بغداد ـ «القدس العربي»: ازدادت حدّة المواقف السياسية المنتقدة لتصريح الرئيس الأمريكي الأخير دونالد ترامب، بشأن إعلان نيته الإبقاء على القوات الأمريكية في العراق لـ«مراقبة إيران»، إذ أعلنت رئاسة الجمهورية وعدد من القوى السياسية «الشيعية» رفضها القاطع لتلك التصريحات.
وفي إشارة إلى قاعدة عين الأسد الجوية في الأنبار (غرباً)، قال ترامب في تصريحه التلفزيوني الأخير: «لدينا قاعدة عسكرية رائعة وغالية التكلفة في العراق، وهي مناسبة جدا لمراقبة الوضع في جميع أجزاء منطقة الشرق الأوسط المضطربة، وهذا أفضل من الانسحاب».
وفي آخر ردّة فعل عراقية، أعرب رئيس الجمهورية، برهم صالح، أمس الاثنين، عن استغرابه من تصريحات ترامب بشأن الوجود الأمريكي في العراق، مشيراً إلى أن العراق ينتظر توضيحا من واشنطن بشأن أعداد القوات الأمريكية ومهمتها. وقال خلال فعاليات ملتقى الرافدين الدولي لعام 2019 المنعقد في بغداد، «نستغرب من تصريحات الرئيس الأمريكي بشأن وجود القوات الأمريكية في العراق»، معتبراً أن «لا يحق للقوات الأمريكية في العراق التصرف بأي أمر سوى بالاتفاقية الموقعة».
وأضاف أن «تلك القوات لا يحق لها مراقبة أمور كثيرة منها مراقبة إيران»، مشيراً إلى «أننا لن نسمح بهذا الشيء».
وتابع: «العراق لا يريد أن يكون طرفا أو محور صراع بين الدول المتعددة»، لافتا إلى أن «ترامب لم يطالب العراق بتواجد عسكري لمراقبة إيران».
وزاد: «سننتظر توضيحا من واشنطن بشأن أعداد القوات الأمريكية ومهمتها»، موضحا أن «مهمتنا هي تطوير العلاقات مع جيراننا من ضمنهم إيران».
سفير طهران لدى بغداد، أيرج مسجدي، قال لعدد من الصحافيين على هامش انطلاق ملتقى الرافدين، تعليقاً على تصريحات ترامب، إن «الأمن والاستقرار في العراق (الحدودي مع إيران) يعود إلى دور القوات المسلحة العراقية، والقرار النهائي يبقى بيد المسؤولين العراقيين».
ودعا «واشنطن إلى الانسحاب من العراق».
وفي المناسبة ذاتها، قال قائد حركة «عصائب أهل الحق» المقربة من إيران، قيس الخزعلي، إن الوجود الأمريكي في العراق «لا يهدف لمساعدة البلد»، وإنما لـ«تأمين إسرائيل».
وبين أن «ترامب كشف، بشكل واضح، عن الأهداف الحقيقية لتواجد القوات الأمريكية على أرض العراق».
وأضاف أن الوجود الأمريكي «ليس لمساعدة العراق، وإنما لتأمين الكيان الإسرائيلي، واستعمال الأراضي العراقية منصة للاعتداء على دول الجوار».
وأكد أن «مجلس النواب (العراقي) قادر على اتخاذ القرارات المناسبة، وأغلب النواب يرفضون من حيث المبدأ تواجد القوات الأمريكية، ونعتقد أن البرلمان العراقي عازم على إصدار قرار رافض».
وتابع: «القوات العراقية العسكرية والأمنية تستطيع أن تنفذ قرار إخراج القوات الأجنبية في حال أرادت قوة أجنبية أن تفرض تواجدها العسكري رغماً عن إرادة الشعب».
تصفية الحسابات
كذلك أبدى زعيم تيار الحكمة، رئيس تحالف «الإصلاح والإعمار»، عمار الحكيم، رفضه و«بشدة» أن يكون العراق ساحة لتصفية الحسابات أو منطلقا لمراقبة دول الجوار.
وقال في «تغريدة» له عبر حسابه في «تويتر»، «نرفض وبشدة أن يكون العراق ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، أو منطلقا لمراقبة دول الجوار أو استفزازها أو التعدي عليها».
وأضاف: «استنادا إلى الدستور العراقي الذي ينص على رفض أن يكون العراق مُهدِدا لأمن واستقرار المنطقة والعالم، فإننا نعتبر توجهات جعل أراضينا منطلقا للنيل من دول الجوار تهديدا لمصالحنا الوطنية وأمننا العراقي»، مشددا على أن «العراق لن يسمح بذلك».
موجة التصريحات خلال اليومين الماضيين، لم تقف عند هذا الحدّ، بل تعدت إلى «رفض» رئيس الوزراء السابق، زعيم ائتلاف «النصر»، حيدر العبادي تصريحات ترامب، داعياً الإدارة الأمريكية إلى إعادة النظر بتلك التصريحات التي اعتبرها «مزعزعة» للعلاقة بين بغداد وواشنطن.
وقال المكتب الإعلامي للعبادي في بيان، «يعرب رئيس الوزراء العراقي السابق، ورئيس ائتلاف النصر، حيدر العبادي، عن رفضه لتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تناقلتها وسائل الإعلام يوم (أول) أمس كجزء من حديثه لقناة سي بي اس الإعلامية الأمريكية».
وذكر العبادي، حسب البيان، أن «الحديث عن قواعد أمريكية وعن استخدامها لمواجهة دول جوار يتعارض مع الدستور العراقي والاتفاقيات بين العراق والولايات المتحدة، والتي تم التوافق عليها في كل مراحل المشاركة الأمريكية ضمن التحالف الدولي لمقاتلة تنظيم «الدولة»، حيث حرص العراق على أن تكون المشاركة الأمريكية ضمن قوات التحالف الدولي وفقا للسيادة العراقية لأغراض الدعم اللوجستي والاستخباري والتدريب العسكري».
وأشار إلى أن «الحديث عن قواعد عسكرية أمريكية في العراق لأهداف المواجهة يُعقد العلاقة مع دول الجوار ويُعرض العلاقة مع الولايات المتحدة إلى أزمات غير متوقعة، ويخل بسيادة واستقلالية العراق».
ودعا، وفقاً للبيان، الإدارة الأمريكية إلى «مراجعة موقفها وتعيد النظر بهذه التصريحات التي تزعزع العلاقة بين بغداد وواشنطن وتخلق أجواءً سلبية غير مبررة».
كما دعا الحكومة العراقية إلى «تأكيد موقفنا الثابت بعدم جواز استخدام الأراضي العراقية ضد أي دولة جارة ومن أي جهة كانت».
أما زعيم ائتلاف الوطنية، إياد علاوي، فأكد إن تواجد القوات الأجنبية على الأرض العراقية ينبغي أن يكون ضمن اتفاقيات واضحة ومعلومة وبموافقة مجلس النواب.
نرفض وبشكل قاطع
وكتب في «تغريدة» على موقع «تويتر»، «نرفض وبشكل قاطع سياسات الاستحواذ الإقليمية وأي شكل من أشكال التدخل في الشأن العراقي أو أن يكون العراق مسرحا لصراع إقليمي أو دولي».
كما دعا تحالف «سائرون» المدعوم من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، رئيس البرلمان محمد الحلبوسي إلى عقد جلسة طارئة لمناقشة «مزاعم ترامب بابقاء القوات الأمريكية في العراق»، مطالبا بـ«طرد» جميع القوات الأجنبية من البلاد.
وقال القيادي في التحالف علاء الربيعي في بيان، إن «الوجود الأمريكي بات يشكل قلقا ومصدر إزعاج لدى الشارع العراقي لاسيما بعد التحركات الأخيرة للقوات في بعض المناطق وزيارة ترامب غير الرسمية للبلد».
وأضاف : «على الكتل السياسية ترك الخلافات والمناكفات وتوحيد الصفوف لإقرار قانون يجدول انسحاب القوات الأجنبية من العراق وإنهاء كل الاتفاقيات السابقة التي أبرمت في الحكومات السابقة».
صالح: العراق لا يريد أن يكون محور صراع… العبادي يحذّر واشنطن من زعزعة علاقتها مع بغداد
وتابع أن «بقاء تلك القوات يشكل خطرا على العراق سياسيا وأمنيا ويزيد من توتر المنطقة»، مؤكدا أن «العراق لن يكون ساحة لتصفية الحسابات ولن تستخدم أراضيه منطلقا لضرب دول الجوار». وإضافة لـ«سائرون» أعلن المجلس الأعلى الإسلامي، المنضوي في تحالف «البناء» عن رفضه استمرار وتعزیز التواجد العسكري في العراق، واصفا توجهات ترامب بهذا الشأن بـ«العدوانية».
وقال المجلس في بيان، «في تصریحات جدیدة تعكس توجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في العراق والمنطقة، كشف ترامب عن نوایاه ومخططاته في استمرار وتعزیز التواجد العسكري في العراق، وإعلانه وجود قاعدة عسكریة وصفها بأنها رائعة وغالیة التكلفة ومناسبة جدا لمراقبة الوضع في جمیع أجزاء الشرق الأوسط».
وأضاف أن «ترامب أشار إلى أن أحد أهداف هذه القاعدة هو تمكین واشنطن من مراقبة إیران، وأن بعض الجنود الأمريكان الذین سیتم سحبهم من سوریا سینضمون إلى القوات الأمريكیة المتواجدة في العراق».
وشدد المجلس أن «انطلاقا من سیاساته المبدئیة وثوابته الوطنیة، یرفض جملة وتفصیلا مثل هذه التوجهات الخطیرة، التي تنطوي على نزعات عدوانیة مرفوضة وتجاوزات فاضحة للقانون الدولي، وانتهاكا للسیادة الوطنیة».
وتابع أن «هذا الموقف یستدعي أن تتخذ السلطات التشریعیة والتنفیذیة العلیا في البلاد خطوات حازمة وسریعة للرد على هذه الانتهاكات والتجاوزات على السیادة الوطنیة العراقیة»، مشددا على «التمسك بالدستور العراقي ورفضه القاطع بجعل العراق منطلقا لتهديد دول الجوار وتأزیم الأوضاع في المنطقة وخلط الأوراق بما یؤدي إلى المزید من الصراعات والحروب وفقدان الأمن والاستقرار».
ذريعة
كما دعا حزب المؤتمر الوطني العراقي، الذي أسسه السياسي العراقي الراحل أحمد الجلبي، القوى السياسية العراقية لتشريع قانون يقيد التحركات الأمريكية في العراق.
وأكد، الحزب في بيان صحافي، أمس، أن «المؤتمر الوطني العراقي يتابع جملة المواقف والتصريحات الأمريكية المتعلقة بالتواجد العسكري والأمني في العراق التي تذيلها تأكيدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على بقاء القوات الأمريكية في العراق تحت ذريعة (مراقبة النشاط الإيراني في المنطقة)». وأضاف أن «المواقف والتحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة داخل الأراضي العراقية، تمثل انتهاكاً صريحاً للسيادة العراقية، وتحدياً صارخاً للإرادة السياسية الحُرة الهادفة لتحييد العراق عن أي صراع إقليمي وتجنيب الدولة خوض حرب بالوكالة عن إرادة ومصالح من لا يريد بالعراق والمنطقة خيراً».
ودعا «القوى الوطنية في العراق إلى ضرورة توحيد الصف والكلمة تجاه التحركات الأمريكية الأخيرة في العراق، وتقييدها حركةً وقانوناً وفق ضوابط المصلحة المشتركة». ائتلاف دولة القانون، بزعامة نوري المالكي، كشف عن «وقفة جادة» لمجلس النواب الاتحادي، مع بداية فصله التشريعي الجديد (في آذار/ مايو المقبل)، تجاه تواجد القوات الأمريكية على الأراضي العراقية، مشيرا إلى أن التحركات الأمريكية في المناطق الغربية وعلى الشريط الحدودي مع وجود «زمر إرهابية» أمور خطيرة ينبغي إيجاد حلول لها. المتحدث باسم الكتلة، النائب بهاء الدين النوري، قال في تصريح له، إن «هنالك تحركات حازمة وقوية من أجل إنهاء التواجد الأمريكي على الأراضي العراقية، خاصة بعد الخروقات المستمرة لتلك القوات وتجوالها خارج ضوابط الاتفاقية التي أبرمت بين العراق وواشنطن في عام 2011»، مبيناً أن «الاتفاقية مع واشنطن أشارت بكل وضوح إلى خروج القوات المقاتلة الأمريكية والإبقاء على مستشارين ومدربين داخل القواعد العسكرية فقط».
وأضاف أن «تواجد القوات الأمريكية وتحركها في المناطق الغربية إضافة إلى التحركات على الشريط الحدودي مع سوريا مع وجود بعض المجاميع الإرهابية تتحرك هنالك، إضافة إلى وجود بعض حواضن زمر داعش الإرهابي ما زالت موجودة في المناطق الغربية يمثل خطرا كبيرا ينبغي الوقوف عنده وإيجاد حلول سريعة له»، مشددا على أن «مجلس النواب ستكون له وقفة جادة مع بداية الفصل التشريعي الثاني تجاه التواجد الأمريكي في العراق».
رئيس مجلس النواب، عن المكوّن السنّي، محمد الحلبوسي كان له رأي مغاير تماماً لما جاء به ائتلاف المالكي. فقد قال في تصريح له إن «العراق ما زال يحتاج إلى جهود المجتمع الدولي في مكافحة الاٍرهاب، والإيفاء بتأدية التزاماته تجاه العراق ودعم حكومته».