تونس: استمرار المخاض العسير لتشكيل الحكومة

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس-“القدس العربي”: تستمر الأزمة السياسية في تونس مع اختيار رئيس الجمهورية قيس سعيد إلياس الفخفاخ لتشكيل الحكومة بعد أن فشل سلفه الحبيب الجملي في نيل ثقة البرلمان للتركيبة التي اقترحها منذ أسابيع. فشخصية الفخفاخ مثيرة للجدل وتصريحاته خلقت أجواء مشحونة بعد استثنائه لحزبي قلب تونس والدستوري الحر.

وقد دفعت تصريحات الفخفاخ حزب قلب تونس إلى التلويح بالذهاب إلى القضاء وتتبع المكلف بتشكيل الحكومة من أجل جريمة الثلب، أما حركة النهضة وعلى لسان رئيسها راشد الغنوشي وقيادييها، فدعت إلى ضرورة إشراك حزب قلب تونس وهو الحائز على المرتبة الثانية في الانتخابات التشريعية الأخيرة وترشح رئيسه نبيل القروي إلى الدور الثاني في الانتخابات الرئاسية وحصل على عدد هام من الأصوات.

انقلاب على الصندوق

 

ولقي اختيار الفخفاخ انتقادات واسعة باعتبار أن حزب التكتل من أجل العمل والحريات الذي ينتمي إليه لم ينجح في أن يكون ممثلا في البرلمان حتى بمقعد يتيم خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة. كما أنه ترشح للانتخابات الرئاسية الأخيرة ومني بهزيمة نكراء في الدور الأول ولم تتجاوز نسبة المصوتين له الأصفار يمينا وشمالا وهو ما اعتبره البعض التفافا على نتائج الانتخابات وانقلابا على الشرعية من قبل قرطاج على باردو أو من قبل قيس سعيد على حركة النهضة.

ويتساءل البعض في هذا الإطار عن الجدوى من إجراء الانتخابات ما دام من يحكم في نهاية المطاف هو الحزب المنهزم والذي لم ينجح في أن يكون ممثلا في البرلمان ويتم اختيار رئيس الحكومة صاحب الصلاحيات التنفيذية الأهم منه ويعلم القاصي والداني العلاقات المتينة لحزب التكتل مع قوى فاعلة في فرنسا؟ وبأي حق يقصي المنهزم، أي حزب التكتل من خلال الفخفاخ، الحزب الثاني في الانتخابات والحائز على 38 مقعدا في التشريعيات والذي صوت لرئيسه أكثر من مليون ناخب في الانتخابات الرئاسية الأخيرة؟

شرعية ساكن قرطاج

 

اعتبر إلياس الفخفاخ في رده على هذه الانتقادات أن شرعيته مستمدة من شرعية رئيس الجمهورية قيس سعيد الذي اختاره لهذه المهمة، فبدا للمتابعين وكأن نظام البلاد رئاسي يختار فيه رئيس الجمهورية وزيرا أولا أو وزراء يستمدون شرعيتهم منه. في حين أن النظام التونسي برلماني ويجب أن يستمد فيه رئيس الحكومة شرعيته من أحزاب الائتلاف الحاكم أي الأحزاب المشاركة في الحكومة وعلى رأسها الحزب الحائز على المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية.

ويبدو أن حركة النهضة لم تستسغ تصريحات إلياس الفخفاخ الذي “يستمد شرعيته من شرعية رئيس الجمهورية” على حد تعبيره، وهو الذي كان من المفروض أن يستمد هذه الشرعية منها بالأساس ومن الأحزاب التي تشكل معها ائتلافا حكوميا باعتبار طبيعة النظام البرلماني التونسي. لكن الحركة، ورغم ما ذكر، يبدو أنها ستصوت باتجاه منح الثقة لأي تشكيلة حكومية سيقدمها إلياس الفخفاخ إلى البرلمان ولن تكون سببا في تعطيل العمل الحكومي رغم الضغط الذي تمارسه على الفخفاخ رغبة منها في تشريك حزب قلب تونس، إذ لم يحصل أن تشكلت حكومة في تونس منذ 2011 من دون إشراك الحزب الثاني. ولعل المرة الوحيدة التي لم يمنح فيها الحزب الثاني ثقته إلى التشكيلة الحكومية المقدمة، سقطت هذه التشكيلة وكان ذلك مع الحبيب الجملي.

تضييق هامش المناورة

ويؤكد جل الخبراء والمحللين على أن إلياس الفخفاخ بمعاداته لحزب قلب تونس الذي يحتل اليوم المرتبة الثالثة في استطلاعات الرأي بعد حزبي الدستوري الحر وحركة النهضة، يكون قد ضيق على هامش المناورة وترك نفسه أسيرا لحركة الشعب والتيار الديمقراطي. وحتى لو نال الفخفاخ النصاب القانوني لتزكية حكومته وهو 109 نائب فإنه لن يستطيع العمل براحة باعتبار أن العديد من مشاريع القوانين تتطلب التوافق ونصابا قانونيا هاما يبدو فيه الفخفاخ بحاجة إلى حزب قلب تونس.

فالخطاب الانتخابي العدائي الذي يتمسك به الفخفاخ إلى اليوم يختلف عن البراغماتية السياسية والبحث عن التوافقات التي يقتضيها سير العمل الحكومي خاصة وأن الأحزاب التي يهاجمها اليوم تمثل شريحة هامة من التونسيين وجب احترام خيارها في أي ممارسة ديمقراطية. وحديث الفخفاخ عن ضرورة تجاوز مسألة التوافق والحكم من خلال موالاة ومعارضة قوية وتقسيم التونسيين لا يمكن أن يحصل في ظل هذا النظام الذي أقره دستور سنة 2014 والمبني على التوافق لتمرير مشاريع القوانين وحسن سير مصالح الدولة وبالتالي لا بد من تغيير شكل النظامين الانتخابي والسياسي حتى يستطيع المكلف بتشكيل الحكومة الحكم بالطريقة التي يشاء وهو ما تدركه حركة النهضة التي لا يبدو أن لديها الرغبة في تغيير شكل النظام في الوقت الحاضر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية