتغير الاستراتيجيات قصيرة المدى وأهدافها البعيدة إذ لا يزال التنظيم يحتفظ بجوهر الفكرة التي قام عليها، وهي فكرة السلفية الجهادية التي تهدف لإقامة دولة الخلافة الإسلامية وفق الشريعة الإسلامية والتي تتطلب “جهادا” ضد الكفار والمشركين حول العالم.

أظهر تنظيم “الدولة” مرونة عالية في إعادة هيكلته، وقدرات غير اعتيادية على التكيف مع التطورات على الأرض والخسائر المتتالية التي لحقت به طيلة سنوات.

وستجد قيادات التنظيم بعد خسارته مناطق سيطرته في سوريا نفسها أمام واقع إثبات وجود التنظيم أمام مقاتليه أولا، وأمام العالم ثانيا، وانه لا يزال على قيد الحياة.

في المرحلة الراهنة، ستتحول نشاطات التنظيم إلى استنزاف العدو المفترض عبر حرب العصابات مع مواصلة الدعاية الإعلامية وتوسيع نطاقها في محاولة منه لمزيد من تجنيد الشباب الذي يشعر بالظلم أو الملاحقين قضائيا أو أولئك المطلوبين عشائريا.

قد لا تعود الظروف مؤاتية لعودة التنظيم في المدى القريب، 3 إلى 5 سنوات، والسيطرة ثانية على المدن واخضاعها، سواء ما يتعلق بالعامل البشري إذ فقد التنظيم كبار قادته ومئات المقاتلين من ذوي الخبرة القتالية المتراكمة من ساحات عدة، أو ما يتعلق بقضايا التمويل اللازم والمعدات القتالية، وأيضا المناطق الآمنة لإقامة معسكرات تدريب مقاتليه، أو القبول المجتمعي له إلا في حال اتبع نهجا فكريا أقل تشددا وسلوكا مغايرا في التعامل مع البيئة الاجتماعية المحيطة به.

سلسلة تفجيرات

وفي رسائل واضحة وجهها تنظيم “الدولة” في أعقاب خسارته معركة الباغوز، أطلق سلسلة من التفجيرات “الانتحارية” في عيد الفصح في سيريلانكا نفذها تسعة أشخاص من أعضاء التنظيم، بينهم امرأة، استهدفوا فنادق وكنائس أسفرت عن مقتل نحو 300 شخص.

وتوحي تفجيرات سريلانكا باستمرار تهديد التنظيم للأمن والاستقرار في دول مختلفة حول العالم على الرغم من خسارته جميع أراضي سيطرته في العراق وسوريا.

وسيستمر تهديد التنظيمات الإرهابية باستخدام وسائل متنوعة تتكيف مع المتغيرات في أساليب مواجهتها التي شهدت الكثير من استخدام التكتيكات “غير المتوقعة”.

حتى بعد مرور نحو عام ونصف على إعلان العراق النصر على تنظيم “الدولة” ونحو ذلك من خسارة التنظيم مدينة الرقة السورية “العاصمة الافتراضية” وجميع المراكز الحضرية التي كانت تخضع لسلطته، تبدو الظروف مهيأة من جديد لعودة جديدة للتنظيم في العراق وفق تصريحات لمسؤولين محليين في محافظتي نينوى والأنبار تحدثوا عن احتمالات سيطرة التنظيم على مدن عدة في محافظة نينوى خاصة.

ولا يزال أمير التنظيم أبو بكر البغدادي يتواجد في مكان ما، كما ان العديد من كبار قادته لا يزالون على قيد الحياة.

وعلى الرغم من خسارته العدد الأكبر من أهم قياداته وحالة “التمرد” الداخلي في الصف القيادي الأول الذي تحدث عنه أحد مساعدي البغدادي بكتاب عنوانه “كفوا الأيادي عن بيعة البغدادي” غير ان التنظيم اعتاد على مثل تلك الخسارات التي ستكون لها تداعيات سلبية على أداء التنظيم وقدراته لكنها بالتأكيد لن تؤدي إلى نهايته طالما ان الأساس الذي يعتمد عليه التنظيم في البقاء هو الحفاظ على العنصر البشري، وهي استراتيجية اتبعها بالانسحاب المنظم من جميع مدن سيطرته إلى مناطق أخرى أما باتفاق مع القوات المهاجمة أو عن طريق العمل العسكري لفتح ممرات خروج لمقاتليه.

وتشير تقديرات لقادة أمريكيين ان هناك عدة آلاف من مقاتلي التنظيم يتواجدون في العراق وسوريا، وأعدادا غيرها في مناطق أخرى من العالم في أفريقيا وجنوب شرق آسيا.

وإذا كانت قوات التحالف الدولي أو القوات الأمنية العراقية والقوات السورية تمتلك الإمكانيات القتالية العالية قياسا إلى إمكانيات تنظيم الدولة، فان هذه القوات لا تمتلك إرادة القتال التي يمتلكها مقاتلو التنظيم الذين يعتمدون حرب الاستنزاف طويلة الأمد، وهي الحرب التي يفضلها التنظيم على الحرب النظامية الشاملة التي خسرها خلال أربع سنوات في جميع المعارك التي خاضها دفاعا عن مناطق سيطرته في العراق وسوريا.

وأصدر تنظيم “الدولة” تسجيلا مصورا مدته 18 دقيقة يظهر أميره متحدثا إلى ثلاثة رجال في مكان غير معلوم بينما أشار إلى أحداث وقعت خلال شهر نيسان/ابريل الماضي. وظهر البغدادي لأول مرة منذ ظهوره في مسجد النوري الكبير في الموصل معلنا “دولة الخلافة الإسلامية” في 29 حزيران/يونيو 2014 بعد أقل من ثلاثة أسابيع على سيطرة التنظيم على المدينة.

الحروب الأهلية والفوضى الأمنية

على مدى سنوات طويلة تكررت الإعلانات عن انتهاء تنظيم “الدولة” والتنبؤ بقرب زواله بعد حالات الانكسار والخسارة التي يمنى بها كما حدث في عام 2007 عندما نجحت مجالس الصحوات العشائرية بإسناد ودعم مباشر من القوات الأمريكية بطرد مقاتلي التنظيم من مراكز المدن، وكذلك بعد خسارته مدينة الموصل في تموز/يوليو 2017.

تفتقر آراء القادة العسكريين والمحللين الذين يعتقدون بزوال التنظيم بعد خسارته معارك عسكرية وفقدانه مواقع سيطرته إلى رؤية بعيدة المدى في فهم حقيقة التنظيم والتنظيمات “العقائدية” الأخرى كحركات “جهادية” عابرة للحدود الوطنية تتسم بصفة العالمية وتبني منهجها الفكري على أسس “دينية” تتماشى مع المعتقدات السائدة في الوعي الجمعي التراكمي بواقع “العداء” الغربي للإسلام والمسلمين على خلفية “دينية” وأنها حرب بين المسلمين وغير المسلمين على مستويات سياسية ودينية وعسكرية.

وفي الواقع، تنمو معظم تلك التنظيمات في بيئات الحروب الأهلية وشيوع الفوضى الأمنية وعدم الاستقرار في الدول “الهشة” أمنيا أو الدول “الفاشلة” التي تتميز بغياب “الحكم الرشيد” وانعدام “العدالة الاجتماعية” وسيادة التمييز على الأسس العرقية والدينية ضد المكونات الأخرى بعيدا عن “سيادة القانون” بالإضافة إلى انتشار الفساد الإداري والمالي في مفاصل تلك الدول وزيادة نسبة البطالة وغيرها من العوامل المساعدة على نشوء مثل تلك التنظيمات.

كما تساعد في عملية نشوء وتطور التنظيمات “المتطرفة” حالات تصاعد حدة التوترات الإقليمية والدولية في منطقة الشرق الأوسط على خلفيات طائفية (سنية شيعية) على مستوى الدول، السعودية وإيران على سبيل المثال، واستمرار بعض الأنظمة، في سوريا والعراق مثلا، باتباع النهج الطائفي في إدارة الدولة والتمييز في المناصب والثروات على أسس الانتماء الطائفي أو المناطقي، وعوامل أخرى تجعل بعض المجتمعات المحلية أكثر قبولا لمثل تلك التنظيمات وأكثر استعدادا لتوفير البيئة الحاضنة لها.

لذلك من المستبعد كتابة إعلان “زوال” تنظيم “الدولة” طالما ظلت هناك صراعات وحروب أهلية من شمال افريقيا إلى جنوب شرق آسيا وفي منطقة الشرق الأوسط أيضا.

سيكون من السهل على تنظيم “الدولة” إنشاء ملاذات آمنة جديدة في مناطق بعيدة عن سوريا والعراق اللتان “فشل” التنظيم خلال سيطرته على مساحات واسعة منهما في إدارة شؤون المجتمعات المحلية في البلدين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية