أعلى نسبة انكماش في تاريخها تصل إلى 21 في المئة
تونس-“القدس العربي”: لم يشهد الاقتصاد التونسي أزمة في تاريخه كالتي يعيشها اليوم باعتبار أن الأرقام السلبية المسجلة تشهدها البلاد للمرة الأولى، وتبدو غير مألوفة لعموم التونسيين في بلدهم متنوع الموارد ومن غير المنطقي أن يصل إلى هذا الوضع الكارثي. فخلافا للمعتقد السائد بأن تونس بلد سياحي فإن الخضراء تحتل مراتب متقدمة عالميا في عديد المنتوجات الفلاحية إنتاجا وتصديرا، والتي تدرّ على البلاد مداخيل هامة من العملة الصعبة شأنها شأن المنتوجات الصناعية بالإضافة إلى الموارد الطاقية والمنجمية وعلى رأسها الفوسفات.
أرقام خطيرة
وتفيد الأرقام الرسمية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء في تونس أن الاقتصاد انكمش خلال النصف الأول من 2020 بنسبة 11.9 في المئة مقارنة بالفترة ذاتها من سنة 2019. وسجل الاقتصاد أيضا تراجعا في الناتج الإجمالي بأسعار سنة 2019 خلال الثلاثي الثاني من سنة 2020 بنسبة غير مسبوقة بلغت 21.6 في المئة سلبية، وعلى أساس سنوي انكمش بنسبة 21.6 في المئة في الثلاثي الثاني من العام الحالي.
ويرجع خبراء الاقتصاد ذلك إلى عدة أسباب من بينها تعطل نسق الإنتاج والتصدير للمنتوجات الفلاجية والصناعية والمنجمية بسبب كثرة الإضرابات ناهيك عن تراجع النشاط السياحي بسبب مشاكل هيكلية واضطرابات أمنية. ومن أهم الأسباب أيضا أزمة فيروس كورونا التي أجبرت التونسيين على ملازمة بيوتهم لشهرين في حجر صحي إجباري ومنع للتجوال الأمر الذي عاد بالوبال على الحركة الاقتصادية للبلد.
كما أن الوضع السياسي يؤثر تأثيرا بالغا على الوضع الاقتصادي خاصة ما يتعلق بعدم الاستقرار الحكومي وعدم قدرة أي فريق على الاستمرار لأكثر من أشهر معدودة في نظام سياسي هجين لا يمكن تصنيفه. فهذا الوضع يجعل الوزراء وخاصة في الوزارات ذات الصبغة الاقتصادية لا يجدون الوقت الكافي للإلمام بملفاتهم وتنفيذ برامجهم، كما يسيئ هذا الوضع لصورة تونس في الخارج سواء لدى شركائها الاقتصاديين أو لدى المانحين من صناديق ومؤسسات مالية مقرضة.
ثلاث أزمات
ويعتبر وزير المالية الأسبق والخبير الاقتصادي حكيم بن حمودة في حديثه لـ “القدس العربي” أن ما سجلته تونس من نسبة مرتفعة في الانكماش الاقتصادي هو أخطر انعكاس لما عرفته البلاد مؤخرا من أحداث، إذ وصل إلى مستوى 21 في المئة في الثلاثية الثانية لسنة 2020. ويتابع: “منذ الاستقلال لم تعرف تونس انكماشا اقتصاديا بهذا المستوى، واعتقد انه في نهاية السنة سيكون التراجع الاقتصادي تقريبا في حدود 10 في المئة او أكثر. وحتى في خضم الثورة أي سنة 2011 لم يتجاوز التراجع الاقتصادي الـ 1 في المئة. يعني جائحة كوفيد-19 خلفّت انعكاسات اقتصادية لم تعرفها تونس في السابق وهذه الأزمة وانعكاساتها تضاف إلى اشكاليات اقتصادية تعاني منها البلاد منذ بداية القرن”. وتابع محدثنا “الآن تونس تعيش ثلاث أزمات اقتصادية كبرى بداية بما نسميه بالأزمة الهيكلية التي انطلقت في نهاية التسعينيات، وهي أزمة ترجع إلى ما نسميه بفشل ونهاية نمط التنمية التي اتبعتها الدولة منذ السبعينيات وكانت ترتكز أساسا على التصدير والتخصص في الاقتصاد العالمي في المواد ذات ثقل قوة اليد العاملة. والأزمة الثانية هي أزمة التوازنات الاقتصادية التي انطلقت منذ الثورة والتي كانت نتيجة التزايد الكبير لمصاريف الدولة للرد على الاحتياجات الاجتماعية بدون ان يقابلها تطور كبير في نفس المستوى على الأقل لمداخيل الدولة. وكوفيد-19 هو الأزمة الثالثة التي عمقت جراح الاقتصاد التونسي”.
إلى أين يسير الوضع وكيف يمكن الخروج من عنق الزجاجة يجيب محدثنا بالقول: “للأسف هذا الوضع الاقتصادي كان يتطلب ردود فعل سريعة وشجاعة من الناحية السياسية. فمن أهم تحديات هذا الوضع حالة عدم الاستقرار السياسي التي عرفتها تونس تقريبا منذ انتخابات السنة الماضية. فإلى جانب فشل حكومة الحبيب الجملي في نيل ثقة البرلمان، نجد أن حكومة الفخفاخ أيضا لم تعمّر أكثر من ستة أشهر. والآن نمرّ إلى حكومة ثالثة مع مؤشرات كبيرة لعدم استقرار سياسي مقبل. بالتالي هذا لديه انعكاسات كبيرة على الاقتصاد باعتبار ان الحكومات المتتالية لم تكن قادرة على صياغة قانون مالية جديد يأخذ بعين الاعتبار هذه التحديات المالية والاقتصادية”.