تونس: التعليم الجامعي بين هجرة الأساتذة وغياب الإصلاحات

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس-“القدس العربي”: تعد الجامعة العمومية التونسية من أكبر مكاسب الدولة الحديثة لكنها اليوم تواجه مخاطر كبرى في ظل تفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعيشها البلاد، إذ يبدو أن مخاض الانتقال الديمقراطي الصعب وما رافقه من صراعات سياسية، أثرا بشكل لافت على وضع التعليم الجامعي. ويعد ضعف الميزانية المخصصة لوزارة التعليم العالي وتقلصها المتواصل من أكبر الأخطار التي تهدد مستقبل الجامعة التونسية والتعليم العالي برمته. وتعالت مؤخرا أصوات الباحثين الجامعيين من أجل إصلاح المنظومة التعليمية الجامعية وإنقاذها من إهمال السلطات المعنية.

مصاعب بالجملة

 

ويوضح د. زياد بن عمر أستاذ الأدب الإنكليزي والمنسق العام المساعد لاتحاد الأساتذة الجامعيين الباحثين التونسيين ونائب رئيس الاتحاد العالمي لنقابات التعليم، ان النقص الحاصل هو جراء تقليص ميزانية وزارة التعليم العالي بآلاف المليارات ويوضح قائلا: “في سنة 2008 كانت ميزانية الوزارة تناهز 7 في المئة من ميزانية الدولة وفي سنة 2018 أصبحت تمثل 4.13 في المئة وها هي تنحدر سنة 2019 إلى نسبة 4.01 في المئة من ميزانية الدولة. إلى جانب ذلك فإن ميزانية البحث العلمي تقلصت بنسبة 75 في المئة في السنوات الأخيرة ولقد نتج عن التقليص الحاصل في الإمكانيات إغلاق وحدات ومخابر بحث بالكامل ونقص فادح في الإطار المدرس والباحث ونزيف هجرة الجامعيين الباحثين بالآلاف منذ سنة 2011 إذ فاق عدد الجامعيين الباحثين الذين هاجروا إلى دول أمريكا الشمالية وأوروبا ودول الخليج 4500 أستاذ من جملة قرابة 12000 أستاذ جامعي باحث”. ويؤكد محدثنا بأن نزيف الهجرة المتواصل يرجع إلى صعوبة ظروف العمل والبحث بالنسبة للأساتذة الجامعيين وعدم تقدير الدولة لشهاداتهم العليا، فالأستاذ الجامعي التونسي هو الأفقر عربيا من حيث الأجر، هذا إلى جانب أن الدولة غير عادلة في تأجير الأستاذ الجامعي فهناك قطاعات عديدة في الوظيفة العمومية مستوى التأجير فيها أعلى من مستوى تأجير الأستاذ الجامعي على الرغم من أن الشهادة العلمية للأستاذ الجامعي أي شهادة الدكتوراه هي أعلى شهادة وطنية في تونس وهو ما يمثل غياب العدالة بالنسبة للتأجير بالوظيفة العمومية وتحقيراً لمكانة الأستاذ الجامعي في تونس”.

كما تشكو العديد من المؤسسات الجامعية وخاصة في المناطق الداخلية من بنية تحتية مهترئة جداً وإمكانيات لوجستية ضعيفة. وكل هذه العوامل – حسب محدثنا- تزامنت مع غياب إصلاحات كبرى وغياب للحوكمة الجيدة أدت إلى تراجع مستوى الشهادة العلمية وتفاقم نسبة البطالة لدى خريجي الجامعة التونسية إلى معدلات مخيفة تصل إلى 60 في المئة. إحساس كبير بالغبن لدى الأساتذة الجامعيين ويقين لديهم أن الدولة التونسية رفعت أياديها عن الجامعة العمومية والبحث العلمي والأستاذ الجامعي.

ويؤكد بن عمر ان ترتيب الجامعات التونسية متدن جدا في غياب مواصفات الجودة العالمية بجامعاتنا وفي غياب إصلاحات كبرى وفي ظل مواصلة الدولة لتجاهل مطالب الأساتذة الجامعيين.

 

 

منظومة “إمد”

 

ويرى بن عمر ان هناك ثلاثة عوامل أساسية ساهمت في تردي الأوضاع بشكل مباشر أولها إسقاط منظومة “إمد” بشكل متسرع في غياب تناسق مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي والعامل الثاني هو تفقير الأستاذ الجامعي ودفعه إلى الهجرة وتقليص الإمكانيات المادية المخصصة للبحث وللتعليم العالي العمومي أما العامل الثالث فيتمثل في غياب إصلاحات وقرار سياسي جريء يعتبر التعليم العالي العمومي أولوية كبرى. ويتابع بالقول: “فحتى خطاب وزير التعليم العالي حول إصلاحات كبرى هو بصدد القيام بها لا أساس له من الصحة فلا حوكمة جيدة تمزج ما بين الكفاءة والشفافية ولا منهج علمي يعتمده في قراراته، بل بالعكس فالوزارة الآن بصدد الإعداد لمشروع خطير جداً وهو توحيد الإجازات عبر المنشور رقم 60 ولا يهدف هذا المنشور إلا لمواصلة غلق أبواب الانتداب والتقليص في الكلفة وإغلاق المؤسسات الجامعية الصغرى بالمناطق الداخلية. وما زاد الطين بلة هو الانتشار العشوائي للتعليم العالي الخاص وغياب التنافسية الشريفة بين التعليم العالي الخاص والعمومي بتواطؤ مفضوح من طرف سلطات الإشراف”.

احتجاجات

كل هذه العوامل دفعت نقابة اتحاد الأساتذة الجامعيين الباحثين التونسيين “إجابة” لدق ناقوس الخطر منذ سنة 2015 منددة بغياب الإصلاح وبالتقليص المتواصل لميزانية وزارة التعليم العالي وبتصحير الجامعة العمومية بسبب هجرة الآلاف من الجامعيين وبغلق أبواب المناظرات أمام أصحاب شهادة الدكتوراه وبعدم احترام الدولة لسلم التأجير بالنسبة للأساتذة الجامعيين وبسياسة التفقير الممنهج. وفي هذا السياق يوضح بن عمر: “لقد قمنا بأكبر تحركات في تاريخ الجامعة التونسية من وقفات احتجاجية متعددة شارك فيها الآلاف من الجامعيين واتخذنا أشكالا نضالية تصاعدية في ظل تجاهل مطلق من الوزارة ولقد قام الجامعيون بإضراب إداري السنة الماضية تواصل لمدة 5 أشهر ثم خيرنا تقديم تنازلات كبرى في نهاية المطاف ووقعنا اتفاقاً مع الوزارة بتاريخ 7 حزيران/يونيو الماضي يقضي برفع ميزانية وزارة التعليم العالي وفتح أبواب الانتداب للدكاترة المعطلين عن العمل ومراجعة النظام الأساسي قبل تشرين الأول/أكتوبر الماضي بشكل يحترم مبدأ سلم التأجير واعتبار نقابتنا شريكاً رسمياً في الإصلاح، غير أن وزارة التعليم العالي انقلبت هذه السنة على الاتفاق الممضى، ولم تطبق أياً من بنوده فقمنا بأشكال نضالية تصاعدية بداية من تشرين الأول/أكتوبر إلى أن انتهينا إلى خوض اضراب إداري ممتنعين عن إعطاء مواضيع الامتحان إلى حين استجابة الوزارة إلى مطالب الجامعيين والدفع نحو حل الأزمة”.

 

حق التعليم

 

أما عن انعكاس هذه التحركات على وضع الطلاب في الجامعة التونسية فأجاب قائلا:نحن لم نضرب بتاتاً حق الطالب في التعلم فلقد خيرنا منح التحصيل العلمي للطالب ولم نقاطع التدريس وما قمنا به هو الامتناع عن تقديم مواضيع الامتحانات إلى أن تنتهي الأزمة. ثانياً وقبل مقاطعة الامتحانات قمنا بأشكال نضالية راقية لقيت آذانا صماء من طرف الوزارة فلقد لبسنا الشارات الحمراء لمدة أسبوعين ثم نفذنا وقفة احتجاجية حاشدة وأضربنا دورياً عن العمل لمدة 3 أيام تلتها 3 أيام أخرى غير أن الوزارة واصلت تجاهلها المطلق لآلام الجامعيين في مطالبهم التي تهدف للحفاظ على الجامعة العمومية. إن تحركات الأساتذة الجامعيين هي من أجل أبنائنا وطلبتنا حتى يبقى النجاح والاجتهاد والتفوق الدراسي والسعي لأن يصبح الطالب باحثاً ودكتوراً من أهم المعالم الدالة في تونس”.

ويضيف: “نحن نضرب من أجل أبناء هذا الشعب حتى يبقى المصعد الاجتماعي قائماً ويدرك العامل والفلاح والمواطن البسيط أن الدراسة والتعليم والحصول على أعلى شهادة وطنية يجلبون الفخر والاحترام. نحن نضرب حتى تبقى الكفاءات بتونس ويجد أبناؤنا جامعة عمومية بمؤطريها وأساتذتها ويحصلوا على مستوى جيد لاقتحام العالم والتنافسية من بابه الكبير عوض مواجهة البطالة. ومن أجل التونسي حتى لا يلتجئ يوماً إلى الجامعات الخاصة التي سوف تنهب منه آلاف الدنانير وحتى لا يصبح مصير الجامعة العمومية مثل المستشفى العمومي. إن ربان سفينة الجامعة ومكون كل الكفاءات بالوطن هو الأستاذ والباحث، لو تركوا الربان يذهب ويبتعد عن سفينته فسوف تغرق سفينة الجامعة والوطن”.

إلى أين يسير الوضع وكيف يمكن إصلاح التعليم العمومي في تونس والذي يعتبر مكسبا وطنيا منذ دولة الاستقلال وهل بات التعليم الجامعي الخاص يزاحم العمومي؟ يوضح بن عمر: “نحن لسنا ضد التعليم العالي الخاص ولكن ما يحز في أنفسنا هو غياب التنافسية الشريفة ما بين القطاعين وتخلي الدولة عن التعليم العمومي وتشجيعها للفوضى وسكوتها عن التجاوزات الكبرى التي تحصل في التعليم العالي الخاص. فبمناسبة عيد الشجرة الأخير لم يتوجه وزير التعليم العالي إلى زرع شجرة في مؤسسة جامعية عمومية بل زرعها في الجامعة الألمانية التي سوف يكون التسجيل فيها بعشرات آلاف الدولارات. ولقد صدر مؤخراً التقرير السنوي العام لدائرة المحاسبات في الجمهورية التونسية والذي خصص فيه أكثر من 80 صفحة تحصي وتعد التجاوزات والخروقات القانونية الكبرى لمؤسسات التعليم العالي الخاص وهي تجاوزات في غاية الخطورة وتعرض مقترفيها لتبعات جزائية، فهناك جامعات خاصة تبيع شهادات جامعية بدون رخص وهناك حسب التقرير، مؤسسات خاصة حصلت على ترخيص العمل دون توفير وثائق وجوبية لمنح الرخصة وهناك مؤسسات خاصة للتعليم العالي يديرها أشخاص لا يملكون الشهادة الجامعية الضرورية لإدارتها وهناك جامعات خاصة في وضعيات مخالفة للقانون، ولم تحصل على تراخيص لفتح كلياتها التالية، غير أن الوزارة لم تحرك ساكناً مما يثبت تواطئها المفضوح مع وحشية التعليم العالي الخاص. وقد قررنا في نقابة اتحاد الأساتذة الجامعيين الباحثين التونسيين رفع دعاوى قضائية ضد وزير التعليم العالي لإخلاله بواجباته إزاء هذا الملف”.

مستقبل مهدد

 

وأكدت مفيدة البدوي الأستاذة الجامعية في اختصاص الاقتصاد والتصرف لـ “القدس العربي” ان التعليم العالي والتعليم بصفة عامّة لا يزال يحظى بمكانة هامّة داخل المجتمع التونسي، إذ تبذل العائلات الغالي والنّفيس في سبيل تعليم أبنائها وحصولهم على شهادات جامعيّة. لكن بدأت هذه النظرة تتغير خاصّة لدى الشّباب، بسبب ارتفاع نسبة البطالة بين خرّيجي الجامعات والذي يعود أساسا إلى اعتماد نظام تعليمي غير مدروس منذ 2008 لا يتلاءم مع الواقع التونسي.

وعن تأثير الأزمة السياسية على وضع الجامعة التونسية تجيب بالقول: غياب النّظرة الاستشرافية وخاصّة الجرأة والرغبة الحقيقيّة لدى الوزراء المتعاقبين والمشرفين على قطاع التعليم العالي في فتح الملفّات الحارقة وتشخيص الوضع بجديّة، أدّت إلى تعميق المشاكل والصعوبات التّي تعاني منها الجامعة. فعدم الاستقرار السياسي أدى إلى ضعف الدّولة وظهور لوبيات نافذة في مختلف القطاعات ومنها قطاع التعليم العالي والتّي تحاول التأثير على سلطة القرار من أجل الدّفع نحو إضعاف التعليم العمومي وتفقيره من حيث الكفاءات والامكانيّات وفي المقابل فتح الطريق أمام الجامعات الخاصة المحليّة والأجنبيّة وتوفير كل الدعم والتسهيلات لها”.

وتوضح البدوي أن أسباب الحراك الجامعي هو الدفاع عن الجامعة العمومية كمكسب وطني منذ الاستقلال وكقاطرة  للعلم والمعرفة والتطور العلمي وكمصعد اجتماعي لكل الفئات وضمان جودة التكوين داخلها وذلك عبر: المحافظة على الكفاءات داخل الجامعات إذ اتّسمت السنوات الأخيرة بتنامي ظاهرة هجرة الأساتذة الجامعيين نحو الخارج بسبب تدنّي مقدرتهم الشرائية الشديد مقارنة بقطاعات أخرى تمتّعت بزيادات هامّة بدون مراعاة لمدى تناسب الأجر مع مستوى الشّهادة العلميّة، إضافة إلى تردّي ظروف العمل والبحث العلمي والبنية التّحتيّة، وتوفير الموارد الماليّة اللازمة والضّروريّة، إذ أنّ نسبة مخصّصات التعليم العالي من ميزانيّة الدّولة هي في تناقص مستمرّ.

وتشاطر الأستاذة بسمة الميلي المختصة في القانون زملاءها الرأي نفسه بخصوص وضع التعليم الجامعي العمومي موضحة في حديثها لـ “القدس العربي”: “ان الإضراب عن الامتحانات مع مواصلة التّدريس هو أقلّ ما نقوم به في مواجهة الدّمار الشّامل الذّي ينتظرنا جميعا أساتذة وطلبة إذا آثرنا الصّمت، لأن مستقبل الطالب هو الآخر مهدّد إذ ما قيمة ورقة الامتحان وما قيمة الشّهادة التّي ستمنحها له الوزارة إن كانت ستفضي به إلى البطالة وإن كان الطّالب لدى الوزارة مجرّد رقم أو ملفّ؟ فهو بالنّسبة للأستاذ مستقبل هذا الوطن. نحن نرفض كأساتذة أن نكون جزءا من آلة صارت تنتج العاطلين عن العمل خاصّة مع وجود حوالي 5000 دكتور عاطل عن العمل تواصل الوزارة غلق أبواب الانتداب أمامهم منذ سنوات بينما تلجأ إلى المتعاقدين والعرضيين للتدريس، ممّا يؤثّر على جودة التّكوين”.

فالأستاذ “يدافع أيضا عن حق الطّالب الذّي لا يعلم ما يحاك له ولمستقبله خلف الأبواب الموصدة خاصّة مع ظهور بوادر ما سمّي بإصلاح جديد لمنظومة التعليم العالي وهو في الحقيقة لن يكون سوى مزيد من الإفساد والتدمير الممنهج”.

ودعت سلطة الإشراف إلى التعامل بجدّية مع الوضع والتوقّف عن سياسة المماطلة والهروب إلى الأمام فلن يزيد ذلك الوضع إلا تأزّما، مشيرة إلى ان الحوار والتفاوض الجادّ كفيل بحلّ الأزمة.

سياسات ارتجالية

 

د. نجم الدين جويدة الأستاذ الجامعي في المدرسة الوطنية للمهندسين بسوسة والمنسق العام الوطني لاتحاد الأساتذة الجامعيين الباحثين التونسيين “إجابة” رأى في حديثه لـ”القدس العربي” ان الجامعة التونسية عرفت تراجعا معرفيا كبيرا خلال العشرية الأخيرة بسبب السياسات الاعتباطية والارتجالية التي تمّ توخّيها من قبل حكومات ما قبل وبعد الثورة التونسية. وأضاف: “أكبر محطّة تدميرية كانت في سنة 2008 عندما تمّ اعتماد منظومة إمد بطريقة متسرّعة وغير مدروسة بدون مراعاة خصوصية النسيج الاقتصادي والصناعي والاجتماعي للبلاد. تميّزت عشرية إحداث هذه المنظومة بتبنّي سياسة الكمّ على حساب الكيف وكان شعارها الأكبر “500 ألف طالب”. لذا تمّ إحداث المئات من المؤسسات الجامعية بدون إطار تدريس مؤهّل وبدون بنايات أو معدّات تدريس وبحث وكان معظمها على وجه الكراء وتقسيمها الجغرافي غير مدروس. صاحب هذه الحملة المسعورة لملء مدارج هذه المؤسسات الجامعية بالطلبة اعتماد سياسة التخلّي عن المناظرات الوطنية في المدارس الابتدائية (السيزيام) والمعاهد الثانوية (النوفيام والتنفيل ب25 في المئة في البكالوريا) وذلك لتسهيل الدخول إلى الجامعة دون عراقيل تذكر. كلّ هذا أدّى إلى تواجد مئات الآلاف من الطلبة بمستوى ضعيف ومتوسّط يدرسون في ظروف كارثية تفتقد للتأطير الجيّد وينعدم فيها البحث مع منظومة هجينة (3-5-8) تموّل المجتمع بكتائب من حاملي الشهادات المعطّلين عن العمل بدون كفاءة وبمستوى علمي وتقني ضحل. النتيجة كانت تقهقر الجامعة التونسية إلى المراتب الأخيرة في التصنيفات العالمية للجامعات.

ويضيف: “بعد الثورة، توالى العديد من الوزراء الذين كانوا منغمسين في الشأن الحزبي والسياسي ولم يولوا أي اهتمام لإصلاح منظومتي التعليم والبحث وكانوا يصدّون آذانهم عن الدعوات المتكرّرة لاتحاد الأساتذة الجامعيين الباحثين التونسيين (إجابة) للشروع في إصلاح حقيقي وجذري من شأنه أن يرتقي بالجامعة التونسية على المدى المتوسّط والبعيد. قدّمت نقابة (إجابة) مشروعا متكاملا للإصلاح الجامعي انبثق عن العشرات من ورشات التفكير والعمل وآلاف الاستشارات ورغم كلّ التحرّكات الاحتجاجية التي قمنا بها منذ سنة 2012 وإلى اليوم فلم يتغيّر شيء بل على العكس ازداد الوضع سوءا في ظلّ بيروقراطية مقيّتة لوزارة الإشراف وسياسة النعامة التي لا تبالي بما يحدث حولها”.

ويؤكد بأن السنوات الخمس الأخيرة (2014-2019) كانت بامتياز سنوات وزراء التعليم العالي الخاص الذين تميزوا بمحاباة ودعم القيام الفوضوي للجامعات الخاصّة بدون توفّر أدنى المقوّمات اللازمة للتدريس والتأطير. وقال إن تقرير دائرة المحاسبات الأخير يوثّق جيّدا كلّ هذه التجاوزات الخطيرة ويبيّن مدى تغلغل الفساد في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

هذا الوضع الكارثي للجامعة العمومية التونسية وسط لا مبالاة سلطة الإشراف والحكومات المتعاقبة التي خفّضت ميزانية وزارة التعليم العالي بشكل غير مسبوق (4.03 في المئة من ميزانية الدولة في سنة 2019 في حين كانت 7 في المئة في سنة 2008) إلى جانب تردّي الوضع البحثي والمادّي والمعنوي للأستاذ الجامعي الباحث، نتج عنه نزيف حاد للكفاءات الجامعية، فقرابة 4500 جامعي باحث هاجروا منذ الثورة. ودفع اتحاد الأساتذة الجامعيين الباحثين التونسيين “إجابة” إلى الأخذ على عاتقه الدفاع عن الجامعة العمومية المصعد الاجتماعي ومكسب دولة الاستقلال لمختلف شرائح المجتمع، وانطلق في سلسلة من التحرّكات منذ سنة 2012 وكان أوجها سنوات 2017 و2018 وهذه السنة خاصّة مع مشروع تدميري جاء به الوزير الحالي سليم خلبوص ليقضي على ما تبقّى من منظومة (إمد) إلى جانب تقليصه بصفة غير مسبوقة ميزانيات هياكل البحث العلمي بدون أن ننسى إصراره على غلق باب الانتداب أمام 5000 أستاذ معطّلين قسريا عن العمل ولا يستفيد هذا الوطن من خبراتهم وكفاءاتهم”.

وقال ان الإضراب الإداري سنة 2018 دام خمسة أشهر وخمسة أيام وانتهى باتّفاق في 2018 كان الهدف منه اعتبار الجامعة العمومية أولويّة والزيادة في ميزانية البحث العلمي إلى جانب إعادة الاعتبار للجامعي الباحث من خلال المضيّ درجة نحو احترام سلّم التأجير في الوظيفة العمومية على أساس الشهادات العلمية وذلك من خلال الانعكاسات المالية للنظام الأساسي الجديد للجامعيين الباحثين مع ضرورة فتح مناظرات الانتداب في كلّ الاختصاصات حسب حاجيات المؤسسات.

وقال إن هذا الإضراب واجب وطني وحتميّة لكلّ جامعي غيور على جامعته العمومية في دولة طبّعت مع الإضرابات ولا تولي أهمية للعلم والمتعلّمين، مشيرا إلى أن الطلاب لديهم مستوى وعي متقدّم وهم يعلمون أنه لا بدّ من بعض الألم حتى نستطيع بناء جامعة الغد في ظلّ سياسات الخوصصة المتوحّشة لحكومة تدعم الافتتاح الفوضوي لفقاقيع الجامعات الخاصة التي تبيع الشهادات العلمية في غياب تامّ للكفاءة ولأبسط مقوّمات المنافسة النزيهة.

وفي خضم كل هذه التحديات يبقى السؤال الأهم الذي يشغل بال النخبة الجامعية يتمثل في كيفية تخطي كل هذه الأزمات والحفاظ على الجامعة التونسية كمنارة تشعّ على المجتمع وقاطرة للعلم والمعرفة في ظلّ موجة التصحر العلمي وتقزيم المتعلمين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية