تونس: تغييرات منتظرة في المشهد الحكومي والبرلماني

روعة قاسم
حجم الخط
0

الاختلافات الإيديولوجية بين حركة النهضة وحركة الشعب تجعل من المستحيل أن يتعايش الطرفان طويلا في حكومة واحدة والجبهات العربية مفتوحة على مصراعيها أمام صراعات المحاور.

 

تونس-“القدس العربي”: يسير عقد التحالف الحكومي في تونس، مثلما كان متوقعا إلى الانفراط، بعد أن بات البلد أمام خيارات حاسمة بشأن موقفه الرسمي من القضايا العربية وفي مقدمتها الملف الليبي الذي يعني تونس بالدرجة الأولى. فالاختلافات الإيديولوجية بين حركة النهضة وحركة الشعب التي تنتمي إلى التيار القومي العروبي تجعل من المستحيل أن يتعايش الطرفان طويلا في حكومة واحدة والجبهات العربية مفتوحة على مصراعيها أمام صراعات المحاور.

ولعل ما زاد من اتساع الهوة بين الطرفين هو تخندق حركة الشعب مؤخرا في صف الحزب الدستوري الحر ورئيسته عبير موسي في ما يتعلق بموضوع اللائحة التي تقدمت بها والتي تهم التدخلات الخارجية في الملف الليبي والمكالمة الهاتفية التي جمعت رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي ورئيس حكومة الوفاق في ليبيا فائز السراج. وأثناء الجلسة البرلمانية التي تواصلت لوقت متأخر تعرض رئيس البرلمان إلى انتقادات واسعة من نواب حركة الشعب منهم سالم الأبيض وهيكل المكي وهو ما يبدو أزعج حركة النهضة وجعلها تراجع خياراتها.

ويتوقع أن تزداد الهوة اتساعا مع الاضرابات التي يحركها الاتحاد العام التونسي للشغل في مختلف القطاعات وفي بعض المدن على غرار صفاقس والنفيضة، والتي تنوي المركزية النقابية التصعيد فيها خلال الفترة المقبلة بسبب عدم استجابة الحكومة لاتفاقيات سابقة. فحركة الشعب لديها امتدادات داخل الاتحاد وخصوصا في نقابة التعليم الثانوي فيما يبدو أن أنصار حركة النهضة لا يستسيغون كثيرا تدخل المركزية النقابية في الشأن السياسي ويرغبون في أن يقتصر دورها على الدفاع على حقوق العمال في مختلف القطاعات.

وخلال الفترة المقبلة سيدخل أعوان الصحة في اضراب عام بقرار من الهيئة الإدارية القطاعية بعد يوم غضب بسبب عدم استجابة وزارة الصحة لمطالب الجيش الأبيض الذي أبلى بلاء حسنا خلال أزمة فيروس كورونا، كما ستدخل مدينة النفيضة في اضراب عام محلي احتجاجا على تدهور الأوضاع الاجتماعية والمهنية واستهداف النقابيين في عدد من المؤسسات الخاصة والعمومية وذلك بدفع من المكتب المحلي لاتحاد الشغل. كما أن صفاقس تتواصل فيها اضرابات عمال قطاعات الصحة والبلديات والولاية والكيمياء والنفط والفوسفات والنقل والسكك الحديدية والموانئ والماء والكهرباء والطريق السيارة والبريد والاتصالات والإعلام والعدلية والمالية والبنوك والفلاحة والضمان الاجتماعي وغيرها، وهي القطب الصناعي والفلاحي والخدماتي الجنوبي شديد التأثير في الاقتصاد الوطني.

ومن المتوقع أن تكون المواقف متباينة من هذه الإضرابات داخل الائتلاف الحكومي بين حركتي النهضة والشعب وهو ما سيزيد من الانقسام بين الإسلاميين والقوميين في تونس. فتوجه حركة النهضة اقتصاديا، وبالنظر إلى السياسات في السنوات الأخيرة، هو ليبرالي رأسمالي، في حين أن حركة الشعب ومن خلال مبادئها وعلاقتها المتينة بالاتحاد العام التونسي للشغل تبدو اجتماعية داعمة لدور الدولة في توجيه الاقتصاد والبحث عن العدالة الاجتماعية.

ائتلاف متصدع

ولعل الحوار الأخير الذي أجراه رئيس مجلس النواب راشد الغنوشي في قناة “نسمة” المملوكة من رئيس حزب قلب تونس والمرشح الرئاسي السابق نبيل القروي، يقيم الدليل على أن الائتلاف الحكومي ليس بخير وأنه مهدد بالتصدع وأن هناك تغييرات عديدة ستحصل في الأيام المقبلة. فقد عبر الغنوشي عن أسفه من تصويت حركة الشعب مع عبير موسي خلال الجلسة التي تم فيها التصويت على اللائحة المتعلقة بالملف الليبي والتي تقدمت بها رئيسة الحزب الدستوري الحر.

كما اعتبر أن التباين في مواقف مكونات الفريق الحاكم من عديد القضايا أمر غير طبيعي ولا يجب أن يستمر ووجب تصحيحه قريبا وهو ما فهم منه أن هناك رغبة في إزاحة حركة الشعب من الحكومة بسبب مواقفها الأخيرة. كما أن حزب “تحيا تونس” الذي يرأسه رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد يبدو بدوره مستهدفا من رئيس حركة النهضة وهناك رغبة في إخراجه من الائتلاف الحكومي خلافا لرغبة رئيس الجمهورية قيس سعيد ورئيس الحكومة إلياس الفخفاخ اللذين دعما تواجده خاصة وأن الفخفاخ كان خيار حزب الشاهد حين طالب قيس سعيد الأحزاب بمده بمقترحاتها حول الشخصية التي ستترأس الحكومة بعد فشل مرشح حركة النهضة الحبيب الجملي في نيل التزكية من البرلمان للتركيبة الحكومية التي تقدم بها.

ويبدو أن هناك ملاحقات قضائية قد تطال أشخاصا على علاقة بحكومة الشاهد السابقة حول قضية المنازل التي تم اقتناؤها في إسبانيا وهو ما قد يعجل برأي البعض باستبعاد حزب “تحيا تونس” من الائتلاف الحكومي. ناهيك عن أن هذا الحزب شأنه شأن حركة الشعب تتباين مواقفه مع حركة النهضة في الملف الليبي وقد اصطف مع عبير موسي في التصويت وانتقد نواب له مواقف رئيس البرلمان في هذا الملف الشائك الذي يحظى باهتمام التونسيين.

عودة إلى الصندوق

ولعل البديل الذي يرغب رئيس حركة النهضة في ضمه إلى الائتلاف الحكومي هو حزب قلب تونس برئاسة نبيل القروي وهو ما يفسر لدى البعض اختيار الغنوشي لقناة “نسمة” ليجري حواره، وذلك بالرغم من أن هذا الحزب اصطف أيضا مع عبير موسي وصوت مع اللائحة التي تقدمت بها الأخيرة والمتعلقة بالملف الليبي. ولعل ما يدعم هذا الرأي هو حديث الغنوشي في الحوار عن أن الحزب الثاني في الانتخابات يجب أن يكون في الحكم مثلما حصل في 2011 و2014 والحزب الثاني في الانتخابات التشريعية الأخيرة هو حزب قلب تونس الذي أبعد عن الحكم من قبل رئيسي الحكومة والجمهورية رغم أن حزب الفخفاخ أي التكتل من أجل العمل والحريات مني بهزيمة نكراء.

وقد رأى البعض في إصرار الغنوشي على تشريك حزب قلب تونس في الحكومة رغبة في العودة من جديد إلى الصندوق والإرادة الشعبية التي انتخبت حزبا فوجد نفسه في المعارضة فيما ترأس الحكومة إلياس الفخفاخ الذي حصد هو وحزبه نتائج هزيلة سواء في الانتخابات التشريعية أو الرئاسية، وهي مفارقة قد لا يوجد لها مثيل في دول العالم. وبالتالي كان لا بد من تصحيح الوضع السائد وتشريك حزب قلب تونس في الائتلاف الحكومي.

أما البديل عن حزب “تحيا تونس” (حزب الشاهد) فسيكون ائتلاف الكرامة، أقرب الأحزاب فكريا وإيديولوجيا ومن حيث التوجهات العامة من حركة النهضة خاصة وقد أشار الغنوشي في حواره إلى أن الأحزاب الأربعة الأولى في الانتخابات هي التي يجب أن تحكم، أي النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة والتيار الديمقراطي. وبالتالي ستتغير الخريطة السياسية التونسية إذا ما تم ذلك وستتشكل المعارضة من الحزب الدستوري الحر وحركة الشعب وتحيا تونس.

بالمقابل يرى البعض أن حركة الشعب ستبقى في الحكومة ولن يدعم بها الغنوشي معارضة تقودها عبير موسي وأن الهدف بالأساس من توسعة الائتلاف الحكومي هو إضعاف المعارضة وحشر الحزب الدستوري الحر في الزاوية. فلو استمر الحال على ما هو عليه ستكون المعارضة على درجة كبيرة من القوة وهو ما قد يعطل سير دواليب الدولة في ظل دستور يجبر الحزب الأول على البحث على أكبر قدر ممكن من التوافقات لتمرير مشاريع القوانين التي تقتضي لتمريرها نصابا مرتفعا.

ولعل السؤال الذي يطرح هل سيقبل التيار الديمقراطي (أحد تفرعات حزب المرزوقي بعد انقسامه) بوجود حزب قلب تونس في الائتلاف الحاكم وهو الذي رفض سابقا وجوده رفضا قاطعا؟ وهل سيقبل بذلك رئيس الجمهورية قيس سعيد الذي دفع باتجاه أن تتشكل الحكومة من الأحزاب التي دعمته في الانتخابات الرئاسية؟ أي ضمنيا إقصاء حزب منافسه في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية نبيل القروي. وهل سيترأس الفخفاخ الباحث عن حكومة من روح الثورة تشكيلة حكومية فيها ممثلون من حزب قلب تونس؟ هل سيرفض أم أن إغراء المنصب والسلطة أكبر بكثير من المبادئ والقيم؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية