تونس ـ «القدس العربي»: العلاقات المتينة والراسخة والممتدة في أعماق التاريخ بين الشعبين التونسي والفلسطيني، تجعل المواقف الشعبية والرسمية التونسية المساندة لحقوق الشعب الفلسطيني وتجعل الهبّة لنصرة شعب الجبارين أمرا بديهيا وعفويا ولا علاقة له بالحسابات والمزايدات والمتاجرات السياسية التي تميز سلوك البعض في المنطقة. فشعب قرطاج بينه وبين الشعوب الكنعانية أكثر من رابط ثقافي وحضاري يجعله على الدوام نصيرا صادقا للقضية الفلسطينية ولقضايا التحرر في المنطقة، كيف لا وآثاره في باب وحارة المغاربة في بيت المقدس بادية وجلية منذ زمن حضارة القيروان عاصمة المغرب الإسلامي التاريخية حيث استقرت جالية تونسية ومغاربية هامة هناك أصبحت بمرور الزمن من مكونات الشعب الفلسطيني.
وفي العصر الحديث كان للقاء الشهير بين مفتي القدس الحاج أمين الحسيني والزعيم التونسي الحبيب بورقيبة في روما خلال الحرب العالمية الثانية بعد أن أفرج الألمان عن بورقيبة من سجن فرنسي في مرسيليا بعد احتلالهم لبلد فولتير، أثره الكبير على متانة العلاقات بين الشعبين. كما كان للدعم الذي لقيه بورقيبة من الصحافي الفلسطيني محمد علي الطاهر حين كان باحثا عن دعم لقضية التحرر التونسية في القاهرة لدى الجامعة العربية في الأربعينات من القرن الماضي أثره أيضا على متانة العلاقات وتواصل النخب السياسية والفكرية والثقافية مع بعضها البعض.
علاقات متينة
كما كان أيضا لذهاب متطوعين تونسيين على الأقدام إلى فلسطين سنة 1948 للقتال مع المجاهدين، ولتطوع كثير من التونسيين في الفصائل الفلسطينية في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي وقتالهم واستشهادهم من أجل فلسطين أثره على متانة العلاقات. ولعل الحدث الفارق الذي جعل الشعبين يلتحمان أكثر فأكثر، هو استقرار منظمة التحرير الفلسطينية في تونس قيادة وجزء هام من المقاتلين سنة 1982 وذلك بعد إخراج المنظمة من بيروت، واختلاط دماء الشعبين بعد قصف الكيان الصهيوني سنة 1985 لمدينة حمام الشط التونسية حيث قيادة منظمة التحرير.
لقد باتت توجد في تونس جالية فلسطينية هامة من حيث العدد أصبحت مكونا من مكونات الشعب التونسي بحكم الصداقات والمصاهرات، جعل وجودها الشعب التونسي ينتصر لفلسطين انتصاره لذاته معتبرا القضية الفلسطينية قضيته. ولعل ذلك ما شعر به الشهيد المهندس محمد الزواري الذي طور الطائرات دون طيار التي توظفها اليوم المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة في دك حصون العدو، ودفع حياته ثمنا لذلك بعد أن اغتاله الموساد في تونس.
عودة الوهج
لقد كانت الأيام الماضية شاهدة على عودة الوهج إلى القضية الفلسطينية في الشارع التونسي، حيث انتظمت التحركات المساندة للحق الفلسطيني المتماهية مع الموقف الرسمي الذي ذهب بعيدا ولم يعد يكتفي بدولة فلسطينية وعاصمتها القدس على حدود سنة 1967 بل عاد إلى الحديث رسميا في تونس عن ضرورة تحرير فلسطين من النهر إلى البحر بما في ذلك أراضي 1948. ويبدو أن التطرف الإسرائيلي ومحاولته إجهاض حل الدولتين جعل الطرف الرسمي التونسي يذهب إلى الأقصى وهو العودة إلى البدايات وعصر اللاءات الثلاث والمقاومة بلا صلح ولا مساومة، وهو موقف لقي مساندة شعبية واسعة في الشارع التونسي الرافض في عمومه لكل أشكال التطبيع.
ومع الموقف الحاسم والمتميز عربيا للرئيس قيس سعيد عاد الحديث مجددا في تونس عن قانون تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني وتم تقديم مشروع قانون للبرلمان التونسي الذي كان موقفه متماهيا مع موقف السلطة التنفيذية، وسيعرض المشروع على اللجان للنظر فيه. ويبدو أن الفرصة مواتية لتمرير هذا القانون الذي تم تعطيل تمريره خلال العشرية الماضية بتعلات واهية لم تقنع الشارع التونسي الذي يرغب بقوة في تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني ضاربا عرض الحائط بحاجته إلى صندوق النقد الدولي والقوى الكبرى لدعم الاقتصاد التونسي.
ولعل اللافت في المظاهرات وتحركات الشارع في تونس هو خروج جيل جديد إلى الشوارع من الأطفال والمراهقين وممن هم في بدايات مرحلة الشباب للتعبير بحماس عن مساندتهم للشعب الفلسطيني. لقد تفاجأ الجميع بمستوى وعي هذا الجيل الذي كان سباقا للتظاهر من أجل فلسطين وشعبها المناضل الصامد بوجه احتلال غاشم غير تقليدي تسانده القوى الكبرى في العالم وتدعمه حتى في قتله المدنيين العزل والأطفال.
إن ما هو أكيد أن هذا الجيل من التونسيين، الذي يشاهد يوميا ومنذ عملية انطلاق عملية طوفان الأقصى المجازر الصهيونية والقتل اليومي للأبرياء والتشريد الذي يعاني ويلاته الفلسطينيون وهم في أرضهم، سيعي تمام الوعي عدالة هذه القضية، وستترسخ في ذهنه هذه الصور المؤلمة إلى الأبد مثلما ترسخت صور أخرى في أذهان من سبقوه في هذه الحياة. لقد خرج هذا الجيل للتظاهر من أجل فلسطين تلقائيا ودون تأطير من أحزاب أو منظمات وذهب إلى المدارس والاعداديات والثانويات والجامعات يحمل العلم الفلسطيني دون أن يطالبه أحد بذلك ودون أن يقع توجيهه، فقد شاهد فقط ما يحصل من خلال القنوات الإخبارية ووسائل التواصل الحديثة عبر الإنترنت وميز وحده الحق من الباطل وتخندق مع أشقائه فطريا.
حشد هام
لقد كان خروج المواطنين ليلا للتظاهر بعد مجزرة المستشفى المعمداني بدوره تلقائيا، وفي غياب سفارة للكيان الصهيوني في تونس، بسبب عدم إنخراط الخضراء في موجة التطبيع، توجه المتظاهرون صوب سفارتي فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. وقد جعل ذلك وسائل الإعلام الفرنسية تتساءل على ما يجعل التونسيين يتظاهرون من أجل فلسطين أمام سفارة فرنسا في وقت يعانون فيه من عديد المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، فقد كانت دعوة للكثيرين في باريس للتفكير في موقفهم المتطرف نصرة للصهاينة وتنكرا للحق الفلسطيني.
وللإشارة فإن المظاهرات والمسيرات عمت كل المدن التونسية دون استثناء، وحشدت أعدادا كبيرة وهائلة رغم وقوعها إما ليلا والناس نيام أو في أوقات العمل وتحت شمس حارقة ودرجات حرارة مرتفعة لم يعتدها التونسيون في شهر تشرين الأول/أكتوبر. وطالب المتظاهرون صراحة بطرد السفير الفرنسي من تونس وصبوا جام غضبهم على البلدان التي تدعم الكيان الصهيوني وتشجعه على ارتكاب هذه المجازر البشعة وتجعله فوق المحاسبة والمساءلة القانونية مهما بلغت درجة إجرامه. وفيما يتعلق بالمنظمات الوطنية والأحزاب السياسية والقوى الحية في البلاد فإنها لم تتخلف عن مساندتها المعهودة للقضية الفلسطينية، فحشدت جماهيرها للتظاهر في الشوارع ولدعم مجهود الدولة بإرسال المواد الإغاثية والطبية والأغذية وللتبرع بالدم لجرحى القصف الهمجي في قطاع غزة. وقد تم إرسال القسط الأول من المساعدات من قبل الدولة إلى مطار العريش في مصر وسيتم إرسال المزيد خلال الساعات المقبلة خاصة مع فتح معبر رفح والسماح بعبور الشاحنات إلى داخل قطاع غزة.
ويبدو أن المنظمات الوطنية التونسية سترسل مساعداتها بمعزل عن الدولة، وهي بصدد جمع التبرعات من أنصارها ومنظوريها وإعداد العدة لشحن ما يحتاجه أهالي غزة في هذا المصاب الأليم. وأهم المنظمات الوطنية والقوى الحية المساندة على الدوام للنضال الفلسطيني، الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمة الهلال الأحمر التونسي وكذلك الهيئة الوطنية للمحامين التونسيين والنقابة الوطنية للصحافيين التونسيين وغيرها.
وقد شكلت أهم المنظمات الوطنية اللجنة الوطنية لدعم المقاومة الفلسطينية والتي انبثقت عنها لجان جهوية في مختلف ولايات الجمهورية ستتشكل من الفروع الجهوية لهذه المنظمات لحشد الدعم للشعب الفلسطيني. ولم تكتف هذه اللجنة الداعمة للمقاومة الفلسطينية بالتظاهر وجمع المساعدات بل قامت بتشكيل وفود لإرسالها محملة برسائل إلى مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان والاتحاد الأوروبي للتعبير عن رفضها واستنكارها لتعاطي هذه المنظمات والتجمعات مع ما يحصل في فلسطين. وقد قامت الهيئة الوطنية للمحامين التونسيين بالتهديد بتجميد عضويتها بالاتحاد الدولي للمحامين ما لم يقم هذا الاتحاد بالتراجع عن موقفه المساند للكيان الصهيوني.