تونس: الاقتصاد الموازي معضلة حقيقية تتطلب معالجة استثنائية

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس-“القدس العربي”: من أهم المعضلات التي تؤرق مضاجع الساسة في تونس والتي يؤكد البعض على أنها ستكون من الملفات الساخنة على طاولة رئيس الحكومة القادم، مسألة الاقتصاد الموازي التي باتت الأرقام المتعلقة به مفزعة إلى حد كبير. فهناك دراسات أجريت من قبل جهات مسؤولة وذات مصداقية أكدت على أن هذا القطاع غير المنظم يشغل قرابة الـ 75 في المئة من الشباب التونسي وهو يمثل أيضا النسبة نفسها من حجم المبادلات التجارية، لكنه في المقابل لا يوفر للدولة مداخيل جبائية ويهدد وجود الاقتصاد المنظم الذي ينخرط في المنظومة الجبائية.

ولعل المستفيد من هذا الاقتصاد هو المواطن البسيط الذي توفرت أمامه مواطن شغل عجزت الدولة عن توفيرها وخصوصا أبناء الجهات الداخلية والحدودية حيث يكثر التهريب بين الخضراء وجارتيها الجزائر وليبيا. كما ساهم هذا الاقتصاد في توفير البضائع زهيدة الثمن للمواطن الذي تدهورت قدرته الشرائية كثيرا في السنوات الأخيرة ولم يعد قادرا على اقتناء عديد المنتوجات الأصلية واتجه صوب المنتوجات المقلدة والآتية خصوصا من الصين.

وفي هذا الإطار قال الخبير الاقتصادي التونسي معز الجودي لـ “القدس العربي” إن “الاقتصاد الموازي هو آفة ومعضلة ومشكلة فيها نوع من التراكم والتراخي. وقال إن الحكومات المتعاقبة منذ 2011 لم تتعامل بصرامة مع الاقتصاد الموازي والتحتي بل بالعكس هناك حكومات ترى انها حلول سهلة لإدخال السلع للمواطن بأسعار رخيصة. وتعتبره حلا لبطالة العاطلين عن العمل”.

ويؤكد محدثنا على أن هناك نتائج كارثية لهذه الوضعية، فالاقتصاد الموازي يسبب انخرامات كبرى في المنظومة المالية والاقتصادية ومضاره أكثر من منافعه لأنه ينخر الاقتصاد الرسمي ويحطم الصناعة التونسية. فمؤشر الإنتاج الصناعي في تراجع كل عام بحدود 6 إلى 7 نقاط وهذا يعود إلى أن المصانع المحلية لم تعد تجد التوازنات المالية لكي تواصل فهي تدفع الضرائب وتصنع ولديها كلفة إنتاج في حين ان السلع نفسها التي تنتجها موجودة في الأسواق الموازية من دون أي رقابة وبسعر أرخص.

تراخي السلطة

وشدد الجودي على أن الاقتصاد الموازي سيحطم المنظومة التونسية برمتها وهناك تهريب وسلع مسرطنة وتهرب جبائي ومنافسة غير شريفة لكن السلط لم تتعامل بجدية وكل الحكومات ترفع شعار محاربة الاقتصاد الموازي ولكن على أرض الواقع لا شيء تحقق. لأن هناك أطرافا من الحكومات المعاقبة منذ 2011 تؤمن بالاقتصاد الموازي والتحتي وتعتبره تجارة وكذلك فإن بعض الأحزاب السياسية تتعامل مع هؤلاء المهربين كممولين لحملاتها الانتخابية.

أما بالنسبة لآخر الأرقام يضيف: “38 في المئة من الإنتاج المحلي الخام هو اقتصاد موازي وتحتي وهناك دراسات على المستوى الدولي تقول ان 50 في المئة من الاقتصاد المحلي هو اقتصاد موازي لان المفاهيم تختلف” واعتبر ان تداعيات ذلك سيئة لأن الجباية غير كاملة وآلاف المليارات من المداخيل الجبائية لا تدخل للدولة. وفي الوقت نفسه هناك تأخر في المؤشر الصناعي وإشكاليات وتأثيرات لهذا النوع من التجارة على مستوى الأمن، لأن الاقتصاد الموازي يقف وراءه أباطرة تهريب قد يلجأون في بعض الأحيان إلى استعمال السلاح. كما أن لذلك تداعيات سيئة على صحة المواطن لأن المهربين يدخلون في أحيان كثيرة مواد مسرطنة غير مراقبة إلى الأسواق”.

معالجة مختلفة

ويقول الناشط الحقوقي والسياسي التونسي باديس الكوباكجي لـ”القدس العربي” إن الأرقام الرسمية تفيد أن الاقتصاد الموازي قد فرض نفسه وعلى حكام تونس الجدد أن يتعاملوا معه كأمر واقع ويسعوا إلى دمجه في الدورة الاقتصادية و المنظومة الجبائية. على من سيحكم تونس في المستقبل أن يتعامل مع المسألة بطريقة مختلفة من خلال معالجة غير مألوفة تواكب المتغيرات كأن يكف، عن النظر إلى من يمتهنون التجارة الموازية كخارجين عن القانون ومارقين بل يجب الاعتراف بنشاطهم وتشجيعهم على ضخ أموالهم في البنوك المحلية وعلى التصريح الضريبي بهذا النشاط وبالمداخل مقابل منحهم مثلا امتيازات من البنوك لمنحهم شتى أنواع القروض بالاستئناس بما يصرحون به من مداخيل لدى الدوائر الجبائية.

ويضيف: “يجب أيضا أن ننشئ المناطق الحرة على الحدود مع كل من الجزائر وليبيا حتى تتم المبادلات بطريقة قانونية ومن دون الحاجة إلى ممارسة نشاط التهريب وملاحقة المهربين من قبل أجهزة الدولة الأمر الذي يتسبب أحيانا في حصول المآسي. وسيساعد وجود هذه المناطق الحرة على تنمية المناطق الحدودية وخلق مواطن الشغل خاصة وأن المهرب يتعاطى هذا النشاط اضطراريا بعد أن عجزت الدولة عن تنمية جهته وخلق فرص العمل له ما دفعه دفعا إلى البحث عن قوت يومه خارج الإطار الشرعي متحديا قوانين الدولة ضاربا بها عرض الحائط”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية