تونس تدخل المنعرج الحاسم بعد رحيل الباجي قايد السبسي

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس-“القدس العربي”: ودع التونسيون رئيسهم المنتخب ديمقراطيا يوم 27 تموز/يوليو في جنازة تاريخية مهيبة خرج خلالها الآلاف للشوارع وحضرها رؤساء وزعماء دول. وفتحت وفاة الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي الباب أمام تساؤلات عدة بخصوص مستقبل الوضع في البلاد على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية. فالرئيس التسعيني المخضرم، كان من طينة الزعماء القلائل الذين تركوا بصمتهم في تاريخ البلاد وأشرف على تسيير سلطتها في أدق المراحل ووضعها على سكة الانتقال الديمقراطي بفضل ما تمتع به من حنكة سياسية وخبرة في العمل السياسي والشأن العام، فبالرغم من أن دستور ما بعد الثورة أعطى للرئيس صلاحيات محدودة إلا ان قايد السبسي كان له الصوت المؤثر في الساحتين الداخلية والخارجية ولعب دورا هاما على المستوى الدبلوماسي في دعم تونس خارجيا للخروج من أزماتها بأقل الأضرار. وكما كانت البلاد نموذجا للانتقال الديمقراطي بعيدا عن العنف فإنها أيضا فاجأت العالم بفترة انتقال سلس بعد وفاة الرئيس تولى خلالها رئيس مجلس النواب محمد الناصر مهام رئاسة الجمهورية. واليوم يقف التونسيون أمام استحقاقات هامة انتخابية وسياسية، ففي 15 أيلول/سبتمبر المقبل سيكونون على موعد للإدلاء بأصواتهم لاختيار رئيس جديد للجمهورية وستتواصل الأجندات الانتخابية الهامة في 6 تشرين الأول/اكتوبر تاريخ إجراء الانتخابات البرلمانية التي تعد هامة في إطار فرز المشهد الحزبي والسياسي المقبل للبلاد التي لا تزال تواصل تجربتها الديمقراطية الوليدة بالرغم من التحديات والأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتهديدات الجماعات الإرهابية.

آفاق

 

يقول الأستاذ الجامعي والإعلامي جميل بن علي لـ “القدس العربي” إن الرحيل المفاجئ للرئيس التونسي مثلّ منعرجا حاسما وفارقا في المشهد السياسي المحلي، فهو من آخر الساسة المنتمين إلى جيل شارك في تحرير البلاد من الاستعمار الفرنسي وساهم في بناء الدولة الوطنية المستقلة وإنشاء مؤسساتها. ويضيف: “شاءت الأقدار أن يعود الباجي قايد السبسي مباشرة بُعيد الثورة يرعاها ويسوس أمرها سواء كوزير أول أو كرئيس للجمهورية انتخبه الشعب انتخابا حرّا ومباشرا. ولئن نجح التونسيون في تأمين انتقال سلس للسلطة تولى بمقتضاه رئيس البرلمان مهام رئاسة الجمهورية التزاما بما نصّ عليه الدستور، فإنّ رحيل الرئيس مع الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها فتح الوضع في البلاد على آفاق عدة محتملة”. وقال “شد الباجي القايد السبسي التونسيين ببلاغة خاصة قائمة على الارتجال ومحلية الخطاب بآيات من القرآن الكريم وأبيات من الشعر العربي وأمثال من اللّهجة العامية، وأسرهم بسرعة البديهة والقدرة على البرهنة والهزل في الوقت نفسه- ولماّ أوتي هذه الخصال بالرغم من تقدمه في السنّ فإنه امتلك كاريزما، خولت له قيادة النّاس وجمعهم على كلمة سواء- ويبدو أنّه البورقيبي الأخير الذي لم يفلح في شدّ التونسيين فقط وإنّما في أسر نفوس زعماء العالم الذين التقى بهم وتحدث إليهم أيضا، والحقّ أنّ كثيرا منهم لم يخف إعجابه بل وانبهاره بالسبسي لحنكته وخفة ظلّه”.

مصير التوافق السياسي

  

لعل السؤال الذي يطرح نفسه بالحاج هو مصير التوافق السياسي بعد رحيل الرئيس، فقد استطاع قايد السبسي ان يرسي نوعا من التوافق مع حركة النهضة خصمه اللدود فيما يطلق عليه بوثيقة قرطاج، التي تم خلالها التفاهم على تسييس البلاد على قاعدة التوافق. وساهم هذا الاتفاق بتجنيب البلاد ويلات نزاعات عديدة ومنزلقات خطيرة دخلت في خضمها دول أخرى في المنطقة. ويوضح جميل بن علي أنه بالرغم مما تعرض إليه الرئيس من إغراءات وضغوطات لفض الشراكة مع الإسلام السياسي الذي تمثله حركة النهضة، فإنّه ظلّ- ومنذ اللقاء الذي جمعه براشد الغنوشي رئيس حركة النهضة سنة 2013 في باريس- مصرا على التّوافق رافضا الإقصاء كون تونس تتسع لجميع أبنائها- وكان وهو يتحدث إلى الأطراف الإقليمية والدوليّة يسعى جاهدا إلى إقناعها بخصوصية التجربة التونسية وبنزوع حركة النهضة الممثلة للإسلام السياسي إلى أفق المدنية الديمقراطية، ورغم مساوئ هذا التوافق وسلبياته فإنّه قد أمن حدّا أدنى من الاستقرار في المشهد السياسي وساعد على جمع الأحزاب والمنظمات الوطنية حول طاولة واحدة للنقاش، ولم يتعطل التّوافق إلا خلال الأشهر الأخيرة حين أصرّت النهضة على دعم الشاهد والتمسك به رئيس للحكومة بتعلّة المحافظة على الاستقرار السياسي”. وعن مصير التوافق يجيب: “الآن وبعد أن رحل مهندس التّوافق، وفي ظلّ تشتت العائلة الوسطية الديمقراطية وتفرق شملها فان الحديث عن مستقبل التوافق السياسي الذي يضمن على مساوئه الحدّ الأدنى من استقرار الحكم، يبقى هاجس شرائح تونسية واسعة”.

من سيتولى الرئاسة في قرطاج بعد الباجي؟ يؤكد محدثنا: “تقول كل المؤشرات أن الراحل- لو لم تباغته المنية كان يستعدّ للقيام بخطوة لم يشر إليه نجله فحسب وإنّما أشار إليها أيضا مستشاره الحبيب الصيد لما جزم بأنّ الرئيس كان ينوي الإعلان عن مبادرة تلمّ شتات الناس وتوحدهم في الانتخابات التشريعية والرئاسية- ويبدو أنّه كان ينوي أن يدفع بوزير دفاعه عبد الكريم الزبيدي إلى التّرشح للرئاسيات، فهو أمين سرّه ورجله المخلص في الحكومة، وهو الوحيد الذي هاتفه لماّ كان مقيما في المستشفى العسكري لا يقوى على الحراك، وهو الوحيد الذي استدعاه والتقى به وحادثه قبيل وفاته بأيام معدودة، وهو الذي كان قد اقترحه في الحوار الوطني رئيسا للحكومة الانتقالية آنذاك، لكن الرئيس السابق المنصف المرزوقي أصرّ على رفضه فآل الأمر إلى المهدي جمعة – في المقابل وإضافة إلى نبيل القروي الذي تضعه استطلاعات الرأي في الصدارة وترجح مروره إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية – فإنّ رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد رئيس حزب (تحيا تونس) منافس جدي”.

انتقال سلمي

أما الكاتب والناشط السياسي الناصر الخشيني فقال لـ “القدس العربي”: “هناك قوى ودوائر ربما كانت تنتظر حدوث فوضى وصراع داخلي على السلطة بعد وفاة الرئيس، لكن الذي حصل هو انتقال سلمي للسلطة في نطاق مراعاة أحكام الدستور بكل سلاسة ولم تتخذ أي إجراءات أمنية أو عسكرية غير عادية وواصل المواطنون حياتهم والإدارات والمرافق العامة عملها بشكل طبيعي”. وهذا يؤكد ان “تونس تسير في الطريق الذي رسمه الشعب بتضحياته لإرساء هذا النمط الديمقراطي الليبرالي على مستوى السلطة السياسية ومسارات الحياة السياسية بحيث تم إقرار الاستحقاقات السياسية المتمثلة أساسا في الانتخابات التشريعية والرئاسية بإقرارها في مواعيدها مع تغيير طفيف بخصوص الانتخابات الرئاسية حتى يكون الانسجام مع مقررات الدستور المتعلق بفراغ منصب رئيس الجمهورية بسبب الوفاة”.

المشهد الحزبي

 

وبخصوص المشهد الحزبي يقول: “يوجد أكثر من 220 حزبا يتنافسون على السلطة، لكن فقط 10 أحزاب منها غطت كل الدوائر الانتخابية والبقية بعيدة كل البعد عن المنافسة الجدية بحكم عدم امتلاكها لناصية المنافسة المتمثلة في البرامج والكادر البشري والتمويل والإعلام، لان هذه العناصر إذا اجتمعت لدى جهة سياسية ما تستطيع أن تحقق مكاسب تجعلها في السلطة. وعموما فان القوى اليمينية المحافظة سواء كانت تعتمد الخطاب الديني أو الحداثة فإنها هي التي تمتلك القوة الضاغطة على الشعب لإعادتها إلى المشهد السياسي” ويضيف: “ان القوى الثورية وقوى التغيير الحقيقية كاليسار أو القوميين الذين يمتلكون الأفكار والمبادئ لكن لا يمتلكون الوسائل الأخرى كتوحيد قواهم مع بعض وخوض غمار الانتخابات بقوائم موحدة من شأنها ان تتركهم في المشهد السياسي لكن غلبة الأنا على قيادات هذه القوى أوصلت إلى تشتت المشهد الحزبي”. وتوقع ان يظل المشهد السياسي كما هو بدون تغيير يذكر إلا إذا حدثت مفاجآت غير متوقعة خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

وقال انه يجب إن لا ننسى التدخل الأجنبي، فهناك قوى إقليمية ودولية تدفع باتجاه مراعاة مصالحها وتقوم بتمويل أو فرض رؤيتها على قوى معينة تراهن عليها وتجعلها تفوز في كل الحالات وتترك بعض الفتات للقوى الديمقراطية والاجتماعية حتى تظهر الأمور وكأن هناك حياة ديمقراطية في حين أن الشعب واقع في ضائقة اقتصادية وانعدام الأمن وكثرة الجرائم والفساد إلى درجة تدفع للهجرة سواء عبر البحار أو حتى بؤر التوتر هروبا من جحيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية الصعبة بتونس.

تحديات

 

ويؤكد الناشط الحقوقي والسياسي رمزي الخليفي لـ “القدس العربي” انه “بعد وفاة الرئيس محمد الباجي قايد السبسي اعتقد الكثير من خارج تونس أن ذلك قد يؤدي إلى الصراع على خلافته خاصة في غياب المحكمة الدستورية التي أناط بها الدستور مهمة معاينة الشغور في منصب الرئيس حتى يتولى رئيس مجلس نواب الشعب سده وتوقعوا امكانية حدوث انقلاب. إلا أن تمسك كافة مؤسسات الدولة ورجالاتها بالتوافق وتغليب المصلحة العليا للوطن سهل عملية انتقال السلطة وتولى منصب الرئيس بالنيابة رئيس مجلس نواب الشعب في ساعات قليلة وأغلق بسلاسة ملف خلافة السبسي، وهو ما كان مصدر فخر واعتزاز للشعب التونسي”.

وعن مرحلة ما بعد الباجي يضيف بالقول: “استنادا للدستور التونسي الذي يفرض إجراء انتخابات رئاسية في أجل أدناه 45 يوما وأقصاه 90 يوما، فقد كان لزاما على هيئة الانتخابات تقديم موعد الانتخابات الرئاسية الذي كان مبرمجا يوم 17 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل بعد الانتخابات التشريعية يوم 06 تشرين الأول/اكتوبر المقبل ما دفع في اعتقادي إلى إعادة خلط الأوراق وخلق حالة من الارتباك داخل أغلب الأحزاب الفاعلة في الساحة السياسية التونسية على جميع المستويات”.

فبالنسبة للتاريخ الذي أصبح قريبا 15 ايلول/سبتمبر وسابقا للانتخابات التشريعية فقد أربك العديد من الراغبين في الترشح الذين قد يعجزون عن جمع التزكيات المطلوبة (10000) للترشح خلال أيام قليلة من ناحية، ومن ناحية أخرى فان التصويت في الانتخابات الرئاسية لن يتأثر بنتائج الانتخابات التشريعية كما تم التخطيط لذلك عند وضع الروزنامة الأولى.

حسابات سياسية

ويعتبر الخليفي أن الأهم من كل تلك الحسابات السياسية هو الزلزال الذي أحدثه موت الرئيس على مستوى الشروط التي يجب ان تتوفر في خليفته فسقف الانتظار قد ارتفع عاليا ولن يرضى الناخب التونسي برئيس جديد لا يتوفر فيه الحد الأدنى من الصفات التي عهدها في رئيسه الراحل كالحكمة والرصانة والقدرة على لم الشمل والخبرة السياسية الطويلة والتشبع بالحس الوطني والعلاقات الطيبة مع الدول الصديقة والشقيقة. فمن هذا المنطلق فقد تغيرت بصفة جذرية شروط اختيار الرئيس في ذهن أغلب أبناء الشعب ما صعّب المهمة أمام أغلب الحالمين بالمنصب”.

ويتابع: “سمعنا العديد من إعلان نوايا الترشح للانتخابات، بل وقد شرع العديد في تقديم ترشحاتهم. وفي تقديري فإن المنافسة ستكون على أشدها والمعركة الانتخابية ستكون حامية الوطيس ولن تحسم من الدور الأول بل سيكون هناك على الأرجح دورة ثانية للحسم”.

ويضيف: “ورغم أن المشهد غير واضح إلى حد اليوم إلا أنني أعتقد أن أبرز المترشحين الذين يمثلون مدارس مختلفة هم رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد الذي يترأس حركة تحيا تونس والذي قد يحظى بدعم كبير من العائلة الوسطية الديمقراطية وكذلك المرشحين نبيل القروي وقيس سعيد حيث برزا بشكل كبير في الأشهر الأخيرة”.

إذن في خضم كل ذلك، فإن مهمة الرئيس القادم لن تكون سهلة بالنظر إلى مستوى التحديات التي تواجهها البلاد سياسيا وأمنيا واقتصاديا واجتماعيا. فالانتقال الديمقراطي لم يشتد عوده بعد لذلك لا بد من الرئيس القادم ان يجمع الشمل ويكون محكما عدلا عند الخلاف بين شركاء الوطن ويكون رئيسا لكل التونسيين لا يغلب فئة على أخرى. كما أن الوضع الأمني يتطلب اليقظة الدائمة في مواجهة عدو غادر ألا وهو الإرهاب الأعمى. كما يتطلب الاقتصاد التسريع في نموه وتجاوز كل المعوقات. علاوة على ذلك فان الوضع الاجتماعي يحتاج أيضا إحاطة أكبر بالطبقات الضعيفة والمتوسطة بدون أن ننسى الحرب على الفساد التي تتطلب وحدة الصف. كل هذا لا يكون إلا برئيس وطني شجاع له قدر كبير من الخبرة والدراية بتسيير دواليب الدولة ويعمل في تناغم تام مع رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية