حملة اعتقالات واسعة لسياسيين ورجال أعمال مؤثرين من الحجم الثقيل ومن أبرز هؤلاء رئيس البرلمان السابق ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي ورجل الأعمال المثير للجدل كمال اللطيف.
تونس ـ «القدس العربي»: شهدت الساحة السياسية التونسية خلال سنة 2023 أحداثا عديدة هامة ساهمت في تغيير المشهد السياسي الذي ساد لأكثر من عقد من الزمان واعتبرت مواصلة لما قام به الرئيس قيس سعيد في 25 تموز/يوليو 2021 والذي رآه فريق من التونسيين انقلابا فيما رآه فريق آخر مسارا تصحيحيا. ويرى البعض أن ما يقوم به الرئيس هو بدفع من أطراف نافذة داعمة في الداخل تريد القطع تماما مع منظومة سنة 2011 التي حكمت تونس بعد الثورة رغم أن الرئيس ينتصر باستمرار لهذه الثورة وينتقد في كل مناسبة المنظومة التي كانت سائدة قبلها.
اعتقالات واحتجاجات
ولعل أهم الأحداث السياسية على الإطلاق هي حملة الاعتقالات الواسعة لسياسيين ورجال أعمال مؤثرين من الحجم الثقيل وذلك في شهر شباط/فبراير ومن أبرز هؤلاء رئيس البرلمان السابق ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي ورجل الأعمال المثير للجدل ورجل الكواليس في كل العهود كمال اللطيف. وقد وجهت إلى هؤلاء تهمة التآمر على أمن الدولة وتم منع التداول الإعلامي في الموضوع وهو ما نتج عنه استدعاء بعض الإعلاميين للمثول أمام الجهات الأمنية المختصة للبحث في القضايا الإجرامية.
كما تم منذ بضعة أشهر اعتقال رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي، التي تنتمي إلى منظومة ما قبل الثورة، وإصدار بطاقة إيداع بالسجن بحقها لتحصل مفارقة عجيبة لم تعرفها تونس من قبل. فأعداء الأمس القريب سواء في زمن بن علي أو في فترة حكم حركة النهضة أي الدساترة والإسلاميين بات كلاهما ملاحقا ورموزه في السجون.
وردا على هذه الاعتقالات خرجت المعارضة إلى الشارع في تحركات احتجاجية متهمة الرئيس قيس سعيد بالديكتاتورية ومطالبة إياه بإطلاق سراح الموقوفين الذين من بينهم سياسيون من اليسار ومن غير المنتمين إلى العائلات السياسية الكبرى. ولم يطالب أنصار الدستوري الحر بإطلاق سراح معتقلي حركة النهضة ومن معهم في جبهة الخلاص فيما لم يطالب أنصار حركة النهضة بإطلاق سراح زعيمة الدستوري الحر ويبدو أن كلاهما يرى أن الرئيس سعيد قد أحسن صنعا حين اعتقل خصمه.
تحويرات حكومية
كما شهدت السنة وفي ذروتها إنهاء مهام رئيسة الحكومة نجلاء بودن، الأستاذة بالجامعة التونسية، الهادئة والخجولة، وتعويضها بأحمد الحشاني الإطار المتقاعد من البنك المركزي التونسي. وقد أكد رئيس الجمهورية من خلال هذا الاختيار أنه لا يثق كثيرا في الطبقة السياسية التونسية باعتبار أن كلا من بودن والحشاني هما من خارج هذه الطبقة السياسية ولا يعرفهما التونسيون قبل التعيين.
وبذلك تم وضع حد لتواجد نجلاء بودن بقصر الحكومة بالقصبة والذي لم يسبق في تاريخ تونس أن شغلته امرأة حتى في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة الذي عرف بدفاعه المستميت عن حقوق المرأة. كما أن بودن هي أول امرأة عربية تشغل هذا المنصب الرفيع إذ لم يسبق لامرأة عربية أن تجاوزت منصب وزيرة في البلدان العربية من المحيط إلى الخليج.
كما تمت خلال هذا العام إقالة وزراء الاقتصاد والتجارة والطاقة بسبب ارتفاع الأسعار وفقدان عديد المواد الأساسية من الأسواق وهو ما تسبب في وجود طوابير طويلة وتذمر مستمر من المواطنين. وبالتالي فقد تم تحميل المسؤولية لهؤلاء الوزراء بالإضافة إلى المحتكرين والمضاربين والذين يتحدث الخطاب الرسمي عن تخزينهم للمواد الأساسية بهدف حاق البلبلة وزعزعة الاستقرار في البلد.
الهجرة غير النظامية
ومن الأحداث الهامة في سنة 2023 تدفق المهاجرين غير النظاميين من الأفارقة من سكان جنوب الصحراء على تونس قادمين من كل من الجزائر وليبيا بطريقة لافتة وغير اعتيادية لم يسبق لها مثيل في تاريخ تونس القديم والحديث. وكأن هناك طرفا خارجيا يدفع باتجاه استدامة الأزمة في تونس من خلال إغراق البلد بالمهاجرين من جنوب الصحراء المتواجدين لدى الجارين اللذين فقدا فجأة القدرة على ضبط حدودهما مع تونس التي شاء التقسيم الاستعماري المتلاعب بالخرائط التاريخية للمنطقة أن لا تكون لها حدود مع بلدان أفريقيا جنوب الصحراء.
ودعت أطراف أوروبية تونس إلى توطين هؤلاء خشية من تدفقهم على أوروبا من خلال إيطاليا المتاخمة لتونس وهو ما رفضه التونسيون قطعيا وبشدة سواء على لسان رئيس الجمهورية أو من هلال تصريحات وزير الخارجية نبيل عمار. ونتيجة لذلك تم اتهام تونس بالعنصرية وبسوء معاملة المهاجرين وشنت عليها حملات واسعة ساهم فيها القريب والبعيد وما زالت متواصلة إلى اليوم.
ونتيجة لهذه الأزمة زارت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني مرات عديدة تونس ساعية لإيجاد اتفاق بين الأوروبيين وتونس فيه التزامات متبادلة للطرفين تقوم تونس ببذل جهد في منع تدفق الأفارقة على أوروبا مقابل دعم مالي واستثمارات. لكن الاتفاق الإطاري لم يجد طريقه إلى التطبيق واتهم التونسيون الأوروبيين بالإخلال بتعهداتهم رافضين تحويل تونس إلى شرطي لحماية حدود أوروبا الجنوبية من تدفق المهاجرين الأفارقة.
إضطرابات أمنية
كما شهدت تونس في ايار/مايو الماضي هجوما إرهابيا على معبد الغريبة اليهودي بجزيرة جربة جنوب البلاد نفذه رجل أمن تمكن بفضل صفته من تجاوز الحواجز والمنظومة الأمنية. وقد أدى الحادث إلى مقتل 5 أشخاص ولم يتم الإعلان عن نتائج التحقيقات وباتت هناك خشية من تسرب تكفيريين وعناصر متشددة إلى أجهزة الأمن وهو ما يسهل عليها اختراق المنظومات الأمنية.
كمت شهد شهر تشرين الثاني/نوفمبر فرار 5 عناصر متشددة متهمة بالتورط في اغتيالات سياسية وجرائم إرهابية من سجن المرناقية بضواحي العاصمة وتجندت الأجهزة الأمنية للقبض عليهم وإعادتهم وهو ما حصل بعد أيام معدودة. لكن اللغز الذي بقي مطروحا وحير الجميع إلى اليوم، كيف تمكن هؤلاء من الهروب بتلك السهولة من سجن شديد التحصين كسجن المرناقية خاصة وأن الرواية التي تم تسويقها للرأي بدت للكثيرين غير مقنعة وغير منطقية.
الغرفة الثانية
كما عرفت تونس نهاية العام وتحديدا يوم 24 من شهر كانون الأول/ديسمبر انتخابات محلية وجهوية ستفرز مجلسا للجهات والأقاليم وسيكون بمثابة الغرفة الثانية للبرلمان حسب الدستور الجديد لسنة 2022 والذي يسميه البعض دستور الرئيس. ولم تشهد هذه الانتخابات المحلية إقبالا معتبرا من الناخبين إذ يبدو أن هناك قناعة ترسخت لدى التونسيين من تجارب السنوات الماضية بأن الانتخابات وكل مظاهر الديمقراطية لن تغير من معيشتهم شيئا وأن ما يهم بالأساس هو تحسين هذه المعيشة اليومية التي تدهورت كثيرا في السنوات الأخيرة ويكون ذلك من خلال النهوض بالاقتصاد المترنح.
وقاطعت المعارضة هذه الانتخابات وعبرت عن ذلك في بعض البيانات الصادرة عن بعض مكوناتها، وتم اعتماد نظام الاقتراع على الأفراد في دوائر ضيقة جدا يعرف الناس فيها بعضهم البعض ورغم ذلك لم تعرف هذه الانتخابات الإقبال المطلوب من التونسيين على صناديق الاقتراع. ويعتبر مجلس الجهات والأقاليم الغرفة البرلمانية الرئيسية التي يراهن عليها رئيس الجمهورية وهي الأساس حجر الزاوية في منظومته الجديدة التي رسخها وكرسها دستور 25 تموز/يوليو 2022.