انتفاضة القطاع الصحافي ضد مشروع تنقيح المرسوم 116
تونس-“القدس العربي”: لم يهدأ القطاع الإعلامي في تونس منذ سنوات وحتى اليوم من أجل الدفاع عن حرية الصحافة وتنظيم هذا القطاع وفق تشريعات دستورية تحمي استقلاليته وتصون حرية الرأي والتعبير، ويقود الصحافيون التونسيون معركة شرسة متواصلة لحماية حرياتهم الإعلامية واستقلالية القطاع الصحافي، باعتبار أن الإعلام هو جزء لا يتجزأ من الانتقال الديمقراطي في البلاد بكل صعوباته وتحدياته.
فمسار الانتقال الديمقراطي في مستوى المؤسسات الإعلامية كافة سواء المكتوبة أو المسموعة أو المرئية غالبا ما كانت تواجه بمحاولات الطبقة الحاكمة السياسية الجديدة بإخضاعها لتوجهاتها.
آخر المعارك تتعلق بمشروع تنقيح المرسوم 116 الذي ينظّم حرية الاتصال السمعي والبصري وينظّم ممارستها عبر الهيئة المستقلة للاتصال السمعي البصري. وقد تقدمت بعض الكتل النيابية بمشروح تنقيح المرسوم، الأمر الذي جُوبه برفض واسع في القطاع الإعلامي في تونس وبانتفاضة جديدة للصحافيين توجّت بوقفة احتجاجية أمام مجلس نواب الشعب رفضا لأي مقترح للتعديل قد يمسّ بحرية القطاع الإعلامي ويجعله مرتبطا ومرهونا بتوجهات الطبقة السياسية مهما كانت توجهاتها وأهدافها.
تشريعات تحمي حرية التعبير
لقد وجدت النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين منذ انتخاب مكتب تنفيذي جديد لها الشهر الماضي، في معركة جديدة للدفاع عن حرية الإعلام. في هذا السياق يقول رئيس النقابة مهدي الجلاصي لـ “القدس العربي” إن “هذا المسار انطلق منذ سنوات لإرساء تشريعات تحمي حرية التعبير وتُنظم حرية الصحافة وتنظم القطاع السمعي البصري”. ويوضح: “لقد دخلنا مباشرة منذ بداية عهدتنا في معركة القوانين وتعديل مشروع مرسوم 116 لما فيه من خطورة كبيرة على حرية التعبير. وتمكّنا من خلق حراك لتجميع الصحافيين وهياكلهم النقابية من أجل التصدي لهذا المشروع وأظهرنا للرأي العام أن الصحافيين لا يحتجون فقط على أوضاعهم المالية والمهنية، بل يحتجون بقوة أيضا على قضايا تتعلق بحرية التعبير وقضايا تتعلق بتعددية وتنوع وسلامة المشهد السمعي البصري الذي يهمّ جميع التونسيين، ويهمّ كذلك الانتقال الديمقراطي في تونس واستقلالية الهيئات التشريعية”. ويتابع محدثنا: “ونحن نقول إن هذا التحرك الذي نقوده نوعي ومبدئي وجدي وقوي من أجل فرض نقاش حول قوانين جديرة بالاحترام وملائمة للمعايير الدولية لحرية الصحافة وحرية الرأي واستقلالية الإعلام ومتلائمة مع الدستور التونسي والتزامات تونس”.
أما عن أسباب تعديل المرسوم ومضاره على القطاع الصحافي يجيب بالقول: “الجهة المبادرة بالتعديل هي في النهاية لم تُقدم على هذا المقترح لمصلحة الإعلام بل لمصلحة بعض قادة الائتلاف الحاكم الذين لديهم قنوات خارجة عن القانون، وعوضا عن تسوية وضعياتها مع الهايكا يريدون ان يصدروا تعديلات لهذه القرارات تتلاءم مع أوضاعهم غير القانونية. ولذلك حذفوا مسألة إجازة البث قبل تأسيس هذه القنوات من جهة. ومن جهة أخرى يريد بعض أعضاء التحالف الحاكم السيطرة على هيئة الاتصال السمعي البصري الدستورية التي سيتم انتخابها فيما بعد عبر أغلبية بسيطة فقط أي النصف زائد واحد وهو أمر خطير على المشهد الإعلامي، ويجعل كل تحالف متألف من ثلاثة أو أربعة أحزاب بمقدوره التحكم بالمشهد الإعلامي كما يريد. رغم ان فلسفة الهيئات الدستورية في العالم كله وحتى في تونس تبقى قائمة على استقلالية هذه الهيئات ولا تكون إلا مستقلة وتتمتع بكفاءة، ولا تكون خاضعة للمحاصصة الحزبية. لذلك قرر الدستور انها لا تنتخب إلا بأغلبية الأصوات. لذلك تعديل هذه النقطة أعتقد انه لا علاقة لها لا بمصلحة الإعلام ولا بمصلحة الصحافيين أو مصلحة تونس، وهي مبادرة لمصلحة بعض قادة الاتئلاف الحاكم وأصحاب المبادرة”.
وهل يمكن القول إن الصحافيين اليوم دخلوا في صراع أو تصادم مباشر مع الحكومة التي كانت راعية للمبادرة، عن هذه النقطة يجيب نقيب الصحافيين التونسيين بالقول: “نقابة الصحافيين لا تتصارع مع الحكومة ولا مع أية جهة بل تدافع عن قضايا معينة وعن قضايا حرية التعبير وحقوق الصحافيين وعلاقتنا مع الحكومة – ولئن تبدو وكأنها في حالة صدام عبر إصدار بيانات شديدة اللهجة -، لكن نحن نبقى دائما في تواصل، لأن هناك عديد الملفات يجب أن يتم التعامل فيها مع الحكومة. وكنا قد التقينا برئيس مجلس النواب وهذا يدل على أننا لسنا في قطيعة مع أجهزة الدولة لكن نحن نخوض معركتنا المبدئية والحادة بكل ثبات بغض النظر عن الجهة المقابلة لنا، مثلا الجهة التي بادرت بهذا الاتفاق – وهي كتلة ائتلاف الكرامة – وحتى لو تقدمت بها أي جهة أخرى كنا سنقوم ونواجه ونعارض بنفس الطريقة وبأساليب ديمقراطية. فالصحافيون والنقابيون صحيح أن لديهم آراءهم الحرة ولكن يتعاملون مع جميع المؤسسات بموضوعية، مهما كانوا الأشخاص وسنستمر في التعامل الجدي والإيجابي مع من يقدم لنا نوايا طيبة شرط ان يكون التعاون معنا جديا وإيجابيا أيضا وليس تدجينيا أو يسعى نحو السيطرة”.
مستقبل الإعلام والانتقال الرقمي
وعن مستقبل الإعلام في تونس وأهم المعضلات التي يواجهها، يجيب الجلاصي: “في الحقيقة المشهد الإعلامي الآن اعتقد أنه سيء جدا لا يليق بتونس ومكانتها وبتجربة الانتقال الديمقراطي الفريدة التي تعيشها. هناك للأسف إعلام لا يستجيب لتطلعات المواطنين ولا يخدم القضايا الوطنية وقضايا التونسيين بطريقة جيدة، بل يساهم في تعويم هذه القضايا وينشر الرداءة والبذاءة عبر ما يسمى بالتجاذبات. وحتى الإعلام العمومي يعاني من مشاكل هيكلية ولا يستطيع ان يتقدم اليوم بنفس هيكلته الحالية المتخلفة. وهناك أيضا الصحف الورقية التي تعاني كثيرا وأزمة الصحف الورقية أزمة عالمية ولا تخصّ تونس فحسب لأن الجميع اليوم يتجه نحو الديجيتال، ورأينا مؤسسات إعلامية كبرى مثل “لوموند” أو “التايمز” خصصت أموالا طائلة حتى تحقق انتقالها الرقمي بطريقة تحفظ مكانة هذه المؤسسات واستمراريتها واستمرارية الوظائف فيها. وللأسف لم تستطع المؤسسات الإعلامية في تونس ان تحقق الانتقال الرقمي عبر تقوية الديجيتال حتى يكون قادرا على استيعاب الصحافيين والاشهارات والإعلانات وتصبح بالتالي هذه المؤسسات قابلة للعيش وقادرة على دفع رواتب موظفيها وصحافييها وربما تصبح مؤسسات رابحة”. وهذا بحسب محدثنا ينسحب على المؤسسات الصحافية كلها سواء الخاصة أو العمومية، إذ يجب أن تبادر فورا بمسار إصلاح هيكلي مواكب للعصر. ويضيف: “ففي عصرنا باتت الأخبار تتناقل بسرعة فور حدوثها لذلك يجب على الصحافة خاصة المكتوبة ان تسعى لتطوير نفسها عبر تعميق الجوانب التحليلية أكثر من خلال التحقيقات الميدانية العميقة وتُطّور مضمونها الورقي نحو التقصي والاستقصاء بشكل يستجيب للتطور التكنولوجي وليس العكس” .
ويرى الصحافي في جريدة “الصباح” نزار مقني في حديثه لـ “القدس العربي” أن معركة حرية التعبير وحرية الاتصال السمعي البصري قد تكون بعيدة عن الحسم في هذه المرحلة مضيفا بالقول: “إن ما تحقق مؤخرا من قبل الهياكل المهنية (الجامعة العامة للإعلام ونقابة الصحافيين) بعد تصديهم لمقترح القانون الذي تقدمت به كتلة ائتلاف الكرامة لتعديل المرسوم 116 يعتبر أولى مراحل الحسم في هذه المعركة الهامة في إطار الانتقال الديمقراطي، خاصة وان المقترح لو تمّ تمريره فإنه سيفتح المشهد الإعلامي التونسي على الفوضى التي لا تخدم إلا أجندات سياسية ضيقة وتضفي شرعية على وسائل إعلام تعتبر غير قانونية وتبحث عن موطئ قدم قانوني”. ويضيف: “هذا فضلا عن فتح الأبواب أمام المحاصصة السياسية في الهيئة الجديدة لتنظيم الاتصال السمعي البصري وهو ما سيتسبب بتدجين الإعلام لأجندات بعينها تخدم الأغلبية الحاكمة على حساب الأقلية”. فهذا الوضع – حسب مقني – لا يساعد عملية الانتقال الديمقراطي المتعثرة أصلا بسبب الفوضى السائدة على المستوى السياسي.
ويؤكد مقني أن مستقبل الإعلام في تونس مرهون بمدى استجابة السلطة السياسية لمطالب الهياكل المهنية في مطالب حرية التعبير ووضعية الصحافيين المادية والمعنوية.
الصراع بين الإعلام والسلطة
وتعتبر أستاذة الإعلام في معهد الصحافة في تونس أروى الكعلي بأن مسألة الصراع بين الإعلام والسلطة ليست مقتصرة على الأنظمة الديكتاتورية حيث يتمّ التحكم بشكل ممنهج في المضمون الإعلامي، وتضيف في حديثها لـ “القدس العربي : “نلاحظ هذا الصراع أيضا في الديمقراطيات وذلك لأن نظرة كل منهما (الإعلام والسلطة) إلى ما يهم المواطنين أو ما يخدمهم لا يخلو من اختلافات. ولكننا في السياق الحالي الذي تمرّ به تونس حيث لم يكمل الإعلام انتقاله بعد لا على المستوى القانوني أو الممارستي، إذ نرصد صراعات لا تتعلق بسلطة تنفيذية وسلطة رابعة بل بمساعي لعدم تركيز سلطة رابعة من الأساس. فالحكومات المتعاقبة منذ 14 كانون الثاني/يناير 2011 والبرلمانات المنتخبة لم تسع لتعويض المراسيم الانتقالية التي تنظم العمل الإعلامي، كما أنها لم تعوض أيضا القوانين القديمة التي وضعها النظام السابق والتي تخصّ المرفق العمومي على سبيل المثال” .
وتؤكد الكعلي بأن الإعلام في تونس من الناحية القانونية لم يحقق انتقاله نحو الممارسة في سياق ديمقراطي بعد. وبحسب رأيها فإن ذلك يعود إلى إرادة سياسية ليس من مصلحتها تطوير الإعلام أو تحسين المناخ الذي يعمل به بل بالأحرى تثبت كل مرة سعيها المستمر إلى تطويعه. وخلال السنوات الأخيرة ظهرت هذه “الصراعات” بين السلطة والإعلام من خلال أشكال مختلفة منها شيطنته في 2012 أو “محاولة تطويعه” من خلال مقترح تعديل المرسوم 116 بدعوى تحريره. وفي الحقيقة يتعلق الأمر بعكس ذلك تماما وهو أن يكون القانون على مقاس أولئك الذين يسعون إلى توظيف الإعلام لخدمة مصالحهم السياسية والاقتصادية، للبقاء في السلطة أو الوصول إلى السلطة”.
وإن كان الإعلام قد نجح في كل معاركه إلى حد الآن، فإنه رغم ذلك ما زال رهين هذا الوضع المعلق حيث لا إطار قانوني جديد ولا هيئات دائمة بل حالة مستمرة من اللخبطة والفوضى والحلول الترقيعية. وهذا يخدم – بحسب الكعلي- جزءا كبيرا من الطبقات السياسية التي لا ترغب في وجود سلطة رابعة حقيقية تُسائلها. وهذه الفوضى تظهر خصوصا عبر خروج عديد المؤسسات الإعلامية عن القانون وعملها علنا لصالح أحزاب أو لوبيات ولا وجود لقوة ردعية في المقابل قادرة على فرض القانون.
وفي هذا السياق لا يمكن للإعلام أن ينكبّ على الإصلاحات الكبرى التي عليه أن يقوم بها أيضا أو أن يفتح ملفات مهمة مثل تطوير المضامين وتقديم الخدمات التي يحتاجها المواطن لانه لم يتم الاتفاق بعد على دور الإعلام في العقد الاجتماعي ولا استطاع الصحافيون أن يضعوا حدا لكل الممارسات التي لا تتماشى مع أخلاق المهنة.
وتتابع الكعلي بالقول: “مادامت الطبقة السياسية لا تضع إصلاح الإطار العام الذي يتحرك فيه الإعلام أولوية فهي مستفيدة بطبيعة الحال من هذا الوضع الحالي. ومن وجهة نظرنا ليست الطبقة السياسية حاكمة أو معارضة مطالبة بإصلاح الإعلام بل بإصلاح القوانين وتطبيقها وبوضع حد لكل من يتجاوز القانون. وعلى الإعلام أن يفتح هو الملفات الكبرى وأن يشتغل على تطوير المضامين والأشكال وممارسة دوره كسلطة رابعة. كل هذا لم يحدث إلى حد الآن بل بالعكس تستمر محاولات التطويع وتستمر محاولات المقاومة وليس بقاء الوضع على هذه الشاكلة بعامل مساعد في التأسيس لديمقراطية حقيقية وحمايتها. ولا ديمقراطية دون إعلام حر يقدم الخدمة المطلوبة منه للمجتمع”.
وهنا من المهم – بحسب الكعلي- ألا تبقى الهياكل الإعلامية مكتوفة الأيدي إزاء هذا الوضع بل أن تكون فاعلة أكثر عبر العمل على الدفع نحو تطوير القوانين وأيضا نحو إصلاح الإعلام من الداخل والتصدي لأي ممارسات مناهضة لأخلاقيات المهنة وأيضا التدخل لحماية الصحافيين وتحسين أوضاعهم الاجتماعية.