تونس ـ «القدس العربي»: تلجأ الحكومة التونسية منذ فترة إلى الاقتراض من بنكها المركزي في خطوة فتحت بابا واسعا لتساؤلات عديدة حول مدى استقلالية هذا البنك. وتم الإعلان عن عزم الحكومة اقتراض 7 مليار دينار تونسي من البنك المركزي. وسيتم إرجاع هذا القرض على عشر سنوات، وهي مدة مريحة إلى درجة المبالغة برأي البعض، وبمبلغ فائدة مقبولة وأقل مما هو معمول به لدى أغلب المؤسسات المالية الخارجية المانحة التي اعتاد التونسيون على التعامل معها.
ويرى المعارضون للتداين من البنك المركزي أن هذا التداين قد يخل بالتوازنات المالية للبنك التي صمدت رغم الوضع الاقتصادي الاستثنائي الذي يمر به البلد، وقد يكون له تأثير سلبي على سعر صرف الدينار التونسي مقابل العملات الأجنبية وهو سعر معتبر وجيد. كما يخشى هؤلاء من تزايد نسبة التضخم وهي التي بدأت في التراجع في الفترة الأخيرة نتيجة التحسن في بعض المؤشرات التي سجلها الاقتصاد التونسي خلال سنة 2023 نتيجة ارتفاع عائدات السياحة وتحويلات التونسيين بالخارج والصادرات الصناعية والفلاحية.
ويشدد خبراء الاقتصاد على أنه كان على الحكومة أن لا تتجاوز في اقتراضها من بنكها المركزي مبلغ 5 مليار دينار إذا اقتضتها الضرورة لذلك، بينما هي تجاوزت واقترضت 7 مليارات غير عابئة بالتوازنات. كما أنه كان من المفروض أن لا يكون القرض بتلك الشروط الميسرة والمتمثلة في مدة سداد طويلة، أي عشر سنوات، وفائض ضعيف وذلك حتى لا يقع المس بتوازنات البنك المركزي.
ويرى هؤلاء أن الحكومة لديها علم مسبق ومنذ فترة طويلة بأنها ستقوم بسداد أقساط ديون خلال شهر شباط/فبراير فلماذا لم تستعد لهذا السداد منذ فترة بإيجاد بدائل تجنبها التداين من البنك المركزي التونسي وتعريضه لخطر فقدان السيطرة على التوازنات المالية؟ وأنه كان بالإمكان رفع نسق إنتاج وتصدير الفوسفات على سبيل المثال خاصة وأن الاحتياطي متوفر بكميات هامة والطلب كبير والسوق العالمية ترغب بالمزيد من الفوسفات التونسي الذي يتميز بالجودة وانخفاض تكلفة الاستخراج.
كما أن هناك بدائل أخرى كان يمكن الذهاب فيها بعيدا خلال السنة المنقضية على غرار التسريع في نسق الاستثمار في الطاقات البديلة باعتبار أن العجز الطاقي المسجل في السنوات الأخيرة مع سداد الديون وكتلة الأجور هو أهم مسببات العجز التجاري المحلي. فسد هذه الفجوة الطاقية التي برزت في السنوات الأخيرة نتيجة تراجع إنتاج حقول النفط والغاز التونسية وتوقف نشاط التنقيب وارتفاع الاستهلاك والتأخير الكبير في إنجاز مشاريع الطاقات البديلة نتيجة البيروقراطية النقابية، هي ضرورة لإنقاذ الاقتصاد الوطني ولتوفير السيولة اللازمة لإنجاز المشاريع التنموية.
اقتراض مضمون
بالمقابل يرى البعض أن اقتراض تونس من بنكها المركزي يجنبها الإذلال الذي تتعرض له من بعض المؤسسات المالية وحتى من دول تعد في كل مرة باقراض تونس ثم لا تفي بوعودها. لقد عرضت دولة اقراض تونس قبل بداية سنة 2023 وتم إدراج قرضها في قانون المالية لكن القرض لم يصل وانتقدت إحدى وكالات التصنيف الإئتماني السيادي تونس على إدراج هذا الوعد الوهمي ضمن الميزانية وتكرر الأمر قبل بداية سنة 2024 ولم يصل شيء من هذا البلد إلى حد الآن.
وبالتالي فإن الاقتراض من البنك المركزي مضمون، حسب هؤلاء، ويتم إيداعه في الآجال المحددة، وليس وعدا وهميا مثل قروض بعض الدول الشقيقة القريبة، ولا يمكن له أن يمس من مصداقية البلد في عيون العالم الخارجي وذلك رغم بعض المخاطر التي تلف هذه العملية. ويمكن تفادي هذه المخاطر المتعلقة به، والتي يخشاها البعض، وذلك من خلال عدم اللجوء إلى هذا الاقتراض بصفة مستمرة وكلما كانت البلاد بحاجة إلى ذلك، بل يجب الاكتفاء به لمرة واحدة لا غير وبمبلغ محدود ومن أجل هدف محدد ويحبذ أن يكون لسداد دين خارجي أو لإطلاق مشروع تنموي.
ويرى المدافعون عن هذا الاقتراض أن مخاطره ستكون محدودة وخصوصا فيما يتعلق بالتضخم لأن هذه الأموال لن تضخ في الاقتصاد الوطني وستذهب 5 مليار دينار منها لسداد قسط حل أجله لقرض من العشرية السابقة. أما باقي المبلغ وقدره 2 مليار دينار فإنه سيذهب للتنمية وتحديدا لتطوير مصنع الورق وعجين الحلفاء بالقصرين وشركة فوسفات قفصة، وهي الشركة الوطنية الكبرى التي تحتكر نشاط استخراج الفوسفات التونسي وتصديره إلى الخارج.
وترى الخبيرة المالية في المحاسبة منية برهومي في حديثها لـ«القدس العربي» أنه لن يكون هناك تضخم جديد ناتج عن الاقتراض من البنك المركزي وأن نسبة التضخم ستواصل تراجعها هذا العام في تونس أسوة بالعام الماضي ما لم يحصل طارئ غير متوقع على غرار ما حصل مع جائحة كورونا وما نتج عنها. فالاقتصاد التونسي متنوع المصادر ولديه قدرة على التعافي حتى في غياب حكومات لا تخطط وتفتقد إلى البرامج وإلى حسن التدبير والاستشراف وذلك ما لم توجد مؤثرات خارجية سلبية تعيق نموه وما لم توجد هذه الديون المتراكمة من العشرية السابقة والتي هي بصدد امتصاص تعب وجهد التونسيين وجعله لا ينعكس على التنمية.
حل مؤقت
وفي هذا الإطار يرى عماد بالرابح الباحث التونسي في الاقتصاد في حديثه لـ«القدس العربي» أن الاقتراض من البنك المركزي لا يُنصح به بتاتا بالنسبة إلى الدول التي تعيش أوضاعا اقتصادية عادية ومستقرة وليست لها ديون كثيرة ولا تمر بأزمات مالية. أما الدول التي تشبه تونس وتصارع من أجل الخروج من عنق الزجاجة، قد يكون الاقتراض من البنك المركزي، حسب بالرابح حلا مؤقتا بالنسبة لها من أحل استحقاق عاجل ولا يحتمل الانتظار على غرار سداد قسط دين أو إنجاز مشروع تنموي ضروري سيدر أرباحا يمكن من خلالها خلاص هذا القرض في أسرع الآجال.
ويضيف محدثنا قائلا: «لكن وجب أن لا يتكرر هذا اللجوء إلى البنك المركزي وأن لا يصبح السبيل الوحيد لتوفير السيولة المالية اللازمة لأن الأمر إن تكرر سيؤدي إلى التضخم وإلى الانهيار الاقتصادي التام وذلك بعد المساس بالتوازنات المالية للبنك المركزي نتيجة لهذه العملية. كما يحب أن تكون مهلة سداد القرض قصيرة في الزمن لتجنب كل الآثار السيئة، وأن لا تمتد إلى عشر سنوات مثلما حصل مع القرض الأخير الذي نالته تونس من بنكها المركزي ولقي الكثير من الانتقادات.
صحيح أن تاريخ تونس لم يشهد كل هذا الكم الهائل من الديون الذي تسبب فيه التسيير السيء للدولة خلال العشرية الماضية، وهي ديون لم ير منها التونسيون شيئا على الميدان لا مشاريع تنموية ولا بنى تحتية، لكن كان على الحكومة أن تستعد كما يجب لهذا القسط من الدين الخارجي الذي اقترضت من أجله من البنك المركزي منذ فترة خاصة وهي تعرف موعد حلوله. كان يمكن للدبلوماسية الاقتصادية أن تنشط وتبحث جديا مع الجهات الدائنة في مسألة إعادة جدولة الديون أو مسألة تحويلها إلى استثمارات لأن البلد بحاجة إلى الإنفاق على التنمية لكن كثرة الديون تحول دون تعافي البلد وخلقه للثروة التي تعود بالمنفعة على المواطن».