تونس-“القدس العربي”:ظلّ مهرجان عيد الحوت أو “السمك” بتونس وفيا كعادته كل عام لمحبيه ومتابعيه ولمدينة حلق الوادي التي تحتضن هذا الموعد الصيفي كل عام بدون توقف. ورغم الإجراءات الاستثنائية التي تعيشها المدينة البحرية – كما سائر المدن التونسية – فإن القائمين على هذا المهرجان أكدوا على ضرورة ان تعيش مدينة حلق الوادي على وقع مهرجانها في دورته السادسة وهي دورة استثنائية وفق بروتوكول صحي تم اعتماده طيلة أيام المهرجان بسبب فيروس كورونا
وانطلق المهرجان تحت شعار “مدينة حلق الوادي: مدينة الثقافة والسياحة والتعايش والتسامح”. وتحول شارع روزفلت وهو من الشوارع العريقة في المدينة إلى مسرح للعروض الفنية والألعاب البهلوانية التي ملأت المكان فرحا وغبطة وأدخلت البهجة إلى قلوب الصغار والكبار. وحضرت أطباق السمك الشهية والمتنوعة برائحتها التي غطت المكان مع رائحة البحر المنعشة وشمس حلق الوادي الذهبية. وكأن تونس تحلق خارج الزمن وتريد ان تحتفي بعيدا عن ضوضاء الأزمات الاجتماعية والصحية والاقتصادية. ويقدم طبق السمك بسعر رمزي طيلة أيام المهرجان بحوالي 10 دنانير تونسية أي ما يعادل 4 دولارات.
وشهدت شوارع المدينة إقبالا جماهيريا من كل المناطق مع احترام الإجراءات الصحية. وكانت الانطلاقة مع استعراض السيارات القديمة وكأن القائمين على المهرجان أرادوا إعادة عقارب الزمن إلى الوراء في حنين إلى تراث المدينة وماضيها العريق. ففيها كان يحلو لكبار المشاهير والفنانين العرب التجول في أرجائها وفي مقدمتهم المطرب فريد الأطرش الذي قدم أغاني خاصة لحلق الوادي وتونس الخضراء.
وكانت انطلاقة الحفلات الغنائية هذا العام مع العرض الصوفي بحور العشق للشيخ أحمد جلجام في المعلم الأثري المسمى “الكراكة” الذي تم إنشاؤه في أوائل القرن السادس عشر.
وتزامنت السهرة مع رأس السنة الهجرية الذي يحتفل به التونسيون كل عام بطريقتهم الخاصة من خلال إعداد شتى أنواع الأطباق الشهية. وعلى إيقاع الخواطر الصوفية والابتهالات حلّقت الأنفس بعيدا في سماء التصوف لترتاح من عناء سنة كاملة عاش خلالها العالم على أخبار كورونا ومآسيه ومآسي الحروب، فلعل هذه الخلوة الصوفية الايمانية تزيل قليلا من تعب تلك الشهور وتعيد التأكيد على أن الأمل هو ياسمين هذه الحياة وبريقها.
وأهم العروض أيضا سهرة موسيقية غنائية لعبد الرحمان العيادي وعرض فني شبابي “كابري باند” بفضاء الكراكة . انسجاما مع مختلف الأذواق الفنية سواء الشبابية أو الملتزمة وغيرها.
خصوصية سياحية
ويقول مدير المهرجان المنصف الشاوش لـ “القدس العربي” ان لهذا المهرجان خصوصية كبيرة منذ انطلاقته قبل سنوات: “لاحظنا هذا العام أجواء هذه التظاهرة مختلفة بسبب جائحة كورونا التي جعلتنا نغيّر من طريقة التعامل مع الزوار في ظل بروتوكول صحي أقرّته وزارة الثقافة وطلبت من مديري المهرجانات الصيفة تطبيقها بحذافيرها وإلا سيقع إلغاء أي تظاهرة لا تستجيب لهذه الإجراءات. لذلك ارتأينا هذا العام اشراك بلدية حلق الوادي والكشافة التونسية التي لديها خبرة كبيرة في طريقة تطبيق البروتوكول الصحي وقام أفرادها بالتدخلات على النطاق الوطني والجهوي والمحلي مع العديد من المؤسسات الوطنيةّ”. وأضاف: “حضروا معنا لتنظيم حركة الزائرين وللحرص على تطبيق التباعد الاجتماعي. كما كان لبلدية حلق الوادي مساهمة بإنجاح المهرجان من خلال فريق النظافة الذي تولى عمليات التعقيم”. وأضاف الشاوش: “احتراما للبروتوكول الصحي خصصنا هذا العام 600 كرسي فقط للحضور في الكراكة التي تستوعب عادة 1200 شخص، وحتى المطاعم التزمت بتخصيص 50 في المئة فقط من طاقة استيعابها للزوار احتراما لمسافة التباعد أي متر على الأقل”. واعتبر محدثنا ان مهرجان عيد الحوت إضافة إلى خصوصيته الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، كان له أيضا خصوصية صحية هذا العام ومثّل – بشهادة الحاضرين والمشاركين – نموذجا لكيفية التعايش مع كورونا من خلال اتباع قواعد البروتوكول الصحي. وهنا يقول محدثنا: “من الواضح ان موجة كورونا ستظل ترافقنا لذلك لا يمكن تجميد الحياة الثقافية ويجب التعايش مع الوباء بحذر وهذا ما فعلناه”.
وفي عودة إلى بدايات تأسيس مهرجان عيد الحوت يوضح محدثنا بانه تأسّس عام 2001 وتواصل حتى عام 2010 ومع مجيئ الثورة سنة 2011 تجمدت فعاليته مثل أغلب التظاهرات الثقافية في البلاد، لكنه استعاد حيويته وحضوره في روزنامة أهم المهرجانات الصيفية في تونس عام 2016 وعاد لتألقه بمطالبة وحرص من أهل حلق الوادي التي لطالما مثلت مدينة للتعايش بين مختلف الأديان وظلت دائما قبلة كل التونسيين الذين يسكنون العاصمة ومحيطها. ويأتون إلى شواطئ حلق الوادي ليجدوا المقاهي الجميلة والأطباق البحرية الشهية مع “البريكة” التونسية بطعمها الخاص.
وأشار الشاوش إلى انه تم تأسيس جمعية تحت اسم “عيد الحوت” ومهمتها الأساسية هي إحياء المهرجان كل عام ليصبح موعدا قارا كل سنة يُجرى دائما أواخر شهر آب/أغسطس، لتختتم معه المدينة الموسم الصيفي بدفعة اقتصادية وسياحية وثقافية تحيي ليالي الصيف في حلق الوادي.