تونس-“القدس العربي”: ما زال رئيس الحكومة التونسية المكلف الحبيب الجملي يكثف من لقاءاته بمختلف الأطياف السياسية والمنظمات الفاعلة وعدد هام من الشخصيات في كافة المجالات قصد تشكيل الحكومة الجديدة. وكان الجملي قد كلف رسميا من رئيس الجمهورية قيس سعيد بتشكيل الحكومة بعد أن اقترحته حركة النهضة باعتبارها الفائزة في المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية الأخيرة.
ولعل الجديد في المشهد السياسي التونسي هو تحالف حزبي التيار الديمقراطي وحركة الشعب وتشكيلهما لكتلة نيابية موحدة باتت الثانية في البرلمان بعد حركة النهضة، وأضحت رقما صعبا في المعادلة التونسية الجديدة. بينما تراجع حزب قلب تونس إلى المركز الثالث بثمانية وثلاثين نائبا وذلك بعد أن باتت نائبته سميرة الشواشي نائبة أولى لرئيس مجلس النواب بعد أن تم انتخابها داخل قبة المجلس في باردو وهي المرشحة لرئاسة أغلب الجلسات البرلمانية نيابة عن الرئيس.
تحالف الضرورة
ويعيب بعض أنصار حركة الشعب على حزبهم تحالفه مع التيار الديمقراطي باعتبار أن الحركة ذات توجهات قومية عروبية وتساند النظام السوري وتعتبر أن ما يحصل في سوريا مؤامرة دولية. بينما ينتقد “رئيس” التيار الديمقراطي الفعلي محمد عبو النظام السوري بصورة علنية واعتبر في وقت سابق أن في سوريا حصلت ثورة على نظام ديكتاتوري وهو الذي كان أمينا عاما لحزب الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي، المؤتمر من أجل الجمهورية.
فهل هو تحالف الضرورة الذي جمع بين المتناقضات بعد أن وجهت حركة النهضة البوصلة صوب حزب قلب تونس في انتخابات رئاسة مجلس النواب وصوت نوابها لصالح سميرة الشواشي ومنحوها الرئاسة الثانية للمجلس عوضا عن مرشح التيار الديمقراطي وحركة الشعب؟ أم أن تقارب الحزبين تم على أساس موقفيهما من مختلف القضايا الوطنية والتي تبدو متقاربة إلى حد التطابق أحيانا وذلك بقطع النظر عن اختلافهما فيما يتعلق بالقضايا العربية وخصوصا الملف السوري؟
تيار عريق
يرى البعض أنه كان على حركة الشعب أن لا تحذو حذو التيار الديمقراطي وتضع شروطا تعجيزية في مفاوضاتها مع حركة النهضة لاختيار رئيس الحكومة، حيث اشترط التيار الديمقراطي حصوله على حقيبتي العدل والداخلية والإصلاح الإداري، في حين طالبت حركة الشعب بما يسمى “حكومة الرئيس” أي في النهاية تفويض رئيس الجمهورية لاختيار رئيس الحكومة القادم الذي يجب أن يكون من خارج الأحزاب السياسية. وهو ما يعني ضمنيا تخلي حركة النهضة عن الحكومة وسيطرتها فقط على البرلمان من خلال رئيس المجلس راشد الغنوشي، وهو ما يبدو أن الحركة لم تستسغه باعتبار أن كتلتها النيابية غير كبيرة العدد ولا تمكنها من السيطرة على مقاليد الحكم في البلاد وتضطرها باستمرار إلى البحث عن التحالفات وتقديم التنازلات.
ولعل ما يجعل البعض يدعمون مشاركة حركة الشعب في الحكومة وعدم الاكتفاء بالمعارضة هو عراقة الأحزاب والتيارات القومية في تونس والتي آن لها، حسب هؤلاء، أن تحكم أو أن تشارك في الحكم بصورة فعلية. وللإشارة فإن حركة الشعب انضمت في عهد الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي إلى ما عرف يومها بـ”وثيقة قرطاج” وشاركت بتمثيل ضعيف في “حكومة وحدة وطنية” لكنها سرعان ما انسحبت منها بسبب اختلاف الرؤى والتوجهات مع رئيس الحكومة، وتبدو اليوم أكثر نضجا وقوة بكتلة نيابية معتبرة وبإمكانها أن تكون طرفا فاعلا ومؤثرا في أي ائتلاف حكومي يتشكل لسياسة شؤون البلاد.
نفوذ داخلي وخارجي
كما أن حركة النهضة الحائزة فقط على أصوات ما يقارب النصف مليون ناخب من عموم التونسيين، والتي بحوزتها 52 مقعدا لا غير في مجلس النواب، تبدو في حاجة إلى توسعة تحالفاتها للحكم بقدر كبير من الراحة وحتى لمجرد تشكيل حكومة ضعيفة بـ109 نائبا قد لا تصمد أمام رياح الاحتجاجات الاجتماعية المتوقعة. وتعتبر حركة الشعب حزبا لا غنى عنه في أي تشكيل حكومي باعتبار امتداداته داخل الاتحاد العام التونسي للشغل وخصوصا نقابة التعليم الثانوي التي تعتبر من أهم الكتل الفاعلة داخل الاتحاد والتي لديها القدرة على شل الحركة في بلد يولي شعبه أهمية بالغة لتعليم أبنائه وراهن على التعليم منذ فجر الاستقلال وأنفق رئيسه الأسبق الحبيب بورقيبة ثلث ميزانية الدولة على التعليم عوضا عن التسلح وإنشاء البناءات الضخمة والمبهرة.
فالأحزاب السياسية لا تقاس فقط بحجمها الانتخابي الداخلي بل أيضا بامتداداتها داخل المنظمات الفاعلة والقوية وأيضا بعلاقاتها الخارجية، وحركة الشعب حزب قومي موجود على الميدان لدى جمهور تونسي منتصر لقضاياه العربية وهو فاعل في أعرق المنظمات المهنية على المستويين الإقليمي والقاري. كما أن لحركة الشعب علاقاتها القوية والهامة والمتينة مع الأحزاب القومية والمنظمات التي تساند القضايا القومية على المستوى العربي وتبدو رقما صعبا سيكون من الغباء السياسي تجاهلها في أي تشكيل حكومي مقبل وعليها بالمقابل أن تتحلى بالمسؤولية وتتقدم للمساهمة في إنقاذ البلاد.