تونس-“القدس العربي”: لم ينل الفريق الحكومي الذي قدمه الحبيب الجملي ثقة مجلس نواب الشعب في تونس وحصل فقط على 71 صوتا وهو المطالب بالحصول على 109 من الأصوات على الأقل لينال التزكية ويصبح حكومة تونسية شرعية. ومن خلال عدد الأصوات المتحصل عليها يبدو أن حركة النهضة وائتلاف الكرامة هما فقط من صوت لصالح هذه الحكومة، فيما حسم حزب قلب تونس برئاسة نبيل القروي، والذي حل ثانيا في الانتخابات التشريعية الأخيرة، موقفه ولم يصوت للحكومة وانضم إلى جبهة الرفض التي تضم أساسا الحزب الدستوري الحر وحركة الشعب والتيار الديمقراطي وأحزابا وكتلا أخرى.
وبالتالي لم تستطع حركة النهضة أن تؤمن التحالفات التي تمكن مرشحها الحبيب الجملي من نيل الثقة لتركيبته الحكومية المقترحة، وهي في حاجة إلى المزيد من العمل مع الكتل البرلمانية وتقديم التنازلات بحثا عن النجاعة في العمل السياسي. ويبدو انه لا مفر من التوافق الذي نظر له الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي في ظل هذا النظام السياسي الذي أقره الدستور الجديد والذي ينبني على الحكومات الائتلافية وضرورة البحث عن التحالفات القوية غير الظرفية، لتشكيل الحكومات وتمرير مشاريع القوانين.
حكومة الرئيس
وبعد هذا الإخفاق للحبيب الجملي في نيل ثقة البرلمان تتجه الأنظار إلى القصر الرئاسي في قرطاج وإلى ساكنه الجديد قيس سعيد وإلى ما اصطلح البعض على تسميته بـ”حكومة الرئيس” التي دعت إليها أحزاب سياسية منذ البداية على غرار حركة الشعب ذات التوجهات القومية. وسيقوم بمقتضى هذا رئيس الجمهورية قيس سعيد باختيار شخصية “وطنية” لتشكيل الحكومة عوضا عن الحزب الحائز على المركز الأول في الانتخابات التشريعية الأخيرة، أي حركة النهضة.
وسيلعب الرئيس في هذا الإطار دور الحكم بين مختلف الفرقاء السياسيين من الأحزاب والكتل والذين عجزوا فرادى ومن دون تدخله عن التوافق، وهو مؤهل للعب هذا الدور باعتباره مستقلا من جهة، ولا انتماء سياسيا له وليست لديه كتلة برلمانية من جهة أخرى. وسيكون سعيد مجبرا على اختيار مرشح قادر على نيل ثقة مجلس نواب الشعب لأنه في حال أخفق مرشح الرئيس ستدخل البلاد في أزمة حادة سيصعب الخروج منها بالنظر إلى الوضعين الاقتصادي والاجتماعي المترديين في تونس واللذين يقتضيان تشكيل حكومة قوية في أقرب الآجال والمرور إلى السرعة القصوى في إجراء الإصلاحات اللازمة للنهوض بالبلاد في كافة القطاعات.
الانتخابات المبكرة
ويخشى كثير من التونسيين سيناريو الذهاب إلى الانتخابات التشريعية السابقة لأوانها في حال لم يتم التوافق على حكومة الرئيس وهو احتمال وارد جدا في ظل التناقضات القائمة في البرلمان ورغبة البعض بالذهاب ومنذ البداية نحو هذا الخيار لعله يوفق في الحصول على أغلبية مريحة مستغلا عزوف ناخبي الفريق الآخر. فالانتخابات السابقة لأوانها قد تعيد خلط الأوراق من جديد وتفرز كتلا نيابية كبيرة قادرة على الحكم لخمس سنوات وتمرير مشاريع القوانين التي تحتاجها البلاد للخروج من هذه الأزمة الخانقة والتي تشمل كافة المجالات.
والإشكال في هذا الخيار هو بقاء البلد لفترة طويلة بدون حكومة، وتقوم بتسييره حكومة تصريف أعمال وهو ما ستكون انعكاساته سلبية لا على الداخل التونسي فحسب بل أيضا على مستوى علاقات البلاد بشركائها الاقتصاديين الذين قد يفقدون الثقة في قدرة أبناء الخضراء على الخروج من أزمتهم وتتغير نظرتهم لما عرف بـ”الاستثناء التونسي”. كما أن الانتخابات مكلفة ماديا خاصة والبلد قد أجرى لتوه انتخابات تشريعية وأخرى رئاسية على دورتين، وقبل ذلك انتخابات محلية سبقها انتخاب المجلس الأعلى للقضاء من قبل رجال القانون، ولا يتصور أن قانون المالية رصد في الميزانية الجديدة مبلغا خاصا بالانتخابات التشريعية السابقة لأوانها.
تغيير النظام
وتحمل أطراف كثيرة في تونس المسؤولية لما يحصل من تعطيل للحياة السياسية للنظام السياسي والانتخابي وتدعو هذه الأطراف، ومنها رئيس الجمهورية الحالي قيس سعيد، إلى تغيير شكل النظام من خلال تعديل الدستور الحالي. وإن كان الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي مال إلى دعم صلاحيات رئيس الجمهورية باعتباره المنتخب مباشرة من قبل الشعب التونسي بالاقتراع العام والتخلي عن النظام البرلماني الذي يمنح جل الصلاحيات لرئيس الحكومة غير المنتخب، فإن الرئيس الحالي لديه الرغبة في ترسيخ ممارسة الديمقراطية المباشرة من خلال منح صلاحيات البرلمان للسلطة المحلية في نظام شبهه البعض بالنظام الجماهيري الذي ابتدعه معمر القذافي في جزئه المتعلق باللجان الشعبية.
لكن لا يبدو أن الوضع السياسي الراهن يسمح بتغيير شكل النظام، لأن الأمر في حاجة إلى توافقات تجعل جميع الأطراف تقبل بهذا التغيير وتدفع باتجاهه وترى فيه خلاصها وخلاص البلاد من أزماتها العديدة التي غرقت فيها في السنوات الأخيرة. لكن التوافق يبدو بعيد المنال في المشهد السياسي الحالي الذي تبدو فيه الأحزاب متنافرة إلى حد مناصبة بعضها العداء. فمثلا لا يتصور أن يتوافق الحزب الدستوري الحر الذي يمثل امتدادا لنظام بن علي مع ائتلاف الكرامة الذي يرفع شعارات ثورية راديكالية، رغم أن كثيرا من عناصره لم يعرف عنهم أي نشاط معارض زمن بن علي.