تونس: قرية الأطفال «SOS» في سليانة تواجه صعوبات مالية تهدّد فاقدي السند

روعة قاسم
حجم الخط
1

تونس ـ «القدس العربي»: اضطرت مؤخرا قرية “SOS” بمدينة سليانة شمال غربي البلاد، وهي واحدة من أربع قرى تأوي الأيتام وفاقدي السند في تونس، إلى إخلاء 4 منازل بالقرية ومبيت للفتيات خشية على المقيمين بها من انهيارها على من فيها. وأطلق مدير القرية عاطف اللبادي وكذلك مصالح الحماية المدنية بالجهة صيحة فزع لأن هذه الأبنية تقادمت كثيرا ولم تعد صالحة للعيش، كما تم التأكيد على أن الأرض التي أقيمت عليها القرية متحركة وتمثل خطرا على الأطفال فاقدي السند ممن اضطرتهم ظروف الحياة القاسية إلى الإقامة هناك.
وقد تم استئجار عدد من المنازل بمدينة سليانة ليقيم بها بعض هؤلاء الأطفال في انتظار أن يتم إيجاد الحلول لهذا الوضع المؤلم الذي وجدوا أنفسهم فيه بعد أن تخلت عنهم قرى “س و س” العالمية في وقت سابق وتركتهم في ظل دولة تخبطت وتاهت وأضاعت البوصلة خلال السنوات الماضية. ولولا تبرعات أهل الخير في تونس، والمنحة المحدودة لوزارة المرأة والأسرة، لوجد هؤلاء الأطفال أنفسهم بلا مأوى ولا مأكل ولا ملبس ولا مصاريف دراسية.

صعوبات مالية

وحسب المعطيات المتوفرة فإنه سيتم بناء قرية جديدة لهؤلاء الأطفال لكن الأمر يصطدم بوجود صعوبات مالية باعتبار أن ما تم توفيره إلى حد الآن لهذا المشروع لا يفي بالغرض وما زال الأمر بحاجة إلى مبالغ إضافية. ويُنتظر أن يهرع التونسيون لمد يد العون للقائمين على القرية للإنطلاق في المشروع وإنقاذ طفولة لا ناقة ولا جمل لها في هذه الظروف القاسية التي وجدت نفسها فيها في غياب الوالدين والدفء العائلي وفي ظل مجتمع ما زال يعض أفراده ينظرون إلى مجهول النسب أو من فقد عائلته نظرة دونية.
وتتشكل قرية “س و س” سليانة من منازل يعيش فيها الرضع والأطفال في سنواتهم الأولى مع من يشرفن على تربيتهم وتنشئتهم من النساء، بالإضافة إلى المبيتات التي يقيم فيها من تقدموا قليلا في السن ولم يصلوا بعد إلى سن الرشد، مع فصل الإناث عن الذكور إذ لكل مبيته الخاص. وبالتالي فإن إعادة بناء القرية برمتها ليست بالأمر الهين من الناحية المالية وهو ما يقتضي تظافر جهود الجميع لتوفير أفضل الظروف لهذه الطفولة البائسة التي هي بالنهاية جزء من النسيج الاجتماعي التونسي ولا بد من الحرص على حمايتها وتوفير كل الظروف الملائمة لها.

الملتحقون الجدد

ولعل المزعج في المسألة أن هذا الإخلاء لقرية سليانة حصل بعد أن انطلقت السنة الدراسية ويخشى بالتالي أن يؤثر هذا الإخلاء المفاجئ والذي اقتضته الضرورة على تركيز هؤلاء الأطفال واستعداداتهم لبعض الاختبارات المتعلقة بالدراسة. كما يتساءل البعض عن مدى تقبل الجيران لهؤلاء الساكنين الجدد، وعن مدى تأقلم الأطفال مع محيطهم الجديد والمؤقت باعتباره يرتبط زمنيا بتوفر المبلغ المالي الكافي لبناء القرية الجديدة وبالمدة التي سيستغرقها الإنجاز، والتي قد تطول.
ومن بين الأسئلة التي تطرح اليوم بعد هذه التطورات الجديدة في قرية “س و س” سليانة، وبعد الإيواء المؤقت لأطفال القرية، ماذا بشأن من سيلتحقون حديثا بالقرية، أين سيقع إيداعهم، وهل ستقوم الإدارة باستئجار بيوت جديدة لهم أم سيقع الكف عن استقبال أطفال أو رضع جدد؟ وهل للدولة البدائل في قرى أخرى على غرار قرية “س و س” قمرت بضواحي العاصمة لاستقبال أطفال من منطقتي الشمال والوسط الغربيين في انتظار أن تنتهي أشغال بناء قرية “س و س” سليانة والتي لم تنطلق بعد في انتظار توفر السيولة المالية الكافية؟

مصاريف إضافية

تعاني قرية “س و س” سليانة التي تم إنشاؤها منذ 40 عاما ظروفا معيشية صعبة حتى تقوم بالتكفل بالأطفال اليتامى وفاقدي السند وهي في غنى عن أي مشكلة جديدة. وقد فكر البعض منذ سنوات في تحويل أموال الزكاة إلى هذه القرى ولاقت الفكرة استحسان الكثيرين وانتفعت بالفعل هذه القرى بهذه الأموال لكنها بحاجة إلى المزيد لتحسين معيشة الأطفال فاقدي السند.
وبالتالي فإن هذا الإخلاء المفاجئ للقرية وظهور مصاريف جديدة متعلقة باستئجار المنازل المؤقتة سيزيد الطين بلة باعتباره سيثقل كاهل الإدارة بمصاريف إضافية هي في غنى عنها. وكلما عجل التونسيون في بناء القرية الجديدة كلما كان افضل لإنقاذ هؤلاء الأطفال وتوفير الظروف الملائمة لهم للعيش والدراسة وصناعة مستقبل أفضل وتحدي صعوبات الحياة التي قست عليهم منذ النشأة الأولى.

التخلي عن الدعم

وتنضوي قرية “س و س” سليانة تحت الجمعية التونسية لقرى “س و س” وتضم بالإضافة إلى سليانة قرية قمرت بضواحي العاصمة وأكودة بولاية سوسة والمحرس بولاية صفاقس وتعمل جميعها تحت رقابة هياكل الدولة من قضاة ومندوبي حماية الطفولة وغيرهم. كما تقوم هذه القرى برعاية أطفال من خارجها ممن لديهم عائلات لكنها لا تقدر على توفير متطّلباتهم المختلفة في الحياة على غرار لوازم الدراسة والعلاج والمأكل والملبس وكل ما يحتاجه الأطفال في تلك المرحلة من العمر.
وكانت الصعوبات المالية التي مرت بها الجمعية العالمية لقرى الأطفال قد أدت إلى وقفها للمساعدات المالية لفروعها حول العالم بما في ذلك فرع تونس وهو ما ساهم بخلق صعوبات مالية جمة. حيث كانت هذه المنظمة العالمية تقدم 80 في المئة من ميزانية القرى، ثم حصل التخفيض بمعدّل 10 في المئة سنوياً إلى أن تم التخلي عن الدعم نهائياً فأصبحت هذه القرى تعول على المساعدات المقدمة من الأشخاص وأصحاب المؤسسات والشركات وكذلك وزارة المرأة والأسرة.

منازل مندمجة

ترى الحقوقية التونسية آمنة الشابي في حديثها لـ”القدس العربي” أن هؤلاء الأطفال فاقدي السند هم ضحايا الحياة القاسية وبالتالي وجبت إحاطهم بالرعاية اللازمة تعويضا لهم عن حرمانهم من أشياء عديدة بهدف التخفيف من معاناتهم. وبالتالي فإنه كان من المفروض، وحسب محدثتنا، أن تتكاتف جهود الجميع منذ فترة سواء الدولة أو المؤسسات الخاصة أو الأشخاص من أهل الخير للدفع باتجاه انطلاق أشغال بناء قرية “س و س” سليانة وتجنيب الأطفال هذه الفوضى.
وتضيف محدثتنا قائلة: “كان بالإمكان أيضا أن تنطلق حملة لجمع التبرعات لاقتناء مساكن لهم أو يتبرع لهم باعث عقاري بمنزل وخصوصا من التابعين للدولة الذين يمنحون موظفيهم مساكن بشروط ميسرة لا تتوفر لغيرهم، وذلك في إطار تطبيق توصيات الكنفدرالية الدولية في توفير منازل مندمجة في المجتمع لهؤلاء الأطفال. ربما كان هذا هو أفضل الحلول باعتباره يساهم في دمج هؤلاء الأطفال في محيطهم عوض انتظار اكتمال أشغال بناء المقر الجديد والذي لم تنطلق أشغاله بعد في انتظار جمع المبلغ المالي الكافي”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية