تونس: سنة مليئة بالأحداث والمفاجآت واستمرار الأزمات

روعة قاسم
حجم الخط
1

القرارات التي اتخذها رئيس الجمهورية قيس سعيد المتمثلة في تجميد البرلمان وحل حكومة هشام المشيشي انقسم التونسيون إزاءها بين من اعتبرها انقلابا على الشرعية ومن اعتبرها إجراءات تصحيحية.

تونس ـ «القدس العربي»: كانت سنة 2021 استثنائية ومليئة بالأحداث والتحولات في تونس التي لم تعرف الهدوء والاستقرار خلال العشرية الأخيرة. فهذه السنة هي امتداد لسابقاتها ولا يمكن فهم ما حصل فيها بدون العودة إلى العشرية المشار إليها، أي تلك التي تلت الإطاحة بنظام بن علي في 14 كانون الثاني/يناير 2011. وتنبئ نهاية 2021 بأن السنة الموالية لن تشذ عن القاعدة السائدة في السنوات الأخيرة من حيث كثرة الأحداث والمفاجآت وغياب الهدوء والسكينة.

ولعل أهم حدث سياسي شهدته تونس خلال السنة المنقضية على الإطلاق هي القرارات التي اتخذها رئيس الجمهورية قيس سعيد يوم 25 تموز/يوليو، والمتمثلة أساسا في تجميد البرلمان وحل حكومة هشام المشيشي. وقد انقسم التونسيون إزاء هذه القرارات بين من اعتبرها انقلابا على الشرعية والمؤسسات المنتخبة، وبين من اعتبرها إجراءات تصحيحية ضرورية لتقويم الإعوجاج في المسار الديمقراطي الذي عرف انتكاسات عديدة طيلة العشرية المشار إليها.
وسبقت هذه القرارات الرئاسية احتجاجات في مختلف أنحاء الجمهورية تطالب بإسقاط منظومة 14 كانون الثاني/يناير الماضي وتم خلالها اقتحام مقرات بعض الأحزاب السياسية والعبث بمحتوياتها وإخراج وثائق هامة منها. واعتبر البعض هذه الاحتجاجات عفوية ومنتظرة بعد أن بلغ السيل الزبى اقتصاديا واجتماعيا وصحيا وأصبحت الأوضاع المعيشية في وضع كارثي لا يطاق، فيما اعتبرها البعض الآخر نتيجة لتحريض جهات سياسية كانت لديها مصلحة في ما سيحصل لاحقا.
كما شهدت السنة تكليف قيس سعيد لامرأة لتشكيل الحكومة لأول مرة في تاريخ تونس والعالم العربي، وهو ما كان بدوره محل جدل محلي بين مرحب ورافض ولكل أسبابه التي اختلفت وتعددت لكنها لم تطل النوع الاجتماعي ومسألة الجندر. وشكلت نجلاء بودن حكومتها خلال تشرين الأول/أكتوبر بدون أن تنال ثقة البرلمان المجمد، واكتفت بأداء القسم أمام رئيس الجمهورية بقصر قرطاج يوم 11 تشرين الأول/أكتوبر الماضي وباشرت مهامها وسط انتقادات واسعة وفي أجواء متوترة بسبب الإجراءات لممارستها لمهامها في هذه الظروف الاستثنائية.
وقبل تشكيل الحكومة وأدائها القسم أعلن ساكن قرطاج عن جمعه رسميا لكل الصلاحيات التشريعية والتنفيذية في الدولة تحت سقف الفصل 80 من دستور سنة 2014. فقد صدر أمر رئاسي متعلق بالتدابير الاستثنائية يوم 22 ايلول/سبتمبر 2021 أعطى لرئيس الجمهورية كل الصلاحيات وقام بتعليق العمل بالدستور وحل الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين.

خريطة طريق

وختم ساكن قرطاج العام بالإعلان يوم 13 كانون الأول/ديسمبر عن خريطة طريق لإنهاء المرحلة الاستثنائية مدتها سنة بالتمام والكمال. وتتضمن تنظيم استشارات شعبية إلكترونية واستشارات مباشرة حول الإصلاحات الدستورية تنبثق عنها مشاريع للإصلاحات الدستورية التي ستكون محور إستفتاء يجرى يوم 25 تموز/يوليو 2022. أما الانتخابات التشريعية التي ستجرى، وحسب خريطة الطريق المعلن عنها، وفق قانون انتخابي جديد فإنها ستتم في كانون الأول/ديسمبر 2022.
وكالعادة اختلفت الآراء حول خريطة قيس سعيد، التي تهدف إلى الخروج من المرحلة الاستثنائية واستئناف المؤسسات الديمقراطية لعملها، بين المنتقد والمرحب والمتحفظ. وتوجهت الانتقادات بالأساس إلى طول المدة المعلن عنها، وإلى تركيبة اللجنة التي ستصيغ مشروع القانون الانتخابي واللجنة التي ستكلف بالتعديلات الدستورية، إذ من المرجح أنها لجان سيقرر تركيبتها رئيس الجمهورية دون سواه. ورحبت أطراف دولية بهذه الخريطة منها الولايات المتحدة الأمريكية التي ضغطت كثيرا منذ 25 تموز/يوليو باتجاه إقرارها وذلك للتعجيل بخروج تونس من المرحلة الاستثنائية. وقد أثار ذلك حفيظة ساكن قرطاج الذي استدعى السفير الأمريكي في تونس احتجاجا على إدراج الشأن التونسي ضمن جدول أعمال الكونغرس الأمريكي في خطوة اعتبرها البعض انتحارا سياسيا من قيس سعيد بمعاداة أقوى قوى العالم التي اعتادت أن تكون الضامن لتونس لدى صندوق النقد الدولي منذ تخفيض الترقيم السيادي الائتماني، والتي لم تبخل على الخضراء بالدعم المالي والسياسي منذ الاستقلال.

أزمة الجائحة

وعرفت الخضراء مع بداية العام تعطلا في سير عمل مؤسسات الدولة بعد أن رفض رئيس الجمهورية قيس سعيد أن يؤدي أمامه الوزراء الجدد الذين اختارهم رئيس الحكومة هشام المشيشي اليمين الدستورية رغم مصادقة البرلمان على هذه التحويرات الوزارية التي اقترحها المشيشي. ومرد ذلك أن التعديل الوزاري استهدف وزراء محسوبين على ساكن قرطاج تم تعويضهم بآخرين موالين لخصومه السياسيين، فكانت تونس بالنهاية هي الخاسر الأكبر من هذا الصراع السياسي التي استمر فترة طويلة.
كما رفض رئيس الجمهورية ختم مشروع القانون المتعلق بالمحكمة الدستورية العليا بتعلة أن الآجال الدستورية لتشكيلها قد انقضت وأن حركتي النهضة ونداء تونس هما سبب التعطيل. والحقيقة أن الرئيس قيس سعيد، وإن كان محقا فيما ذهب إليه من أن الآجال لتشكيل المحكمة قد انقضت، إلا أنه في الحقيقة كان يخشى من أن تتم الإطاحة به دستوريا عبر هذه المحكمة التي شل غيابها الحياة السياسية في البلاد وأعاق عمل أغلب المؤسسات.
ولعل أسوأ ما في العام المنقضي هو انتشار جائحة كورونا في البلاد خلال فصلي الربيع والصيف وتسببها في حصد أرواح عشرات الآلاف من التونسيين بسبب التقصير الحكومي في جلب التلاقيح وفتح البلاد على مصراعيها للسياحة والأعمال والمبادلات التجارية في استهانة بحياة التونسيين. ولولا البنية التحتية الصحية العمومية الباقية رغم الخراب الذي طالها، ولولا المساعدات الطبية من الأصدقاء عبر العالم لحصدت هذه الجائحة المزيد من الأرواح في صفوف الشعب التونسي.
وقد ساهم انتشار فيروس كورونا في زيادة نقمة التونسيين على منظومة 14 كانون الثاني/يناير وفي خروج أعداد هامة من التونسيين إلى الشارع في ذروة حرارة فصل الصيف التي قاربت الخمسين احتجاجا على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والصحية المزرية. وحتى مشهد الطائرات الأجنبية القادمة من مختلف دول العالم محملة بالتلاقيح زاد من نقمة التونسيين الذين كانوا يعبرون عن شعورهم بالإهانة على مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارهم قد تحولوا بعد عشر سنوات من الثورة إلى شعب يستدر العطف بعد عجز حكامه عن توفير اللقاحات.
كما شهدت السنة المنقضية تأجيل القمة الفركوفونية التي كان من المفروض أن تحتضنها جزيرة جربة في تشرين الثاني/نوفمبر واتخذ قرار التأجيل في جلسة المشاورات لممثلي الدول والحكومات الأعضاء في المنظمة الدولية للفرنكوفونية المنعقدة يوم 12 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، والتي خصصت لاتخاذ القرار النهائي بشأن قمة جزيرة جربة. ورغم تأكيد الوفد التونسي على جاهزية بلاده لاحتضان القمة في الموعد المتفق عليه، إلا أنه تم اتخاذ القرار بالتأجيل بسبب الظروف الوبائية العالمية، لكن تم التوافق على استمرار احتضان تونس لهذه القمة في سنة 2022 وعلى عقدها بطريقة مباشرة وليس عن بعد.
كما شهد العام المنقضي إطلاق أول قمر اصطناعي تونسي وذلك خلال آذار/مارس بالتزامن مع الذكرى 65 للاستقلال وقد تعطل إطلاقه قبل سنة بسبب جائحة كورونا. وصنع هذا القمر بخبرات وكفاءات تونسية 100 في المئة وتم إطلاقه عبر المركبة الفضائية الروسية سويوز 2 من قاعدة في كازاخستان. وتتجه الشركة التونسية المنتجة إلى الاستثمار أكثر في هذا المجال وهي التي اكتسبت خبرة 26 سنة في مجال التكنولوجيا والبرمجيات والأنظمة الإلكترونية والهندسة الميكانيكية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية