طالب المحتجون الذين خرجوا في المسيرة بالإفراج عن الموقوفين من السياسيين والإعلاميين وغيرهم وعدم ملاحقة المترشحين لرئاسة الجمهورية واحترام قرارات المحكمة الإدارية باعتبارها مرجع النظر في النزاعات الانتخابية.
تونس ـ «القدس العربي»: مثلت الوقفة الاحتجاجية التي انتظمت يوم الجمعة بشارع الحبيب بورقيبة بتونس العاصمة، والتي شاركت فيها أطراف سياسية ومدنية معارضة لسياسات الرئيس قيس سعيد، حدثا هاما أثار الكثير من ردود الأفعال سواء في الداخل أو في الخارج. فهو يتزامن مع يوم انطلاق الحملة الانتخابية الرئاسية في الداخل، وذلك في وقت لم تعد تفصل التونسيين عن موعد اختيار رئيسهم للسنوات الخمس المقبلة والمقرر ليوم 6 تشرين الأول/اكتوبر 2024 سوى أيام معدودات.
وعبرت الفعاليات المشاركة في هذه الاحتجاجات عن عدم رضاها على الجو العام في البلاد وعلى سياسات رئيس الجمهورية في مجال الحقوق والحريات على وجه الخصوص، معتبرين أن ما يحصل في هذا المجال هو انتكاسة. وطالب المحتجون الذين خرجوا في هذه المسيرة بالإفراج عن الموقوفين من السياسيين والإعلاميين وغيرهم وعدم ملاحقة المترشحين لرئاسة الجمهورية واحترام قرارات المحكمة الإدارية باعتبارها مرجع النظر في النزاعات الانتخابية.
أحزاب ومنظمات
وكانت الشبكة التونسية للحقوق والحريات التي تضم عشرين حزبا من المعارضة أغلبها تنتمي إلى يسار الوسط، وتسع منظمات من المجتمع المدني منها منظمات عريقة، هي التي دعت إلى هذا التحرك الاحتجاجي المتزامن مع موعد انطلاق الحملة الانتخابية الرئاسية في الداخل. ومن بين المنظمات والجمعيات التي تضمها هذه الشبكة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وائتلاف صمود والديناميكية النسوية والنقابة الوطنية للصحافيين التونسيين والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ومن بين أحزاب هذه الشبكة، التي تشكلت حديثا، حزب العمال الشيوعي وحزب التيار الديمقراطي وحزب المسار الديمقراطي وحزب آفاق تونس وحزب التكتل من أجل العمل والحريات، وهي أحزاب انخرطت في الحكم في وقت سابق باستثناء حزب العمال.
وانطلقت المسيرة من حديقة الباساج بتونس العاصمة وسارت باتجاه شارع الحبيب بورقيبة، الشارع الرمز الذي شهد أهم الأحداث السياسية التونسية في السنوات الأخيرة وحتى قبل ذلك. فقد تم تخطيط هذا الشارع والشروع في بنائه والمنطقة المحيطة به وذلك خارج أسوار المدينة العتيقة، منذ نهاية القرن الثامن عشر وأخذ شكله الرئيسي في أواسط القرن التاسع عشر في عهد الملك المشير أحمد باي تحت مسمى شارع البحرية وذلك قبل قدوم الاستعمار الفرنسي إلى تونس. ومن أهم الأحداث التي شهدها هذا الشارع، صدامات 9 نيسان/ابريل 1938 بين أبناء التيار الوطني المطالبين بالاستقلال والمستعمر الفرنسي، وكذلك ثورة 14 كانون الثاني/يناير 2011.
مطالب عديدة
ولعل ما دفع إلى هذا الاحتجاج بالأساس هو رفض الهيئة المشرفة على الانتخابات قبول ترشح ثلاثة مترشحين قضت المحكمة الإدارية سابقا باعادتهم إلى السباق الانتخابي. وهؤلاء المرشحون هم المنذر الزيادي وعبد اللطيف المكي وعماد الدايمي، وينتمي الأول إلى منظومة ما قبل سنة 2011 بينما ينتمي الثاني والثالث إلى المنظومة التي حكمت البلاد بعد ثورة 14 كانون الثاني/يناير.
ومن بين مطالب المحتجين أيضا الإفراج عن العياشي الزمال المرشح الذي قبلت الهيئة ترشحه لكن القضاء العدلي بصدد تتبعه من أجل تدليس تزكيات للترشح إلى رئاسة الجمهورية وهو موقوف في الوقت الحاضر لكن لم يتم إبعاده من السباق الانتخابي. ويخشى من امكانية منعه من الترشح لينحصر السباق الانتخابي بالنهاية بين رئيس الجمهورية قيس سعيد والأمين العام لحركة الشعب القومية العروبية زهير المغزاوي الذي ساند رئيس الجمهورية في الإجراءات التي اتخذها يوم 25 تموز/يوليو 2021.
مواقف مختلفة
ويرى كثير من المحللين أن هذه الاحتجاجات هي عنصر صحة ودليل على أن المجتمع السياسي والمدني في تونس حي ويحتج ويقوم بدوره ولا يستكين ولا يسلم ولا يقبل بالأمر الواقع. ويرى هؤلاء أن في تونس معارضة حقيقية لها تاريخ حافل في مقاومة كل أشكال الاستبداد والتسلط ولها استعداد للذهاب بعيدا في احتجاجاتها ولا يرهبها شيء في هذا الإطار.
بالمقابل يرى أنصار الرئيس قيس سعيد أن ساكن قرطاج لا يمارس الاستبداد والتسلط وإنما يحارب الخونة والمتآمرين على الدولة والفاسدين ومن تورطوا في تدمير تونس طيلة السنوات الماضية. وبالتالي فإن الاتهامات التي تطال الرئيس باطلة برأيهم والهدف منها تشويه رئيس الجمهورية لردعه عن محاربة الفساد والفاسدين وغلق باب المحاسبة إلى الأبد.
وللإشارة فقد سعت أطراف من خارج الشبكة إلى التشويش على هذه الاحتجاجات ودعت إلى ارتكاب أعمال عنف وهو ما جعل الشبكة التونسية للحقوق والحريات تؤكد على أنها لا تتحمل مسؤولية ما يتم تداوله من دعوات للعنف والتخريب من جهات أخرى عبر صفحات فيسبوكية مدعومة تقوم بحملات باسم الشبكة. وشددت الشبكة في بيان لها على أنها تتبرأ من دعوات أي طرف خارجي يسعى للتشويش على المسيرة التي تعتزم تنظيمها وأكدت على استقلاليتها وسلمية تحركاتها ونضالها المستمر في الصفوف الأولى من أجل حماية جميع الحقوق والحريات المسلوبة، على حد تعبيرها.
كما أكدت الشبكة في البيان الذي أعلنت فيه عن تنظيم المسيرة، أن مسيرتها تأتي للدفاع عن دولة القانون والحقوق السياسية والمدنية. ودعت من خلال هذا البيان إلى إطلاق سراح من أسمتهم مساجين الرأي والنشاط المدني والسياسي.
الامتحان الحقيقي
يرى الكاتب والباحث السياسي هشام الحاجي في حديثه لـ«القدس العربي» أن هذه التحركات الاحتجاجية ضرورية وتدخل في إطار حرية التعبير والحق في ممارستها من قبل جميع التونسيين بما في ذلك المعارضة التي لا يجب أن يخفت صوتها في دولة مثل تونس لديها تقاليد عريقة في مجال الحقوق والحريات. فمن أهم أدوار المعارضة، حسب الحاجي، تصويب إنحراف السلطة ولفت نظرها إلى أخطائها وتجاوزاتها، وإذا انقطعت هذه المعارضة عن لعب هذا الدور فإن خللا كبيرا سيحصل ويؤدي إلى ما لا يحمد عقباه.
ويضيف محدثنا قائلا: «من المهم أن يبقى الصراع مدنيا سلميا في تونس وأن لا تتطور الأمور إلى الفوضى مثلما حصل في بلدان قريبة تنتمي إلى ذات الفضاء الإقليمي وهو الأمر الذي ميز التجربة التونسية رغم كل هناتها والانحرافات التي حصلت فيها. ولعل تزامن هذه الاحتجاجات مع الحملة الانتخابية وعدم إعلان المعارضة مقاطعتها للانتخابات يعطي بعض الأمل في حصول تصويت فيه الحد الأدنى المطلوب من الاختيار الحر وذلك بالرغم من المناخ العام الخانق سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. إن الحوار هو المطلوب في المرحلة المقبلة للنهوض بالبلد واقتصاده المتدهور ولإعادة قطار التنمية الذي تعطل منذ سنوات وذلك بعيدا عن لغة الإقصاء والتخوين لأن المرحلة صعبة والوطن بحاجة إلى جميع أبنائه بدون استثناء ولا تمييز. ولعل انتخابات 6 أكتوبر المقبلة ستكون الامتحان الحقيقي الذي سيجعلنا إما نتفاءل خيرا بمستقبل زاهر لأبناء هذا الوطن، أو نتجهز لسنوات عجاف على كافة الأصعدة ستكون ضربتها هذه المرة موجعة وربما قاصمة».