تونس-“القدس العربي”: يخلط كثير من التونسيين بين النظام الرئاسي الذي تدعو فئة إلى اعتماده عوضا عن النظام الحالي الهجين الذي أقره دستور 2013 وبين النظام الرئاسوي )يستخدم هذا التعبير في البلدان المغاربية ومنها تونس للدلالة على النظام الرئاسي المشوه، الذي عانت مند العديد من الدول العربية تحت سلطة الأنظمة الديكتاتورية. فالفرق بين النظام الرئاسي والرئاسوي هو كالفرق بين الديمقراطية والاستبداد. وأغلب الأنظمة العربية غير الديمقراطية كانت تعتمد النظام الرئاسوي الذي هو تحريف للنظام الرئاسي) الذي تم اعتماده منذ استقلال البلاد وإلى غاية الإطاحة بنظام بن علي في 14 كانون الثاني/يناير 2011. وحين يطالب أنصار النظام الرئاسي بتعديل الدستور لتحقيق الاستقرار السياسي المنشود يتعرضون لانتقادات واسعة من قبل من يخلطون بين النظام الرئاسي والرئاسوي والذين يعتقدون أن منح رئيس الجمهورية المزيد من الصلاحيات سيؤدي إلى نشأة نظام استبدادي جديد.
والحقيقة أن غير الراغبين في النظام الرئاسي لا يدرك أغلبهم أن النظام المعتمد في الولايات المتحدة الأمريكية هو نظام رئاسي، وكذا فرنسا، وهما ديمقراطيتان عريقتان لم تصنفا في خانة الأنظمة المستبدة. ففي هذان النظامان سلطات ثلاث متفرقة متوازنة تراقب بعضها البعض في حين أن في النظام الرئاسوي المعتمد سابقا في تونس، كان التفريق بين السلطات وهميا، فكان رئيس الجمهورية مثلا هو رئيس المجلس الأعلى للقضاء يتدخل في تعيين القضاة وفي ترقياتهم ونقلهم وتوزيعهم على مدن البلاد وهو ما أنتج غيابا لاستقلالية القضاء وهيمنة للسلطة التنفيذية على الجهاز القضائي.
وتوسم التونسيون خيرا بعد الثورة واعتقدوا أن الأمور ستتغير مع انتخاب مجلس أعلى للقضاء مستقل تماما عن السلطة التنفيذية، لكن الواقع وبعض الممارسات تثبت خلاف ذلك وهو ما جعل البعض يتساءل عن مكمن الخلل، هل هو هذه التفقدية التابعة لوزارة العدل التي يعتبرها البعض عصا السلطة التنفيذية المسلطة على القضاة، أم في ترؤس وزير العدل للنيابة العمومية، أم في مسك بعض السياسيين لملفات تدين بعض القضاة وتهديدهم بها في حال عدم الاستجابة للإملاءات؟
أكثر المواضيع تداولا
ماذا تحقق للقضاء بعد قرابة 9 سنوات من الثورة؟ وهل يمكن الحديث عن سلطة قضائية مستقلة؟ الناشط الحقوقي والمحامي رمزي الخليفي قال لـ “القدس العربي” إن “الحديث عن استقلالية القضاء كان قبل الثورة من أكثر المواضيع المسكوت عنها وغير القابلة للنقاش بصفة علنية سواء في الفضاءات العامة أو في وسائل الإعلام، وكل من حاول التطرق لهذا الموضوع تعرض للعقاب والتنكيل. لكن بعد ثورة 14 كانون الثاني/يناير 2011 تغير الوضع وأصبحت هناك حرية تعبير ولعل من أكثر المواضيع تداولا هي استقلالية القضاء، فقد ارتفعت أصوات القضاة والمحامين والمنظمات الوطنية والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني للمطالبة بتكريس استقلال القضاء.
وعن مفهوم استقلال القضاء وما هي الضمانات الكفيلة بتحقيق الاستقلالية، وما مدى تأثير السلطة التنفيذية والقوى الاجتماعية على أداء القاضي؟ يجيب بالقول: “استنادا إلى القانون الدولي والمبادئ الأساسية للأمم المتحدة من الممكن تعريف استقلال القضاء كالتالي: على السلطة القضائية أن تكون محايدة وأن تتعامل مع القضايا بشكل غير متحيز وألا تظهر إجحافا وان تكون مستقلة سياسيا وأن تعمل من دون خوف. وعليه فإن السلطة القضائية عليها أن تفصل في المسائل المعروضة عليها من دون تحيز، على أساس الواقع ووفقا للقانون ومن دون أي قيود أو تأثيرات غير سليمة أو إغراءات أو ضغوط أو تهديدات أو تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من أي جهة كانت أو لأي سبب”.
والقضاء المستقل والنزيه يعتبر ركنا متينا من أركان قيام الدول الديمقراطية وضمان ديمومتها واستمرارها، باعتباره الجهاز المكلف ضمان الحقوق والحريات والمكلف ضمان تحقيق التوازن بين الحاكم والمحكوم وترتيب التعايش السليم بين الناس، وفض النزاعات بينهم بكل حياد واستقلالية حفاظا على السلم الاجتماعي وتكريس الشعور بالاطمئنان والمواطنة.
وقد أولى دستور 2014 أهمية بالغة للسلطة القضائية وخصها بالباب الخامس. وقد نص الفصل 102 منه على أن “القضاء سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل وعلوية الدستور وسيادة القانون وحماية الحقوق والحريات. والقاضي مستقل ولا سلطان عليه في قضائه لغير القانون”.
ويضيف محدثنا: “حيث يتضح من خلال الفصل المذكور تأكيد المشرع على الدور الأساسي للسلطة القضائية في إرساء أركان الدولة العادلة. وقد تدعم هذا الفصل بالفصل 109 من الدستور الذي منع التدخل في القضاء وعدم المس باستقلاليته حيث جاء فيه “يحجر كل تدخل في سير القضاء.”
الهياكل المختصة لاستقلالية القضاء
ويشير الخليفي إلى أن تطبيق مقتضيات الدستور اعترضته صعوبات عديدة لعل أهمها عدم التسريع في إنشاء الهياكل الداعمة لاستقلالية القضاء، وميل بعض الأطراف إلى إخضاع هذه السلطة إلى السلطة التنفيذية، فقد كان من المفترض، حسب ما نصّ عليه الدستور، أن تبادر السلطة السياسية، في أجل أقصاه ستة أشهر من تاريخ إجراء الانتخابات التشريعية (تشرين الأول/أكتوبر 2014) إلى إرساء المجلس الأعلى للقضاء، وأن تقوم، في ظرف سنة من التاريخ نفسه، بإحداث المحكمة الدستورية. وهما هيكلان أساسيان في تأمين استقلالية القضاء، وضمان دستورية القوانين، تأخر ظهور الأول ولم يكتب للثاني الظهور والفاعلية إلى اللحظة. ويضيف: “فقد تم تجاوز المدة المنصوص عليها في خرق واضح للدستور، وقد أثر غياب النواب، وعدم التزامهم بالتوافقات، والتجاذب السياسي في تعطيل تفعيل دورهما في إقامة دولة القانون والمؤسسات ونحن في الأسابيع الأخيرة من الدورة النيابية الحالية ولم تر المحكمة الدستورية النور ويبدو أنها لن تراه إلا بعد الانتخابات التشريعية المزمع انعقادها في 6 تشرين الأول/أكتوبر المقبل إن توفرت الإرادة السياسية”.
ويلاحظ المتابع للشأن العام بصفة عامة وللشأن القضائي بصفة خاصة تعرض القضاة والسلطة القضائية إلى عديد الضغوطات من الإعلام والإعلاميين والنقابات والهيئات وحتى من الشارع ما يؤثر سلبا على استقلال القضاء. وهو أمر يمكن تفسيره بالوضع العام الذي أصبحت تعيشه تونس بعد الثورة وبعض الانفلاتات التي نشهدها أحيانا هنا وهناك. ويردف بالقول: “بصفة عامة أن حال القضاء من حيث الاستقلالية أفضل بكثير بعد الثورة مما كان عليه قبلها رغم الضغوط التي تسلط عليه أحيانا سواء من الإعلام أو النقابات والهيئات أو السلطة التنفيذية”.
ويشدد الناشط الحقوقي على أهمية أن تدعم هذه الاستقلالية بتوفير التجهيزات الضرورية لعمل القضاة وتدعيم المحاكم وتطويرها والتكوين المستمر للقضاة وإخضاع انتدابهم إلى مقاييس صارمة لا من حيث التكوين العلمي والأكاديمي فحسب بل من حيث شخصية القاضي وأخلاقه واستقامته وقدرته على مجابهة الوضعيات الصعبة التي قد تعترضه في عمله كقاض لأن الضعيف لا يستطيع أن يوصل الحقوق إلى أصحابها”.
ظروف صعبة
ويعتبر الخليفي أن القاضي التونسي ومرفق العدالة بصفة عامة يعمل حاليا في ظروف مادية صعبة للغاية يزيدها تعقيدا كثرة الملفات فضلا عن الضغوط التي قد يتعرض لها، وأكبر مثال على ذلك ما يحدث هذه الأيام من تفاعلات في المجتمع التونسي على خلفية إصدار دائرة الاتهام بطاقة إيداع بالسجن ضد المترشح للرئاسية نبيل القروي وشقيقه غازي القروي على خلفية تهم موجهة ضدهما، فقد انقسم الرأي العام في تونس، فأنصار القروي يعتبرون أن السلطة التنفيذية مارست ضغوطا على القضاء لاتخاذ هذا القرار. وفي المقابل تنفي السلطة التنفيذية ذلك وتؤكد على استقلالية القضاء.
ويرى محدثنا أن القضاء تعرض لهجمة شرسة عبر وسائل الإعلام ساهم فيها إعلاميون وسياسيون وغيرهم ما أثر سلبا على صورة القضاء والقضاة لدى الرأي العام التونسي وهو ما لا يخدم مطلقا فكرة القضاء المستقل والنزيه. ويضيف أن أغلب شروط ومعايير ضمان استقلال القضاء قد توفرت في تونس اليوم وما على القاضي إلا أن يختار بين الاستقلالية والتبعية، فمن أراد أن يكون مستقلا فعليه أن يتجرد من أهوائه الشخصية ولا يرضخ للضغوط من أي جهة كانت وأن يحكم طبقا لما يمليه عليه ضميره والقانون وأن لا يخشى في الحق لومة لائم. حسب قوله.
تركيز المجلس الأعلى للقضاء
ويعد المجلس الأعلى للقضاء أعلى سلطة قضائية تسهر على حسن سير القضاء واستقلاليته طبقا لأحكام الدستور والمعاهدات الدولية المصادق عليها. وقد جاء انتخاب أعضائه بعد عراقيل عديدة في خضم مسار تونس الانتقالي وما رافقه من تجاذبات سياسية عديدة أخرت عملية الانتخاب لمرات عديدة. ولكن جاء انتخاب أعضائه ليشكل خطوة هامة على مسار تركيز استقلالية القضاء وحماية هذا السلك الرئيسي بعد الثورة. وقد نص دستور تونس الصادر سنة 2014 وخاصة ضمن الفصول بين 112 و117 على مهام المجلس وصلاحياته ومكوناته وطرق انتخابها وتعيينها. وأبرز صلاحياته: “يتداول كل مجلس قضائي في جميع المسائل الراجعة إليه بالنظر بمقتضى الدستور والقانون وفي كلّ ما يخص سير العمل القضائي في نطاق اختصاصه، كما يتولى ضبط حاجياته في إطار إعداد مشروع ميزانية المجلس الأعلى للقضاء. ويبتّ كل مجلس قضائي في المسار المهني للقضاة الراجعين إليه بالنظر من تسمية وترقية ونقلة، كما يبتّ في مطالب رفع الحصانة ومطالب الاستقالة والإلحاق والإحالة على التقاعد المبكّر والإحالة على عدم المباشرة وفق أحكام الأنظمة الأساسية للقضاة. وحسب الدستور فإن المجلس القضائي يعتمد عند النظر في المسار المهني للقضاة على مبادئ تكافؤ الفرص والشفافية والكفاءة والحياد والاستقلالية. ويراعي لهذه الغاية المقتضيات والمبادئ الواردة في الدستور والمعاهدات الدولية والمعايير والشروط المنصوص عليها بالأنظمة الأساسية للقضاة. وتحدّد المجالس القضائية الثلاثة كل فيما يخصه احتياجات المحاكم من القضاة والشغور الحاصلة في الخطط والوظائف القضائية وتنظر في مطالب النقل والترقيات، ويعلن المجلس الأعلى للقضاء عن الحركة القضائية مرة واحدة في السنة في أجل أقصاه تموز/يوليو من كل سنة ويمكن للمجلس عند الاقتضاء إجراء حركة استثنائية خلال السنة القضائية”.
غياب الاستقلالية
ويقول المحامي والناشط الحقوقي التونسي باديس الكوباكجي لـ”القدس العربي” أنه لا يمكن التشكيك في نزاهة القضاة التونسيين لكن استقلالية القضاء في تونس ما زالت حلما يبدو أنه بعيد المنال وهو ما تثبته- حسب محدثنا الاعتقالات التي تطال النشطاء السياسيين والإعلاميين في تونس من قبل حكومة تودع في السجون من يعارضها أو ينافس مرشحيها في الانتخابات. ويكمن الخلل حسب الكوباكجي في وجود عصا غليظة للسلطة التنفيذية مسلطة على القضاة ويخشونها هي التفقدية التابعة لوزارة العدل التي على رأسها وزير معين من قبل رئيس الحكومة وهذا الوزير أيضا يرأس النيابة العمومية.
ويضيف قائلا: “لم يحقق المجلس الأعلى للقضاء الذي انتخب أعضاؤه بالكامل استقلالية القضاء رغم أن رئيس الجمهورية لم يعد رئيسه كما كان الحال في السابق، فهناك أشياء أخرى لا دخل له فيها تحول دون تحقق استقلالية القضاء. فبعض الساسة في تونس استولوا بطرق غير مشروعة وهم في الحكم على بعض الملفات وسلطوها على رقاب بعض القضاة للهيمنة على بعض مفاصل القضاء خدمة لمصالحهم وضربا لخصومهم.
وفي هذا الإطار فإن نبيل القروي ليس الأول ولن يكون الأخير على قائمة من يسلط عليهم القضاء لإرهابهم، فقد سبقه على سبيل المثال الإعلامي برهان بسيس الذي كان ينشط يومها في حركة نداء تونس وفي حياة الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي. ولن أدخل في مسألة إدانة المرشح الرئاسي نبيل القروي من عدمها فهو أمر ينظره القضاء لكن سأنتقد بشدة الخلل في الإجراءات الذي حصل في عملية اعتقاله وإيداعه السجن حيث حصل فيه خرق فادح للقانون. فلو فرضنا جدلا أنه مجرم فمن حقه أن يتمتع بمحاكمة عادلة وهو ما لا يتوفر في حالته نتيجة لذلك الخلل الفادح في الإجراءات وفي عدم احترام القانون”.