تونس عشية الاستفتاء: انقسام واسع في الشارع حول مشروع الدستور ودعوات للمقاطعة

روعة قاسم
حجم الخط
2

تونس ـ «القدس العربي»: يتوجه التونسيون غدا الاثنين للاستفتاء على مشروع الدستور الجديد الذي أقرّه رئيس الجمهورية قيس سعيد وهو موعد على غاية من الأهمية نظرا لما أثاره مشروع الدستور من جدل غير مسبوق ليس فقط حول بعض فصوله المثيرة انما أيضا باعتباره يمثّل مشروعا فكريا وقانونيا وسياسيا يقطع مع المراحل السابقة ويؤثث لجمهورية جديدة. وقد اختلفت المواقف في تونس من الاستفتاء الشعبي على مشروع الدستور الجديد، بين من أعلن عن عزمه التصويت بـ«نعم» رغبة في القطع مع العشرية السابقة بدستورها وأحزابها وكل رموزها وطيّ صفحتها إلى غير رجعة، وبين من أعلن عن مقاطعته الصريحة لهذا الاستفتاء ورفضه للمسار برمته ورغبته في العودة إلى ما قبل 25 تموز/يوليو 2021 تاريخ تجميد الرئيس قيس سعيد للبرلمان وحلّه الحكومة واستفراده لاحقا بجميع السلطات في الدولة.

جدل متصاعد

ويحتدم الجدل في مواقع التواصل الاجتماعي وفي مختلف وسائل الإعلام، كل يبرر خياره ويوجه لومه إلى الآخر محمّلا إياه المسؤولية عن خراب قد يطال البلد في حال تم انتهاج الطريق الذي يدعو إليه خصمه السياسي.
وبين هذا وذاك يوجد فريق ثالث عبّر صراحة عن رغبته في عدم مقاطعة الاستفتاء والذهاب إلى صناديق الاقتراع، لكن مع التصويت بـ«لا» لمشروع الدستور الجديد أملا في أن يُحرج صوته أصوات من يتفقون مع نهج الرئيس قيس سعيد ويعيد النظر في بعض فصول مشروع الدستور عندما تتفوق الأصوات الرافضة على الداعمة. وينتمي أغلب هؤلاء إلى تيارات سياسية كانت تدعم الرئيس قيس سعيد في ما قام به يوم 25 تموز/يوليو 2021 وكانت تغضّ الطرف عن استفراده بالسلطة بموجب مرسوم 17 أيلول/سبتمبر 2021 أملا في التأسيس لنظام سياسي جديد يتجاوز هنّات منظومة 2011 لكنها اصطدمت بمشروع دستور مخيب للآمال في بعض فصوله التي يرى هذا الفريق أنها تستحق مراجعة خاصة فيما يتعلق بمفهوم مدنية الدولة ومبادئها الديمقراطية.
ولم تكتف فقط هذه الأحزاب بالمقاطعة بل واصلت تحركها في الشارع من خلال مسيرات ووقفات احتجاجية طيلة الأيام الماضية للتنديد بالاستفتاء وكذلك لدعوة الرأي العام إلى مقاطعته. فقد نظّم «الائتلاف المدني من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والمساواة « وقفة احتجاجية للتعبير عن الرفض لمشروع الدستور. وأكد الائتلاف -حسب بيان- ان هذا الاستفتاء «يشكّل نسفا للدولة المدنية الديمقراطية الاجتماعية». كما نظّمت أحزاب «الحملة الوطنية لإسقاط الاستفتاء» يوم الجمعة الماضي تجمعا للتعبير عن رفض مشروع الدستور باعتباره يمثل «تركيزا لدولة الحكم الفردي المطلق» حسب تعبيرها. وكان شارع الحبيب بورقيبة في وسط العاصمة على موعد مع وقفة أخرى مناهضة للاستفتاء أمام المسرح البلدي الشهير بتنظيم من «جبهة الخلاص» وحملت الوقفة عناوين عديدة أبرزها «الانتصار لقيم الحرية والدفاع عن مكتسبات الحرية والديمقراطية». وفي المقابل انخرطت الأحزاب والمنظمات المؤيدة لمشروع الدستور في حملة الاستفتاء في محاولة لتحفيز الرأي العام والشارع التونسي للتصويت بـ«نعم».

أنصار الرئيس

ويتشكل المؤيدون لمشروع الدستور، والذين أعلنوا صراحة عن عزمهم التصويت بنعم، من من يسمون بـ«أنصار الرئيس قيس سعيد» وهم مؤيدوه المتواجدون على الميدان وينشطون بكثافة ويشاركون في الحملات التي تدار لتحفيز الشارع التونسي على التصويت بـ«نعم». لكنهم إلى حد الآن لم يشكلوا حزبا سياسيا ولم يرسلوا إلى الكتابة العامة للحكومة المسؤولة عن تأسيس الأحزاب والجمعيات ما يفيد رغبتهم في تشكيل حزب سياسي. ويبرز نشاط هؤلاء بالخصوص في مواقع التواصل الاجتماعي وفي الشارع ولديهم قدرة فائقة على التأثير في الشباب المعطل وفي عدد هام من أبناء الجيل الجديد من الطلبة الذي يرون في قيس سعيد «المخلص والمعلم» القادر على أن يؤمّن لهم مستقبلا أفضل. كما يضم هذا الفريق كثيرا من الناقمين على منظومة سنة 2011 التي لم تحقق المطالب الاجتماعية والاقتصادية للطبقتين الفقيرة والمتوسطة.
كما تؤيد مشروع الدستور أحزاب قومية ذات توجه عروبي على غرار حركة الشعب والتيار الشعبي وحركة البعث التي ثمنّت جميعا دسترة دعم القضية الفلسطينية في ديباجة هذا المشروع والتأكيد على الهوية العربية الإسلامية للشعب التونسي في الفصول الأولى من هذا الدستور. وتحمل هذه الأحزاب منظومة 2011 المسؤولية عن اغتيال ابن تيارهم الشهيد محمد البراهمي، وعن تعطيل القضاء طيلة السنوات الماضية للبتّ في هذا الملف، وترى أنه بدعمها للرئيس قيس سعيد من خلال التصويت بـ«نعم» لمشروعه الدستوري ستقطع مع منظومة 2011 ومع الفوضى السياسية، وستؤسس لدولة قوية لا مجال فيها للاستقواء بالأجنبي وللتطبيع مع الكيان الصهيوني.
ومن الأحزاب المؤيدة أيضا لمشروع الدستور حزب التحالف من أجل تونس، وهو حزب جديد برز في المشهد الإعلامي في الآونة الأخيرة، ويرى أن مشروع دستور قيس سعيد الذي سيعرض على الاستفتاء سيعيد للدولة وحدتها وللحكم نجاعته مثمنا تنصيص الدستور على عدم إمكانية ترشح الرئيس لأكثر من دورتين. كما أن مشروع الدستور في رأي هذا الحزب قد مكن الشعب من تمثيلية أكبر بعد إنشاء غرفة ثانية للبرلمان، هي مجلس الجهات والأقاليم، وجعل رئيس المحكمة الدستورية العليا هو الذي يخلف رئيس الجمهورية في حال الشغور بسبب قوة قاهرة إلى حين إجراء انتخابات رئاسية في ظرف زمني وجيز.
أما أهم المنظمات الوطنية على غرار الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والاتحاد الوطني للمرأة التونسية فإنها لم تدع إلى مقاطعة الاستفتاء لكنها لن تشارك في حملة الاستفتاء ودعت أعضاءها إلى حرية التصويت لفائدة مشروع الدستور أو ضده. وهو موقف رآه البعض سليما حفاظا على وحدة هذه المنظمات التي تتعدد فيها المشارب الفكرية والسياسية ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يفرض عليها موقف موحد يمكن أن يدفع بعض القوى داخلها إلى التمرد على قرارات القيادة المنتخبة بتعليمات من أحزابها سواء المؤيدة أو الرافضة.
دستور الانقلاب
أما الأحزاب التي تقاطع هذا الاستفتاء وكامل المسار الذي انتهجه سعيد، والذي تصفه بـ«الإنقلابي» فهي أساسا تلك التي اجتمعت فيما يسمى بـ«جبهة الخلاص الوطني» وأهمها على الإطلاق حركة النهضة. كما تضم الجبهة حزب قلب تونس وائتلاف الكرامة وحراك تونس الإرادة وحزب الأمل بالإضافة إلى حملة «مواطنون ضد الانقلاب» وعددا من البرلمانيين المنتمين إلى البرلمان المنحل.
وقد دعت جبهة الخلاص صراحة إلى مقاطعة الاستفتاء وعدم التصويت على دستور الانقلاب الذي ترى فيه رِدةً تهدد بالعودة بالبلاد إلى الحكم الفردي المطلق الذي عانت منه تونس لمدة تزيد عن خمسة عقود. وكانت دعوات المقاطعة تلك سابقة حتى لصدور مشروع الدستور إذ تعتبر ما حصل يوم 25 تموز/يوليو 2021 من تجميد للبرلمان وحل للحكومة انقلابا على الشرعية وكامل خريطة الطريق التي أعلن عنها الرئيس قيس سعيد للخروج من الوضع الاستثنائي هي مسار انقلابي.
كما تدعو إلى مقاطعة الاستفتاء أحزاب انضوت تحت ما يسمى «الحملة الوطنية لإسقاط الاستفتاء» وهي من الوسط ومن اليسار تسمي نفسها قوى ديمقراطية لكن بعضها لم تعرف رئيسا غير مؤسسها أو قريب مؤسسها. ويتشكل هذا الائتلاف الحزبي إن جاز التعبير من الحزب الجمهوري والتيار الديمقراطي والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات وحزبي العمال والقطب.
ويعتبر كثير من المنتمين إلى هذا الائتلاف، الذي ساندت بعض أحزابه في البداية ما يسمى بـ«انقلاب قيس سعيد» على غرار التيار الديمقراطي، أن المشاركة في الاستفتاء تضفي عليه شرعية وبالتالي وجبت مقاطعته. ويرى هؤلاء أن الدستور الجديد يؤسس لنظام استبدادي باعتباره ألغى أغلب الهيئات الدستورية وضرب استقلالية القضاء ومكاسب أخرى كانت في دستور سنة 2014.
وهناك أحزاب أخرى ستقاطع الاستفتاء على غرار حزب آفاق تونس الذي أعلن مقاطعته بدوره قبل صدور مشروع الدستور رغم أنه ساند قيس سعيد يوم 25 تموز/يوليو، وكذلك حزب العمل والإنجاز الذي يرى في مشروع الدستور الجديد استهانة بالشعب التونسي وتاريخه. كما أن هناك 41 جمعية ومنظمة حقوقية قامت بتأسيس ما يسمى «الائتلاف المدني من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والمساواة» وهو ائتلاف رافض للإجراءات الاستثنائية للرئيس سعيد بما في ذلك الاستفتاء ويضم منظمات هامة على غرار الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات.

معارضون جدد

أما غالبية الأحزاب التي لن تقاطع الاستفتاء ولكنها دعت إلى التصويت بـ«لا» على مشروع الدستور الجديد فأغلبها التحق حديثا بصف المعارضة على غرار «ائتلاف صمود» الذي ساند الرئيس في البداية في إجراءاته المتخذة يوم 25 تموز/يوليو 2021. ويعتبر هذا الائتلاف أنّ الأحكام الانتقالية الواردة في مشروع الدستور غامضة ولا تحدد كيفية الانتقال من الوضعية الحالية إلى الوضعية النهائية إضافة إلى غياب الآجال وعدم الحديث عن طريقة صياغة القانون الانتخابي الذي سيقعه اعتماده.
وهناك مثقفون كثر ووجوه بارزة كانت مساندة لمسار قيس سعيد لكنها عبرت صراحة عن رفضها لمشروع الدستور وعن عزمها على الذهاب إلى صناديق الاقتراع للتصويت بـ«لا». وينتقد أغلب هؤلاء إما ما ورد بالفصول الأولى من مشروع الدستور والمتعلقة بالهوية وباعتماد مقاصد الشريعة، أو ما ورد بالفصول المتعلقة بالعلاقة بين مختلف السلط وخصوصا عدم خضوع رئيس الجمهورية لأية رقابة أو محاسبة في مشروع الدستور الجديد.
كما يرى البعض أن نقابة الصحافيين التونسيين هي من بين القوى الفاعلة التي دعت صحافيي الخضراء إلى التصويت بـ«لا» في حين رأى البعض الآخر من خلال بياناتها أنها تدعو إلى المقاطعة للاستفتاء من الأساس. فقد عبَّرت النقابة صراحة عن رفضها لمشروع الدستور ونبّهت من خطورته لعدم استجابته لمبادئ حرية الصحافة والتعبير والحقوق والحريات واستقلالية القضاء والفصل بين السلطات والتوازن فيما بينها.

مرحلة ساخنة

النائب السابق في البرلمان التونسي الصحبي بن فرج أكد لـ« القدس العربي « ان كل التوقعات تؤكد ان الاستفتاء سيمرّ بـ «نعم» وقال: «واضح ان الاستفتاء سيمر ولا أتوقع مفاجأة ولكن سيكون هناك قلق من نسبة المشاركة التي لا أتوقع ان تتجاوز الـ 25 في المئة من عدد المسجلين». وأضاف: «أعتقد ان التصويت سيكون تقريبا على الرئيس قيس سعيد وعلى الانتهاء من منظومة ما قبل 25 تموز/يوليو، وليس على نص دستوري لم تتم مناقشته وتم إسقاطه على اللجنة نفسها التي عينها الرئيس بنفسه لصياغة الدستور. يعني ليس هناك نقاش على شكل الدستور بقدر ما هو نقاش حول من هو مع قيس سعيد أو ضده أو مع إنهاء المرحلة الاستثنائية وهذا هو الرهان».
بالنسبة للسيناريوهات المطروحة بعد 25 تموز/يوليو يجيب بالقول: «نعتقد بالنسبة للرئيس قيس سعيد فهناك مرحلية في أجندته وترتكز بالأساس على تفكيك مؤسسات ما بعد 2011 باعتبار انها المؤسسات التي انقلبت على ثورة 17 كانون الأول/ديسمبر حسب تفكير سعيد، أي التي ركبت على الثورة. وتم الآن تفكيك هذه المؤسسات من برلمان وحكومة ودستور وقضاء وهيئة مكافحة الفساد، والآن بداية من 25 تموز/يوليو المقبل سيضع حجر الأساس للمرحلة الآتية وهي البناء القاعدي والتنظيم السياسي للدولة التونسية كما يحلم به وكما يدعو له سعيد منذ 2011. ويرى سعيد انه بانتهائه من المرحلة السابقة ووضعه دستورا يحوز على تصويت إيجابي يصبح بإمكانه الذهاب للمرحلة المقبلة وهي التأسيس الجديد حسب نظرية البناء القاعدي التي خطط لها».
ويضيف محدثنا: «بعد انتهاء الموضوع القانوني والدستوري الذي عشناه طيلة عام من 25 تموز/يوليو 2021 حتى 25 تموز/يوليو 2022 سنشهد التفاتة إلى الوضع الاقتصادي والمالي والاجتماعي وهو وضع سيء جدا إذ ليست هناك حلول على مستوى التمويل لا من الأصدقاء ولا من المؤسسات المالية الدولية. وأيضا هناك استحقاقات اجتماعية كبيرة يقودها الاتحاد العام التونسي للشغل الذي أعتقد انه نأى بنفسه عن المعركة حول الدستور، وأعتقد أنه سيتزعم المرحلة المقبلة على مستوى الاحتجاجات».
ورأى محدثنا بانه ستكون هناك أزمة حقيقية اقتصادية واجتماعية إذا تلقى المجتمع الدولي نتائج الاستفتاء وتتويج مسار 25 تموز/يوليو بسلبية. فستنشأ صعوبات على مستوى تمويل الاقتصاد التونسي إذا تخلت الجهات الدولية المانحة عن دعمها وكذلك على خلفية الأزمة في أوكرانيا، وأعرب محدثنا عن اعتقاده بأن البلاد قد تسير نتيجة لذلك نحو أزمة جديدة سياسية واقتصادية في أيلول/سبتمبر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية