تونس ـ «القدس العربي»: بات مشروع الدستور الجديد بعد 25 تموز/يوليو 2022 أمرا واقعا في تونس وسيدخل قريبا حيز التطبيق رغم ما أثاره نصه والظروف التي حفت بوضعه والتصويت عليه من انتقادات وجدل واسع. فقد نقل الاستفتاء تونس إلى مرحلة جديدة تطرح فيها العديد من التساؤلات لعل أهمها، ماذا بعد هذا الدستور الذي منح صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية وكان على مقاس ساكن قرطاج؟
إن ما هو أكيد أن قيس سعيد سيكون “الرجل القوي” في هذه الجمهورية الثالثة بالنظر إلى الصلاحيات الواسعة التي بات يمتلكها بحكم الدستور وهو الذي وضع نفسه بعيدا عن أي شبهات وفوق أي محاسبة وفق النص الدستوري نفسه. ويرى البعض ان سعيد يحظى بدعم من قوى وأطراف فاعلة داخل ما يسمى في البلاد بـ”الدولة العميقة” دعمت بقوة ما أقدم عليه يوم 25 تموز/يوليو2021 من تجميد للبرلمان وحل للحكومة وإلغاء العمل بالدستور القديم. بل أن البعض يذهب إلى أن هذه القوى هي من دفعته دفعا إلى إنهاء منظومة سنة 2011 بعد أن بلغ السيل الزبى ولم يعد هناك أي مجال لتحمل المزيد وذلك بعد وفاة قرابة 35 ألفا من التونسيين بالكوفيد في ظرف زمني قياسي، وعجز الحكومة عن جلب اللقاحات واهتمام الطبقة السياسية آنذاك بالصراعات والاستيلاء على مواقع القرار.
لكن هذا الرجل القوي لن يجد الطريق معبدة أمامه كما يعتقد البعض، فهناك تحديات كبرى وصعبة بانتظاره خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.
فالقوة الدستورية التي بات يتمتع بها سعيد بعد الاستفتاء هي سلاح ذو حدين، فقد وضع نفسه المسؤول الأول في البلاد وبالتالي فإن أنظار الفئات الشعبية تتجه إليه بوصفه المنقذ الذي يجب عليه ان يغير أوضاعهم. وهذا ما فسرته عمليات سبر الآراء الأخيرة، فجل الفئات التي صوتت للدستور الجديد لم تقرأ ما جاء فيه ولا يعنيها الفقه الدستوري أو الجدل القانوني الدائر بل انها جاءت لصندوق الاقتراع آملة ان تجد حلولا لمشاكلها الحياتية العادية مثل البطالة أو غلاء الأسعار والطبابة وغيرها. والحال ان البلاد ليست في أفضل حال وان سعيد لا يملك العصا السحرية وهذه الآمال العريضة التي وضعها عليه ناخبوه ستنحسر تدريجيا مع تصاعد الأزمة الاقتصادية وهو ما سيجعل الرجل وجها لوجه أمام “شارع غاضب” بسبب أحلامه المبددة.
لذلك فإن أولى المعضلات التي تنتظر البلاد هما الملفان الاقتصادي والاجتماعي والعلاقة بالاتحاد العام التونسي للشغل الذي لديه مطالب لم تستجب لها الحكومة وتنتظر الحسم. ويرجح أن تذهب المركزية النقابية باتجاه التصعيد إذا لم تستجب الحكومة لمطالبها وذلك تحت ضغط القواعد التي تعيش ظروفا اجتماعية صعبة تضطرها للمطالبة بالزيادات في كل مرة ترتفع أسعار المواد الأساسية بعد أن أصبحت الزيادات خبزا يوميا في حياة التونسيين وقدرا محتوما عليهم في السنوات الأخيرة على وجه الخصوص.
ويعتبر دور المنظمة الشغيلة، كما تسمى في تونس، حاسما لكي يقبل صندوق النقد الدولي بمنح الخضراء القرض الذي طالبت به لتغطية العجز في الميزانية لهذا العام باعتبار أن الإتحاد هو الشريك الاجتماعي الذي اشترط الصندوق موافقته على الإملاءات التي تقدم بها. وبالتالي فإن أي رئيس مهما بلغت قوته، بالصلاحيات التي منحها له الدستور الجديد، لا يستطيع أن يتجاوز الإتحاد لأنه الرقم الصعب في المعادلة التونسية والذي يمتلك عديد الأوراق التي تجعله يفرض إملاءاته حتى على عتاة القياصرة.
وبالتالي فإن حكومة الرئيس سعيد، سواء بقيت نجلاء بودن على رأسها أو تم تغييرها، ستجد نفسها مجبرة على التعامل بجدية مع مطالب الإتحاد وإلا فإن صداما قد يحصل بين الطرفين مع نهاية فصل الصيف. فالإتحاد لا يتحرك من أجل مصالح خاصة بل بدفع من قواعده التي تئن من الظروف الاقتصادية والاجتماعية المزرية التي تعاني منها الطبقة الشغيلة اليوم في تونس، ولا يمكن للقيادات أن تغض الطرف عن مطالب القواعد لأنها تخشى إزاحتها بصناديق الاقتراع باعتبار أن الأمر يتعلق بمنظمة ديمقراطية عريقة.
كما سيجد الرئيس القوي، بمقتضى الدستور الجديد، نفسه مجبرا كما حكومته على إيجاد البدائل في حال رفض صندوق النقد الدولي إقراض تونس مبلغ الأربعة مليارات من الدولارات، وقد كان من المفروض أن يقع التفكير في هذه البدائل منذ مدة، وحتى قبل الاستفتاء الدستوري والاستشارة الوطنية و”الحوار” الذي تبعها. كما أنه مطالب، وفي وقت قياسي، بإيجاد الحلول الكفيلة بتغطية العجز الجديد في الميزانية الناجم عن ارتفاع أسعار القمح والمحروقات نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية التي لم يكن أحد يتوقع حصولها عند إعداد الميزانية لهذا العام.
شعبية مؤقتة
ولا يبدو أن للتونسيين القدرة على الانتظار إلى ما بعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم 17 كانون الأول/ديسمبر المقبل لإيجاد الحلول لمشاكلهم الاجتماعية التي تفاقمت باعتبارهم ينتظرون منذ سنة 2011 تاريخ رحيل الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي ونهاية نظامه. فالرئيس سعيد ومنذ توليه الحكم، وعلى غرار سابقيه خلال العشرية الماضية، لم يول الملفين الاقتصادي والاجتماعي ما يستحقانه من العناية، وانصرف إلى الاهتمام بالمسائل السياسية بقطع النظر إن كان ذلك خياره أم أنه دفع إلى ذلك دفعا بفعل الضغوط الداخلية والخارجية التي تسلطت عليه ودعته إلى سرعة الخروج من الوضع الاستثنائي والعودة إلى الديمقراطية.
لقد أثبتت التجربة أن شعبية الحاكم في تونس مرتبطة أشد الارتباط بتسهيل حصول شعبه على قوته اليومي وبسعر مناسب وضمان كل وسائل الراحة له. فقد غض هذا الشعب، الذي تمرد على بورقيبة في أواخر عهده وفي مرحلة عجزه عن تلبية المطالب المعيشية بالرغم من السلطة الأبوية التي كانت لهذا الأخير والتي اكتسبها من نضاله ضد الاستعمار وبناء الدولة، غضّ الطرف عن ديكتاتورية بن علي لعقدين من الزمان ما دام يعيش في ظل دولة قوية مهابة في محيطها وتوفر له الأمن والاستقرار والعيش الكريم. لكن بمجرد أن ضربت الأزمة الاقتصادية العالمية موطن القرطاجيين بداية من سنة 2008 حتى تتالت الانتفاضات على نظام بن علي، بداية بانتفاضة الحوض المنجمي، إلى ان انتهى الأمر برحيل رأس النظام مع مطلع سنة 2011.
وحصل الأمر ذاته مع منظومة 2011 التي قضى معها التونسيون عشرية من المد والجزر شهدت احتجاجات واضطرابات اجتماعية بالجملة لأن حكام تلك المنظومة لم يدركوا أن الديمقراطية لم تكن المطلب الرئيسي لهذا الشعب الذي لم يرحم باني دولته ومحرره من الاستعمار حين استُهدف في معيشته وقوته اليومي في الثمانينات فما بالك بغيره. وانتهى الأمر بشريحة كبيرة من الشعب مؤيدة لقيس سعيد في إزاحته لمنظومة سنة 2011 حين لم تحقق لها ما كانت تنتظره، ورأى هؤلاء في ساكن قرطاج الحالي “الرجل النظيف” المخلص من الشرور، في انتظار أن يتبينوا قدرته من عدمها في تحقيق المطالب الاقتصادية والاجتماعية.
وبالتالي فإن التأييد للرئيس سعيد من قبل مريديه وحالة “الشعبوية ” الطاغية، يبدو مؤقتا ومرتبطا بمدى قدرته على تحقيق المطالب الاقتصادية والاجتماعية لشرائح من التونسيين خصوصا فئة الشباب وأبناء المناطق الداخلية الأكثر تهميشا. ولن تنفع الرئيس كثيرا صلاحياته الواسعة التي منحها له الدستور الجديد ما لم يحقق المطلوب والمنشود لهذه الشرائح التي سئمت الانتظار ولم تعد لديها القدرة على تحمل المزيد.
تنامي المعارضة
ومن بين التحديات التي سيواجهها الرئيس، تنامي المعارضة لمساره السياسي، فلم يعد الأمر يقتصر على المتضررين من الإطاحة بمنظومة 2011 مثلما كان عليه الأمر خلال الأشهر الماضية، بل تجاوزه إلى تيارات وأحزاب سياسية ومنظمات من المجتمع المدني وشخصيات وطنية معروفة تحظى بالاحترام على الأقل في اختصاصاتها. فقد استفزّ الدستور الجديد شرائح كثيرة كانت تؤيد الرئيس قيس سعيد أو تتحفظ على انتقاد بعض تجاوزاته، وهو ما جعلها تتحرك ضد هذا الدستور، خوفا على الحريات أو انتقادا للنظام السياسي الجديد الذي يجعل الرئيس فوق المحاسبة والمساءلة.
فهناك عدد معتبر من المنظمات الحقوقية عبرت عن خشيتها على الحقوق والحريات من هذا الدستور وهي تستعد لمعركة حقوقية مع ساكن قرطاج دفاعا عن الحريات التي ترى أنها باتت مقيدة وأقل بكثير من سقف التوقعات والآمال. ولبعض هذه المنظمات تاريخ حافل في مقارعة نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي وفي معارضة الانتهاكات التي حصلت خلال فترة حكم منظومة 2011 التي تحسب على حركة النهضة، وهي شرسة ولا تكل ولا تمل دفاعا عن قضاياها الحقوقية ولديها امتداداتها في قطاعات حساسة مثل الإعلام والمحاماة والأحزاب والنقابات المنضوية تحت لواء الإتحاد العام التونسي للشغل.
وتعارض هذه المنظمات ومن هو على نهجها أيضا، إضافة إلى موضوع الحريات والجدل الذي يحوم حول الفصل الخامس، مسألة بقاء الرئيس من دون رقابة ومساءلة خلافا لرئيس الحكومة الذي هو بالأساس وزير أول ينفذ التعليمات لكنه يحاسب مع فريقه الحكومي، فيما صاحب القرار ومن يصدر التعليمات منزه ولا يمكن المساس به بأي حال من الأحوال. ففي النظامين الرئاسيين الأمريكي والفرنسي، وهما نظامان ديمقراطيان، لا يوجد شيء اسمه رئيس الحكومة، ولا لائحة لوم تصدر ضد الحكومة، فهي من مميزات الأنظمة البرلمانية التي تجعل رئيس الحكومة صاحب الصلاحيات التنفيذية الواسعة هو الذي يحاسب فيما لا يتعرض رئيس الجمهورية للمحاسبة والمساءلة باعتباره مجردا من الصلاحيات التنفيذية.
وينتظر أن تضغط هذه المنظمات ورجال القانون والقوى الديمقراطية باتجاه إدخال التعديلات اللازمة على نص الدستور الذي جاء مخيبا لآمالهم في مسألتي الحريات وسير عمل النظام السياسي. إذ يجب حسب هؤلاء استبدال عبارة رئيس الحكومة بعبارة الوزير الأول كما النظام الرئاسي الفرنسي أو حذف هذه الخطة تماما أسوة بالنظام الرئاسي الأمريكي مع اخضاع صاحب السلطة التنفيذية والصلاحيات الواسعة أي رئيس الجمهورية إلى الرقابة والمحاسبة والمساءلة لضمان عدم استبداده بالسلطة ولضمان ترسيخ نظام رئاسي ديمقراطي لا ينحرف ليصبح نظاما رئاسويا مثلما يحصل في باقي الأنظمة الجمهورية العربية.
معضلة الانتخابات
وينتظر الرئيس سعيد استحقاق هام لمرحلة ما بعد الاستفتاء على الدستور وهو الانتخابات التشريعية والتي كان من المفروض أن تجرى معها انتخابات رئاسية على أساس الدستور الجديد. وللإعداد إلى هذه الانتخابات وجب الشروع فورا في تنقيح القانون الانتخابي وكذا قانون الأحزاب، وفي هذا الإطار يبدو توجه الرئيس سعيد نحو إلغاء نظام الاقتراع على القوائم المغلقة في دوائر كبيرة واستبداله بنظام الاقتراع على الأشخاص في دوائر صغيرة، غير محمود بالنسبة للبعض باعتباره يخلق انقسامات ويعيد إحياء القبلية أو “العروشية” كما يسميها التونسيون من جديد.
ففي حال تم اعتماد هذا النظام سترشح كل جهة “فارس قبيلتها” لتمثيلها في البرلمان الذي سيتحول إلى مجلس لأعيان القبائل أو العروش عوضا عن برلمان مدني تمثل فيه مختلف الأحزاب والتيارات السياسية. وحتى الأحزاب ستضطر لترشيح فارس القبيلة في كل جهة لتمثيلها لضمان أوفر حظوظ الفوز في سعيها لكسب أوفر عدد ممكن من المقاعد داخل البرلمان.
لذلك يرى البعض أن على سعيد والقائمين معه على تنقيح القانون الانتخابي أن يعتمدوا النظام المختلط أو نظام القوائم المفتوحة الذي يحد من مساوئ النظامين الانتخابيين الآخرين، سواء نظام الاقتراع على القوائم المغلقة الذي يكرس هيمنة الأحزاب وقياداتها وتحكمهم في قرار الجهات التي لا تمثل التمثيل الجيد، أو نظام الاقتراع على الأشخاص الذي يرسخ العروشية التي سعى التونسيون إلى التخلص منها مع انبلاج فجر الاستقلال. كما عليهم أن يجدوا الحل لمعضلة المال السياسي الخارجي الذي مثل تزويرا لإرادة الناخب خلال العشرية الماضية وساهم في استشراء التدخلات الخارجية في الشأن التونسي، ومن الحلول التي يمكن اعتمادها أن تعود الدولة إلى تمويل أحزابها وتقوم بمراقبة الحسابات والأرصدة البنكية لهذه الأحزاب ولقيادييها مع مراقبة هذه القيادات عند عودتها من السفر بصرامة.
وتبقى المعضلة التي تواجه الانتخابات التشريعية المقبلة هي المقاطعة من قبل بعض الأحزاب والتيارات السياسية والتي قد تحد من مصداقيتها في حال أجريت من دون هؤلاء المقاطعين. تضاف إلى ذلك ظاهرة العزوف عن المشاركة في الانتخابات والتي تنامت كثيرا مقارنة بانتخابات المجلس التأسيسي لسنة 2011 والتي وجب إيجاد الحلول الكفيلة بمعالجتها لضمان أكبر قدر من المصداقية لأي استحقاق انتخابي مقبل.