تونس: تنامي الفقر في المناطق المهمشة يعيق التنمية ويفاقم الأزمات المجتمعية

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: تؤكد آخر الأرقام والبيانات الرسمية الصادرة بأن نسبة الفقر تشهد تناميا ملحوظا في المناطق المهمشة في تونس. وفي آخر تقرير للبنك الدولي فإن النسبة وصلت إلى نحو 28.99 في المئة في عام 2025. وتطرق التقرير إلى قيام المعهد الوطني للإحصاء بمراجعة إجمالي الرعاية الاجتماعية لعام 2010 من أجل مقارنة تقديرات الفقر لعامي 2015 و2021.

في حين تشير الأرقام الرسمية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء في تونس إلى أن نسبة الفقر والتي يتم الإعلان عنها كل خمس سنوات قد ارتفعت سنة 2021 لتبلغ 16.6 في المئة، مقابل 15.2 في المئة سنة 2015.
ويعتبر فقيرا في تونس بحسب المعيار المعتمد كل شخص لم يتجاوز إنفاقه الاستهلاكي السنوي قرابة الـ600 دينار تونسي وهو معيار يتعرض إلى انتقادات واسعة ويعتبر البعض أنه قد تجاوزه الزمن.
وتؤكد الأرقام الرسمية الصادرة عن معهد الإحصاء في تونس أيضا وجود زيادة في نسبة الفقر في أغلب الأقاليم بين سنتي 2015 و2021 باستثناء إقليم تونس الكبرى، الذي يضم ولايات تونس أريانة ومنوبة وبن عروس، وإقليم الشمال الغربي الذي يضم ولايات باجة والكاف وجندوبة وسليانة. وتضم ولايات تونس الكبرى 48 معتمدية، وتعتبر هذه المعتمديات الأقل فقرا من بين جهات البلاد الأخرى إذ يتراوح معدل الفقر فيها ما بين 0.2 في المئة و 15.2 في المئة. ويتوقع الخبراء زيادة هذه النسبة خلال الأعوام الماضية بسبب عديد المسببات والتأثيرات الداخلية والخارجية.
وتعتبر معتمديات البطان وطبربة وقلعة الأندلس الأكثر فقرا في ولايات تونس الكبرى وهي تونس المدينة وبن عروس ومنوبة وأريانة، رغم أن هذه المعتمديات تقع في دوائر المناطق الأكثر حظا. وبالتالي فإن المناطق الأكثر ترفا في تونس تحيط بها بدورها أحياء فقيرة ينتمي سكانها إلى الجهات الداخلية الأكثر فقرا والذين لم يشفع لهم نزوحهم إلى المدن الكبرى في تحسين أوضاعهم.
ووفقا لمعهد الإحصاء فإن الوسط الغربي ما زال الإقليم الأكثر فقرا في تونس حيث تم في هذا الإقليم تسجيل نسبة تقدر بـ37 في المئة سنة 2021 مقابل 30.8 في المئة سنة 2015. وبالمقابل فإن إقليم الشمال الغربي الذي يُعتقد أنه الإقليم الأكثر فقرا فقد سجّل انخفاضا ملحوظا في نسبة الفقر وذلك من 28.4 في المئة في سنة 2015 إلى 22.5 في المئة في سنة 2021.

الفقر في صفوف الأطفال

أما فيما يتعلق بالفقر في صفوف الأطفال، وحسب آخر دراسة أعدتها منظمة «اليونيسف» فإن 26 في المئة من إجمالي 3.4 مليون طفل في تونس يعيشون تحت خط الفقر، أي حوالي 826 ألف طفل. وأضافت الدراسة المشار إليها بأن 5.1 في المئة من بين هؤلاء الأطفال يعيشون في فقر مدقع وفي حالة كارثية تقتضي الحلول العاجلة.
كما يوجد تفاوت كبير في معدل فقر الأطفال بين المناطق التونسية حيث يبلغ معدل فقر الأطفال في المناطق الريفية 36 في المئة، بينما بلغت نسبة الأطفال الفقراء في المناطق الحضرية 20 في المئة. وأشارت الدراسة إلى أن 50 في المئة من الأطفال في منطقة الوسط الغربي يعيشون في أسر فقيرة، بينما لا تتجاوز نسبة الأطفال الفقراء في إقليم تونس الكبرى 8 في المئة.
لعل أهم مسببات الفقر في تونس هو سوء الحوكمة والتحكم في الثروات الطبيعية والبشرية الموجودة من قبل الحكومات التونسية المتعاقبة وسوء توظيفها التوظيف الأمثل لتحقيق تنمية حقيقية. حيث يؤكد الخبراء على أن هذه الثروات كافية لتحسين معيشة شعب حافظ على نمو سكاني معتدل ويعج بالكفاءات مثل الشعب التونسي، لكن سوء التصرف في هذه الموارد والتخطيط هو الذي تسبب في فشل السياسات التنموية والعجز عن القضاء على الفقر.
كما أن تفشي الفساد المالي والإداري، والذي عجزت الدولة عن محاربته، هو، حسب البعض، من أسباب تزايد الفقر في البلاد. فهناك فئة هامة من السياسيين وكبار الموظفين نهبت البلاد ماضيا وحاضرا وأفلتت من العقاب وهو ما جعل غيرها يتمادى في العبث بمقدرات الشعب.
كما أن انتشار الاقتصاد الريعي الذي يحتكر الثروة فيه عدد محدود من رجال الأعمال الذين يمنعون الشباب من الاستثمار ويضيقون عليهم الخناق في الميادين التي ينشطون فيها يساهم في ارتفاع نسبة الفقر. فهذه الفئة من رجال الأعمال لها سيطرة على لوبيات البنوك وتتحكم بمصادر التمويل وتمنعه عن الراغبين في بعث مشاريع في القطاعات التي يستثمرون وينشطون فيها.
ويساهم التفاوت الجهوي في البلاد بين مناطق محظوظة وجدت فرص التنمية وجهات داخلية منكوبة انعدمت فيها التنمية في ازدياد الفقر بالمناطق الداخلية على وجه الخصوص. وكان هذا التفاوت تحديدا من مسببات الثورة التي عرفتها تونس منذ عقد ونصف وتسببت في انهيار نظام حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.
كما زادت في ارتفاع نسبة الفقر، الأزمة السياسية التي حصلت في البلاد بعد الثورة وما صاحبها من انتشار كبير للمطلبية وإضراب متواصل تسبب في تعطل الإنتاج وشلل قطاعات عديدة. ومع تعطل التنمية نتيجة لهذه الإضرابات قلت فرص الحصول على عمل وبأجر لائق وهو ما جعل نسبة الفقر تزداد عوض أن تتراجع.
كما تسبب تراجع الأمن بعد الثورة والضعف المؤقت في أجهزة الدولة، وذلك قبل أن تستعيد هذه الأجهزة زمام المبادرة في استهداف قطاعات عديدة مثل السياحة وغيرها. ويدرك القاصي والداني أهمية القطاع السياحي في تونس وقدرته التشغيلية الفائقة، وأن استهدافه سيؤدي إما إلى ارتفاع نسبة البطالة أو إلى التقليل من أجور العاملين في هذا الميدان الحيوي.
وزاد الطين بلة أزمة كورونا وتعطل المبادلات التجارية، وكذلك الحرب الروسية الأوكرانية وارتفاع أسعار المحروقات. وقد أدى ذلك بالدولة التونسية إلى إنفاق أموال طائلة على مقتنيات الطاقة الحبوب على حساب التنمية وخلق مواطن الشغل.

نتائج كارثية

يؤكد الكاتب والباحث في علم الاجتماع هشام الحاجي في حديثه لـ«القدس العربي» أنه لا يختلف إثنان في أن الفقر هو آفة اجتماعية بكل ما للكلمة من معنى لها مسبباتها وهي تتسبب بدورها في آفات عديدة أخرى على غرار العنف والإنحراف والجريمة. فالأطفال الذين يعيشون الفقر والخصاصة تتكون لديهم، بحسب الحاجي، جملة من العقد الاجتماعية وذلك من خلال قيامهم بالمقارنات بينهم وبين الأطفال الذين لدى آبائهم القدرة على توفير متطلبات العيش الكريم لهم، فيتولد لديهم شعور بالنقمة على المجتمع يؤدي بهم إما إلى الانعزال والانتحار، أو إلى الجنوح إلى السلوك العدواني تجاه المجتمع من خلال ارتكاب الجرائم مثل السرقة والعنف وحتى القتل.
ويضيف محدثنا قائلا: «كما أن الفقر بامكانه إصابة الأطفال بالإحباط وقتل الطموح لديهم وجعلهم يتخبطون في اليأس. ولعل ظاهرة هجرة للأطفال القصر التي برزت في السنوات الأخيرة هي نتيجة للفقر والحرمان الذي يعيشه الأطفال. كما أن الفقر بامكانه أن يولد لدى الأطفال وكبار السن على حد سواء عدم الرغبة في الانتماء إلى الوطن الذي لم يوفر لأبنائه العيش الكريم في أغلب الأحيان. وبالتالي، وفي هذا الإطار، يمكن تحميل الحكومات المتعاقبة المسؤولية على فتور الشعور بالانتماء للوطن والاستعداد للذود عنه وللتضحية في سبيله».
كما أن الفقر، حسب الباحث الاجتماعي التونسي هو أيضا من مسببات انتشار ظاهرة التسول في صفوف كبار السن والأطفال على حد سواء. والتسول، برأيه، هو من الظواهر الخطيرة التي يتسبب فيها أيضا غياب التشغيل وتفشي البطالة.
من جهته يرى المحامي والناشط الحقوقي صبري الثابتي في حديثه لـ«القدس العربي» أن توفير العيش اللائق للمواطن هو من الحقوق الاقتصادية التي نصت عليها عديد المواثيق الدولية على غرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لسنة 1966 والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 أيضا. وبالتالي وجب على الدول، حسب الثابتي، ضمان الحق في العيش اللائق من خلال ضمان الحصول على الغذاء الكافي، والسكن المناسب، والملبس اللائق، والرعاية الصحية الجيدة، والتعليم الراقي، والعمل بكرامة مع التمتع بجميع الحقوق وفي طليعتها الأجر المحترم والضمان الاجتماعي والتقاعد المريح.
ويضيف قائلا: «إن مصادقة الدول، ومنها تونس، على المواثيق الدولية للحقوق الاقتصادية تجعلها ملزمة بموجب أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان باتخاذ جميع التدابير لإعمال هذه الحقوق وجعلها واقعا. وعلى هذا الأساس فإن الدول بات لزاما عليها أن تمتنع عن ارتكاب أي فعل من شأنه أن يمس بهذه الحقوق مع القيام بما يجب القيام به لمنع انتهاك أطراف أخرى لهذه الحقوق.
كما يصبح لزاما على الدول المصادقة أن تسن القوانين وتتخذ القرارات التي تكفل ضمان هذه الحقوق على أراضيها، مع تخصيص ميزانيات لضمان حماية هذه الحقوق وأن يتمتع بهذه التدابير والأموال المرصودة الجميع وبدون تمييز على أي أساس كان. وبامكان الدول أن تقدم العون لبعضها البعض حتى تتمكن من الإيفاء بالتزاماتها الدولية في توفير العيش الكريم لمواطنيها».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية